أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

وهل يجدي الحوار مع البابا؟!

untitleaaaaaaaaaad.png
ألم يئِن الأوان لكي نفكر في وسائل عملية وفعالة لحماية كرامة نبينا صلوات الله وسلامه عليه من أن تُنتهك بين الحين والآخر من قادة وساسة ورموز الدين في الغرب؟  إننا نشهد منذ أعوام تكرار التهجم على النبي صلوات الله وسلامه عليه ممن لا يمكن أن يُعذَروا بالجهل أو عدم معرفة تبِعات ما يقولون.  
 
فمرةً يخرج علينا رئيس وزراء دولةٍ أوروبية، ومرة رئيس دولةٍ أخرى، ومرة كاتب ومفكر معروف، ومرة وسائل إعلامٍ غربية مهمة، وأخيراً العديد من رموز الكنائس الأوروبية والأمريكية، وأحدثها ما ذكره البابا بينديكيت السادس عشر مؤخراً متهماً الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لم يأت إلا بِشَرّ. 
 
في كل مرةٍ ننادي -من طرف واحد- بالحوار كوسيلةٍ لرد الاعتداء، ونطالب علماءنا وقادتنا أن يشرحوا لقادة الغرب ومفكريه من هو نبينا صلى الله عليه وسلم، وكيف نحبه، وكيف أننا لا نقبل أن يُهان من أحد، وكأنهم في الغرب لا يعرفون كل ذلك.  
 
أليس من المناسب أن نتوقف لحظة، ونسأل أنفسنا سؤالاُ مهماً: هل من يهاجمون نبينا لا يعرفونه حقاً.. ولا يعرفون محبتنا وتقديرنا له؟  هل حقاً هم يقعون في أخطاءٍ غير مقصودة؟  لا أعتقد، وآن لنا أن نواجه هذه الحقيقة. إن خصوم الإسلام يعرفون من نحن ومن هو نبينا.. ألم يخبرنا الحق سبحانه وتعالى أنهم يعرفونه كما يعرفون أولادهم.. ألا نقرأ في القرآن: “الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ” [سورة البقرة، الآية: 146]، وهي تدل بوضوحٍ على أن علماء وقادة أهل الكتاب يعرفون محمداً -صلى الله عليه وسلم- معرفةً حقيقية ومستمرة كما تدل الآية الكريمة.  
 
أخبرنا سبحانه وتعالى كذلك أن هذه المعرفة جاءت من كتبهم وليس فقط من اطلاعهم على أحداث العالم أو اهتمامهم بالإسلام، فقد قال تعالى: “الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ” [سورة الأعراف، الآية: 157].  
 
فإن كان البابا بينديكيت مُطَّلِعاً على الإنجيل، ومهتمّاً بالحوار بين الثقافات والأديان، ومعاصراً لزماننا.. وهو بلا شك كل ذلك، فهو يعرف محمداً صلى الله عليه وسلم حق المعرفة، ولا يُعذَر بجهلٍ أو بخطأ، ومثله الكثيرون ممن تهجموا على نبينا طوال الأعوام الماضية.
 
ما المانع أن نواجه هؤلاء دينياً وفكرياً وإعلامياً وسياسياً وثقافياً بدلاً من أن نكتفي بالدفاع عن نبينا؟  لماذا لا نفضح للعالم مؤامرات وجرائم من يدَّعون أنهم رموز التسامح المعاصر؟ إن “الدفاع فقط” قد لا يكون هو الوسيلة المثلى “للدفاع” في الواقع الفكري الغربي الذي ينحى نحو الصدام مع الأمة على كل المستويات.  
 
إنني أدعو في هذا المقال إلى أن نتبنى سياسةً مختلفة في التعامل مع هذه الأزمة المتكررة.. سياسة سلمية بلا شك؛ فالعنف لن يوقِف هذه الحماقات الغربية، ولكنها يجب أن تكون سياسة قوية تنطلق من ديننا ولا تخالفه.. سياسة رادعة تتوحد عليها الأمة وتشترك في تحقيقها.. سياسة مختلفة عما فعلناه سابقاً في محاولة إيقاف من يهاجمون نبي الإسلام عند حدودهم. 
 
إن الحديث عن الحوار والتسامح مهم ولكنه في هذه المرحلة في غير مكانه.. وفي غير وقته.. ومع من لا يستحقونه.  إنني أدعو إلى الحوار ولكن من منطلق الاحترام وإلا فما جدواه أو الداعي له؟.. كيف يقوم هؤلاء بإهانة رموز الأمة ومقدساتها ثم يدعونها إلى موائد الحوار؟!! 
 
هل نجلس إلى موائد الحوار في حياتنا العامة مع من يسبون آباءنا أو أمهاتنا؟  فهل نحاور عندما يُهان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ظلماً وزوراً وبهتاناً -وهو أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا والناس أجمعين؟ ثم يأبى من يفعل ذلك أن يعتذر عما بدر منه، أو يسارع إلى تصحيح الخطأ.  
 
