أخبار عاجلة

انتحار المجرمين

59.jpg

 

تشير الاحصاءات الرسمية الأمريكية أنه في كل يوم من أيام العام يحاول خمس جنود أمريكيين الانتحار!  هذا الرقم ارتفع في السنوات الخمس الأخيرة 500%، فقد كان معدل محاولات الانتحار قبل عام 2003م (أي قبل حرب العراق) هو محاولة واحدة يومياً!  لا يوجد جيش واحد في العالم يعاني من معدلات انتحار بهذه الكثافة، وهذا التزايد العجيب، وغير المسبوق في تاريخ الجيوش، يشير إلى تحول في عقلية ونفسية الجندي الأمريكي، وسيتبعها تغير أكبر في المجتمع بأكمله كما حدث في الغرب عقب حرب فيتنام.  هل يشير تزايد معدلات الانتحار إلى ضيق المجرمين من أنفسهم إلى الحد الذي بدأوا يرون فيه أن الانتحار هو الطريق الأمثل للتخلص من جرائمهم؟  لماذا ينتحر المنتصرون .. أليست أمريكا هي من تقدم لنا صورة مشرقة عن أداء جنودها في الحروب، وعلى قدراتهم العسكرية الخيالية والتي لا تقهر .. إذن لماذا ينتحر الأقوياء؟

تشير السجلات العسكرية الأمريكية أيضاً أن معدلات الانتحار قد ارتفعت فعليا من 12 لكل 100 ألف من الجنود لتصبح 17.5 منتحر لكل 100 ألف جندي في السنوات الأخيرة، وهي نسبة عالية مقارنة بأي جيش من جيوش الدول الغربية أو الأوربية.  وفي العام الماضي حاول 2100 جندي أمريكي الانتحار .. خمس محاولات كل صباح .. بينما تشير إحصاءات الجيش الأمريكي أن محاولات الانتحار داخل الجيش الأمريكي لم تكن تتعدى 350 محاولة في العام في الفترة التي سبقت عام 2003م، أي قبل حرب العراق. أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، وهو السيناتور جيم ويب من ولاية فرجينيا أعلن عن مشروع قانون سيقدم للكونجرس الأمريكي قريباً من أجل تحسين برامج “منع الانتحار” داخل الجيش الأمريكي.  أما السيناتور باتي موراي من واشنطن فإنها تقول: إن العلاج المقدم لجنودنا بعد إرسالهم المتكرر للحروب .. قد وصل إلى نقطة الانهيار”.   هل يدرك الجندي الأمريكي أنه يحارب في معركة خاسرة وغير أخلاقية .. أم أنه ليس جندياً مؤهلاً للحروب الطويلة، أم أن الرغبة في الحياة قد تفوقت على الرغبة في القتال إلى حد الانهيار النفسي الذي يؤدي إلى الاكتئاب ثم إلى الانتحار؟  لست مؤهلاً للإجابة على أي من الأسئلة السابقة، ولكنني ألاحظ أن آثار الاعتداء على العراق ستبقى في أمريكا لعقود قادمة، وأن الإنسان الأمريكي سيخرج خاسراً بلا شك من تلك المعركة، وبصرف النظر عن نتيجتها العسكرية. تشير الاحصاءات الرسمية من الجيش الأمريكي أيضاً أن “النموذج التقليدي للجندي المنتحر” هو أنه من “أحد وحدات المشاة، وأنه عادة ما يستخدم السلاح كي ينفذ الانتحار”. 

