أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

تحييد المساجد خارج الحياة !

pj_mosque2.jpg
من المراحل الهامة في تغير الأولويات الأمريكية المعاصرة في معركة التعامل مع القوة العقدية والفكرية للمسلمين هو السعي نحو تحييد المسجد خارج معادلة التأثير على المسلمين.  لقد لاحظ مفكرو الغرب المعادين للدين منذ قرون طويلة أن الطريق الأمثل للتخلص من تأثير الدين يكمن في تهميش مكانة دور العبادة، وارتباط الناس بها.  ونجح مخطط النهضة العلمانية في إبعاد الإنسان الأوربي عن الكنيسة من ناحية، وتحويل الكنيسة الأمريكية إلى مركز اجتماعي وليس ديني من ناحية أخرى.
 
وقد شهدت سنوات المواجهة بين الدول العربية وبين الجماعات الإسلامية أن المنافسة على سيادة المساجد تحسم دائماً لصالح التيارات الشعبية والجماعات الإسلامية بصرف النظر عن قربها أو بعدها من المفهوم الصحيح والمعتدل للإسلام.  ولكن الحكومات العربية والكثير من الحكومات الإسلامية التي تسعى للحفاظ على مكانتها في مواجهة تيارات عديدة تستخدم الإسلام لمحاولة إزاحتها من السلطة سواء بحق أو بغير ذلك قد وجدت أن الطريق الوحيد للتعامل مع المسجد هو أن يدخل تحت سيطرة الدولة بشكل تام.  وكانت هذه هي خطط معظم الحكومات في العقدين الماضيين.
 
أما مفكرو مشروع الهيمنة الأمريكية المهتمون بالتعامل مع الإسلام فلهم تصور مخالف فيما يتعلق بدور المسجد.  هؤلاء المفكرون لا يريدون استخدام المسجد على الإطلاق.  المسجد – في نظرهم – رمز للإسلام بصرف النظر عما سيقال أو يحدث بداخله.  لذلك فإن أصحاب المشروع الأمريكي الساعي إلى تغيير الإسلام سوف يهدفون في المرحلة القادمة إلى تقليل ارتباط الإنسان بالمسجد ما أمكن، ونقل ساحة النقاش والفتوى والفكر والدعوة إلى خارج المساجد لتنتقل إلى الفضائيات أو جمعيات المجتمع المدني أو المنتديات الفكرية أو الإعلامية.
 
عندما ينقل النقاش حول الإسلام إلى خارج المسجد تنفتح الكثير من الفرص لأنصار مشروع تغيير الإسلام.  فعندها يصبح رجل الدين مجرد طرف في النقاش، ويمكن أن يتم التغلب على أفكاره من خلال الحيل الإعلامية والتسويقية .. وغيرها من الطرق التي لا تمت إلى الرسالة أو المضمون بصلة.
 
إن الفضائيات وشبكات الإنترنت والمنتديات الفكرية قد نجحت في الأعوام الأخيرة في منافسة المساجد في الكثير من الفعاليات، وكثير من تلك النجاحات إيجابي بالقطع.  المرأة المسلمة تسأل الشيخ على شاشة الفضائية.  المؤسسات الخيرية تخاطب المشاهدين وزوار المواقع للتبرع لأعمالها.  الدروس العلمية غادر الكثير منها ساحات المساجد إلى ساحات الفضاء الإعلامي الإلكتروني والتلفزيوني، وأصبحت تنافس قنوات الغناء والطرب، ولا تبعد عنها بأكثر من لمسة بسيطة على جهاز التحكم في القنوات.
 
حتى أوقات الناس التي كانت تخصص للذهاب إلى المساجد أصبح الكثير منها يخصص لمشاهدة التلفاز، أو التجول في منتديات الإنترنت.  لم يعد هناك حاجة حقيقة للذهاب إلى العالم أو الداعية أو المفتي في المسجد، فيمكنه أن يأتي إليك عبر الشاشات، أو من خلال البريد الإلكتروني أو المواقع المتخصصة.  حتى فكرة تعليم العلوم الدينية وتعلمها غادرت المساجد إلى المؤسسات الخيرية والتعليمية من ناحية، وإلى وسائل الإعلام والفكر من ناحية أخرى.
 