إن هؤلاء يعلمون علم اليقين أننا لسنا قادرين على أن نقابل الإساءة إلى نبينا بالإساءة إلى نبيهم.  فنحن نحب نبي الله عيسى كما نحب جميع أنبياء الله تعالى ورسله -لا نفرق بين أحد منهم- ولذلك يشعر من يهاجمون نبي الإسلام بالأمان المطلق من هذه الناحية، وهم مُحِقُّون. 
 
إن السؤال المحوري في هذه المرحلة يجب أن يكون: ما هي السُّبُل السلمية الرادعة لمنع تكرار هذه الإهانات، ومعاقبة مَن تصدر منه كائناً من كان؟  قد لا أملك تحديد كل هذه الوسائل، ولكنني على يقينٍ أننا نملك الكثير منها، وأذكر بعضها هنا كمقدمةٍ للتفكير في هذا المجال، وأدعو علماء ومفكري الأمة إلى التحرك نحو سياسةٍ أكثر قوة ووضوحاً في مواجهة من يهاجمون رموز الإسلام.  
 
من الوسائل التي أقترحها في هذا المجال: 
• وصف ما يحدث من البعض في الغرب من هجومٍ على الإسلام ورموزه بـ”التطرف الغربي الديني”، وبيان مظاهر هذا التطرف وأدلته ورموزه الفكرية والعقدية، وكيفية التصدي له. 
• إيجاد وسائل ضغطٍ شعبي وإعلامي مستمر وفعَّال لمواجهة هذه الإهانات والرد عليها بما يناسبها. 
• تكوين مؤسساتٍ للمجتمع المدني تتولى التنسيق بين الدول وبين العلماء وبين الشعوب في إدارة هذه الحملات والتعاون بين الجميع من أجل نجاحها.. فرسول الله ليس فقط نبي الشعوب، ولكنه رمز عِزة الأمة أجمعها بقادتها وسياسييها ومفكريها وعلمائها وشعوبها.  ومن المهم السعي نحو الإعلان عن هذا التكاتف بين الجميع في مواجهة من يسيئون إلى نبي الأمة. 
• توحيد الجهود الدبلوماسية في حال تبني القادة السياسيين في دولةٍ ما إهانة رموز الإسلام.. ويتدرج ذلك من إعلان المواقف الموحدة من دول العالم الإسلامي (57 دولة).. إلى البيانات العامة ثم استدعاء السفراء، وطرد البعثات الدبلوماسية، وكذلك التهديد بقطع العلاقات وغيرها من الإجراءات الدبلوماسية المعروفة في هذا الشأن. 
• تفعيل لجانٍ علمية وفكرية تتخصص في بيان ودراسة أسباب تكرار هذه الحملات العدائية والخلفيات التي تحركها، وإتاحة ذلك لمن يتولون الرد على الإساءات. 
• الامتناع عن المشاركة في جلسات الحوار أو التفاوض مع كل من تثبت إساءته للإسلام أو رموزه أو مقدساته. 
• منع من يتورط في إهانة خير خلق الله من زيارة أي دولةٍ من الدول الإسلامية، والدول المتعاطفة معها، والإعلان عن أنهم شخصيات غير مرغوب فيها في العالم الإسلامي. 
• إعداد قائمةٍ سوداء بأسماء وخلفيات من يُعرَفون بالهجوم على رموز الإسلام تعمداً وتكراراً، ومقاطعتهم على كافة المستويات الفكرية والإعلامية والسياسية. 
• إعداد دراسات فكرية وسياسية عن جوانب الضعف والخلل في الخلفيات الدينية والعقدية لمن يهاجمون رموز الإسلام، ونشر ذلك عالمياً باللغات المتعددة، وليس باللغة العربية فقط. 
• استخدام المقاطعة الاقتصادية والثقافية الشعبية كأحد وسائل الضغط العملي، واقتران ذلك بمواقف حكومية ورسمية مشابهة ضمن ما تسمح به القوانين والاتفاقات الدولية في هذا الشأن. 
• ‌التصدي للإعلام المضاد بشكل مستمر ومؤثر، والرد على ما يُثار من شبهات عن ديننا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. 
• تبني كل من يتصف بالإنصاف من مفكري الغرب ومثقفيه ممن يهتمون بأمور العالم الإسلامي، ودعمهم في جهودهم للتصدي للتطرف الديني الغربي المعاصر. 
• إعداد برامج وثائقية عن تاريخ التطرف الديني في الغرب، ومقارنة ذلك بسماحة العالم الإسلامي تاريخياً وعملياً مع مخالفيه. 
 