 أي أنه يستخدم السلاح الذي قتل به الآخرين كي يقتل به نفسه أيضاً! يا لها من مفارقة.  الحل الأمريكي المقترح هو البحث عن الجنود الأمريكيين الذين أمضوا فترات طويلة في العراق ــ هكذا يقولون ــ ثم تعريفهم بمخاطر الانتحار وتوعيتهم بالعلامات التي تشير إلى الاكتئاب المؤدي إليه.  أي أن الحل ليس في عدم الاعتداء على شعوب الأرض، أو الاعتراف بالجرائم، وإنما الحل يكون في الانتباه لعلامات الانتحار عندما تبدأ في الظهور على شخص ما.  أليس هذا هروباً من مواجهة التردي الأخلاقي للجيش الأمريكي الذي يؤدي في بعض الأحيان إلى أن ينتحر جنوده أنفسهم هرباً من فظائع هذا الجيش وأفعاله؟ دعوني أحدثكم عن “أليسا بيترسون”، وهي مجندة لا يحب الجيش الأمريكي أن يتحدث عنها.  أليسا كانت محققة بالجيش، وكان عمرها 27 عاماً فقط،  وكانت تجيد اللغة العربية، وكانت متدينة وتعمل في التبشير لدين المورمون، وتم تكليفها بالعمل في عام 2003م ضمن فرق التحقيقات في سجن تلعفر في القاعدة الجوية التي تقع في أقصى الشمال الغربي للعراق على مقربة من الحدود السورية.  وقد كلفت بالعمل ضمن وحدة تسمى “القفص Cage”، وهي وحدة كانت مكلفة بالتعذيب من أجل الحصول على الاعترافات.  وبعد يومين فقط من العمل ضمن تلك الوحدة، رفضت أليسا الاستمرار في الوحدة بسبب الممارسات الوحشية التي كان زملاؤها يستخدمونها من أجل الحصول على اعترافات من المدنيين العراقيين. تم نقل أليسا بيترسون إلى حراسة البوابة الخارجية للسجن، وبعد أن رفض متحدثون بالجيش الأمريكي أن يشرحوا وسائل التعذيب التي رفضت أليسا أن تشارك بها، بل أنهم قالوا بعد ذلك أن وسائل التعذيب هذه قد تم تدميرها والتخلص منها!  نقلت أليسا بيترسون بعد ذلك إلى معسكر التدريب على “منع الانتحار”، وبعدها بأيام .. في مساء يوم 15 سبتمبر 2003م قتلت أليسا بيترسون نفسها منتحرة باستخدام بندقيتها هي!  ويرفض الجيش الأمريكي حتى الآن الحديث عن مشاهد التعذيب التي شاهدتها أليسا، وكانت كافية لأن تقتل نفسها بسبب ذلك. كل ما يمكن الحصول عليه من الجيش الأمريكي لتفسير انتحارها، هو أنها “كانت تعاني من عدم القدرة على الفصل بين مشاعرها الشخصية وبين واجباتها العملية”.  إنهم لا يبحثون عن جنود، وإنما يريدون صناعة مجرمين، وهذا هو التفسير الوحيد الذي أملكه عند قراءة العبارة السابقة.  قد نستطيع أن نتخيل حال من كانوا يعذبون، ولكن الأهم أن نعرف أن مستقبل من قاموا بتعذيبهم، ولا يزالون على قيد الحياة ليس أفضل كثيراً طبقاً للدراسات والإحصاءات الميدانية؟ يروي الباحث الروسي فيلاديمير باكوفيسكي، في دراسة قيمة له بعنوان “ظلال التعذيب الممتدة Torture’s Long Shadow” عن أثر التعذيب ليس فقط على من يقع بحقهم التعذيب ــ وكان هو بنفسه أحد ضحايا التعذيب في فترة الحكم الشيوعي ــ ولكنه يؤكد أن من يقومون بالتعذيب يتحولون مع الوقت إلى كائنات تعاني من الكثير من الأمراض النفسية والعقلية، ويتحولون إلى إدمان الخمور والمخدرات، ويمارسون العنف الأسري والاضطهاد النفسي على ذويهم ومن حولهم، ويكثر فيهم التحول إلى الجرائم العنيفة، وتنتهي حياتهم في الغالب نهايات مأساوية مفزعة.  

ويذكر باكوفيسكي في نهاية دراسته أن التعذيب قد أدى إلى تدمير من قاموا بالتعذيب بشكل أكثر فظاعة من التأثير الذي أصاب من تعرضوا للتعذيب.  إن الحرب على العراق ستفرز بلا شك آثاراً اجتماعية مدمرة على الأجيال القادمة من الأسر الأمريكية، وهكذا الظلم .. ظلمات في الدنيا والآخرة، والله تعالى يمهل الظالم ولكنه لا يهمله أبداً.

 

عن محرر

شاهد أيضاً

إحصاءات مهمة حول الانتخابات الأمريكية

  تشير الأرقام في كثير من الأحيان إلى حقائق وتغيرات كثيرة تخفى على المراقبين للوهلة الأولى.  …