لم يحدث كل ذلك بسبب تخطيط أمريكي .. فليس الأمر هوس بنظرية المؤامرة .. ولكن هناك الكثير مما يحدث تلقائياً مع تطور التقنيات ووسائل الاتصال والتواصل، ولكن يتم دفعه من خلف الستار وتشجيعه لأهداف تبعد عن مخيلة المشاهد البسيط.  التقنيات ليست إلا وسائل يمكن استغلالها والاستفادة من مميزاتها أو حتى عيوبها لمن يخطط للمدى الطويل.  ولا يمكن إنكار أن تحييد المسجد خارج مساحة التأثير على المسلمين هو هدف يمكن أن تستغل التقنيات لتحقيقه.  يكفي أن نسأل سؤالاً هنا: ألم يبتعد كثيراً في الأعوام الأخيرة عن حياة الناس؟
 
سيقول البعض: بالطبع لا؟  انظر إلى المساجد وكيف تمتلئ بالمصلين في رمضان وفي صلاة التراويح .. وإلى ذهاب الناس إلى صلاة الجمعة.  وكل ذلك صحيح.  ولكن لنتأمل قليلاً في ذلك.  كم منهم اليوم يجلس بعد الصلاة ليستمع لدرس أو موعظة؟  كم من الحضور يذهب للإمام ليحدثه في أمر من أمور الدين أو الدنيا؟  إن ظاهرة امتلاء المساجد بالمسلمين ظاهرة خير ولا شك، ولكنها ظاهرة لا يستفاد منها بالقدر الكافي لتبصير المسلمين بأمور دينهم ودنياهم.  الذهاب إلى المساجد بهدف التعلم والاستفادة في تناقص واضح رغم أن عدد رواد المساجد ممن يرغبون في عمارة بيوت الله والحصول على الثواب من الصلاة في المسجد في تزايد ملحوظ في معظم أنحاء الأمة الإسلامية والعربية.  هناك تغير ملحوظ في علاقة المسلم بالمسجد، فهذه العلاقة بدأت تتخذ أنماطاً اجتماعية مختلفة كثيراً عن أي وقت سبق.
 
لقد أصبحت معايير اختيار المكان الذي يصلي الإنسان فيه مثلاً مرتبطة بعوامل جديدة يكثر الناس من التحدث عنها، ومنها اتساع المسجد، وسهولة الوصول له، وسرعة الصلاة فيه، أو جمال صوت القارئ، أو قوة أجهزة التكييف، أو فخامة البناء، أو نوعية المصلين .. كلها أمور لا بأس بها، ولكنها أصبحت تسبق علم الإمام، أو نوع الدروس، أو الرقي الفكري أو الدعوي للمحاضرات أو المواعظ.  المسجد بدأ يتحول إلى ظاهرة اجتماعية، ويبتعد عن أحد أدواره كمركز إشعاع ديني.
 
إن نقل مركز التأثير الإسلامي إلى خارج المسجد ليس أمراً سيئاً أو ضاراً طالما بقي المسجد محتفظاً بزمام القيادة.  أما عندما تستخدم القوانين والإجراءات الحكومية لتحجيم رسالة المسجد، وبالتالي فقدان الدور القيادي لصالح القنوات الفضائية أو ساحات الإنترنت، أو وسائل الإعلام المكتوب، أو مؤسسات المجتمع المدني، فإن تغيير الإسلام والعبث برسالته سيبدو مهمة أسهل لمن يسعون في ذلك، أو يظنون أنهم قادرون على هذا التغيير.
 
د. باسم خفاجي
11 فبراير 2008

عن محرر

شاهد أيضاً

سلسلة مقالات الثورة (15) – نحتاج إلى ثورة !

في العام الماضي كتبت أننا لا زلنا بحاجة إلى ثورة .. وفي العام الذي قبله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]