إن قائمة الأفكار يمكن أن تكون أطول من ذلك وأكثر فعالية ونضوجاً، وآمل أن تكون هذه المبادرة حافزاً للدعاة والمفكرين والعلماء وكل من يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تجديد فكر المواجهة، واختيار الوسائل المناسبة لذلك، ضمن ما تقره الشريعة الإسلامية، وتغلُب فيه المصالح على المفاسد، ويصب في خدمة الأمة والدفاع عن نبيها. 
 
إن الغرب يستخدم معظم هذه الوسائل التي ذكرتُ أعلاه ضمن حملاته الفكرية والسياسية في مواجهة الأمة الإسلامية ونهضتها المعاصرة. لذلك لا يمكن أن يحتج أحد أن هذه الوسائل غير مقبولة عالمياً أو غير متفقة مع الأعراف الدولية.. إننا هنا لا نبحث بالضرورة عن الصواب أو الخطأ من منظور السياسات الدولية، ولكننا فقط نلزم المخالف بما يعتقد وما يمارس.  
 
فالولايات المتحدة ومعظم دول الغرب لديهم قوائم سوداء بمن لا يرحبون بهم في دُوَلهم، وتمارس عدد من دول الغرب الضغوط الاقتصادية على كل من لا يوافقهم في مشروعاتهم للهيمنة، وتعمل المراكز الفكرية الغربية على تشويه كل من يخالف نظام الغرب أو مشروعاته أو تصوراته لمستقبل الإنسانية.  
 
إن ما ذُكر سابقاً لا يخرج عن هذه الوسائل ـ وبالتالي فهي وسائل مشروعة دولياً، ونحن نعاني من ممارستها ضدنا بشكل علني، فلِمَ لا نمارسها نحن بالمثل ضد كل من يهاجمون رموز الأمة؟ لقد فشل العديد من لقاءات الحوار الحضاري التي أُجريت خلال العقود الماضية، ومرجع ذلك كان عدم الجدية حيناً، أو انعدام الحرص على الحوار المتوازن بين الأطراف المتحاورة، وكان أحياناً أخرى لعدم وجود حُسن النية المتبادَل بين المتحاورين.  
 
إن من واجبنا كممثلي حضارةٍ إسلامية إنسانية منفتحة على الغير أن نعمل على فتح أبواب الأمل والرجاء للالتقاء على نقاطٍ وجوانبَ مشتركة مع كل الحضارات والثقافات. 
 
ولكي يتحقق هذا الهدف فلابد أولاً أن تُحدَّد صفات من يشاركون في هذه الحوارات، ويُقصَى عنها -عن طريق المواجهة الفكرية- كل المخدوعين في الغرب أو الجاهلون بالإسلام، وكذا الجاهلون بمفاهيم الغرب وقِيَمِه المعاصرة. إن إساءة البابا بينديكيت إلى خير خلق الله تؤكد -بلا شك- أن التمسك بالثوابت وعدم التنازل عن المبادئ مع المرونة في المناقشة تقتضي من طرفنا توفُّر القدرة على المواجهة عندما تصبح هذه المواجهة هي الخيار الأنسب للنجاح في الحوار الحضاري.  
 
إن الحوار يجدي فقط عندما تتوفر الرغبة الجادة في احترام الآخر، والنية الصادقة في البحث عن مساحات التفاهم والالتقاء.  ما قاله البابا لا يدل على الاهتمام بالحوار إطلاقاً. 
 
إن عبارات البابا واختياراته قد تعكس رغبةً في العودة إلى أعماق الصراع التاريخي الديني الذي كان أبطاله هم القساوسة والمنشغلين بالفكر والاعتقاد من طرف، ويدعمهم في ذلك السياسيون بأطماعهم والعسكر بسلاحهم من طرف آخر.. ولعل ذلك ما يبرر عودة البابا إلى عبارات أحد ملوك بيزنطة في عداء نبي الإسلام لينقلها البابا -وهو كبير قساوسة ورموز الدين في الغرب- إلى المسلمين وغيرهم من أبناء عالم القرن الحادي والعشرين. 
 
إن هذا المقال هو دعوة لأن نتسلح بآليات ووسائل المواجهة الحضارية كأحد طرق الدفاع عن الأمة، وكي ندفع بالبشرية إلى الأمام في طريقٍ أفضل، دون أن نتنازل في ذلك عن محبتنا لنبينا أو قدرتنا العملية على الدفاع عنه وإيقاف مسلسل الإساءة إليه.  المواجهة الفكرية والحضارية -وليس الحوار- ستكون هي الطريق الأقصر والوسيلة الأفضل لتحقيق ذلك بعون الله.
 
د. باسم خفاجي
15 سبتمبر 2009
 

عن محرر

شاهد أيضاً

فلنعد للقلب مكانه!

    – لإي أي لحظة من اللحظات الحرجة في الحياة .. يتوارى العقل خلف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]