أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

تعايش أم تطبيع الإساءة إلى الأديان؟

d8afd98ad986-300x206.jpg
“إن على المسلمين المقيمين في الغرب أن يعتادوا على الرسومات المهينة لرموزهم الدينية لأننا هنا في الغرب، نهزأ بكل شيء.. كما أنني أعتقد أن المسلمين سيتفهمون أن هذا هو النظام السائد هنا، وهو ليس ضد المسلمين.. إنها فحسب مسألة المبدأ الذي يمكننا من الإساءة للأديان عامة”  
 
هكذا تحدث الرسام السويدي لارس فيلكس، والذي قام بالإساءة إلى نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام مؤخراً في حديث إلى قناة سي. إن. إن  الدولية.  
 
إنه يدعو ببساطة ووضوح إلى حرية الإساءة للأديان عامة؟  والسؤال هو: لماذا؟ لماذا يسعى البعض في الغرب في الآونة الأخيرة إلى ترسيخ فكرة حق الإساءة إلى الأديان .. جميع الأديان. ولماذا تتبنى الدول الأوربية ذلك في الآونة الأخيرة وبشكل مستمر ومتكرر أيضاً.  لقد لفت نظر ما حدث مؤخراً في أحد مدن جنوب السويد، ولم تتحدث عنه وسائل الإعلام العربية على الإطلاق. 
 
لقد خرج نحات سويدي آخر بفكرة جديدة لإهانة الأنبياء.  هذه المرة صنع تمثال، ووضعه في أحد ميادين المدينة.  التمثال يصور نبي الله عيسى عليه السلام على شكل رأس كلب عليه تاج ينزف منه الدم، ويظهر في التمثال أيضاً نحت لمنطقة العورة للنبي، وإظهار الأعضاء التناسلية بالتمثال بشكل مبالغ فيه، في إهانة أخرى لنبي الله عيسى. يدعي النحات، واسمه ستيج رامسينج، وعمره 59 عاماً أنه فعل ذلك من أجل المزيد من الحوار حول الدين، وأنه استلهم الفكرة من الرسام الذي صور نبي الله محمداً صلى الله عليه وسلم على صورة رأس كلب أيضاً، وذكر في حوار صحفي معه أن “دوري قد حان لكي أشعل حواراً عقلانيا حول دور الدين”. 
 
 ولا أدري كيف يمكن لتمثال كهذا أن ينتج حواراً عقلانياً كما يدعي ذلك النحات.  ثم لماذا يشغل شخص علماني لا ديني نفسه بفكرة الحوار حول الدين؟  أليس ذلك دلالة أن الدين لم يتم محوه من ذاكرة المجتمعات الأوربية كما كان يحلم البعض عندما أعلنوا في أوربا عن “موت الإله” تعالى الله جل وعلا. إن من العجيب أن تكون إهانة دين ما مدخلاً للحوار حول ذلك الدين؟  إن العالم يشهد في المرحلة الحالية مشروعين متوزايين.  المشروع الأول تتبناه التيارات اللادينية والعلمانية في أوربا تحديداً، وتدعو فيه علناً إلى إقصاء الدين بعيداً عن حياة المجتمعات، وتحويل جميع الأديان، ورموزها إلى كيانات يستهزأ بها وتهان من حين لآخر إلى أن يتعود المتدينون على ذلك، وتنخفض رؤوسهم خجلاً عندما يذكر دينهم، أو أنبيائهم، أو معتقداتهم.   إن جميع الأديان السماوية في العالم تتعرض إلى هجمة شرسة من هذا الفريق تهدف إلى الحد من تأثيرها على البشر، أو قدرتها على تقديم بدائل للمشروع المادي الليبرالي الغربي الذي وصل إلى منتهاه، ولكنه فشل في إسعاد البشر، أو في تقديم إجابات مقنعة عن الأسئلة الكبرى والأساسية في حياة الإنسان.  
 
إن هذا الهجوم المتواصل والمتكرر على الأديان، وعلى رأسها دين الإسلام من قبل اللادينيين والعلمانيين في الغرب، إنما يعكس فشلهم ويؤكده عملياً ودولياً على أكثر من صعيد. أما المشروع الآخر، فهو مشروع تتبناه التيارات الدينية المتعصبة في أمريكا وأوربا، وهي قليلة العدد، ولكنها مؤثرة للغاية، وتهدف تحديداً إلى تجريم الإسلام، وتبرير الإساءة إليه تحت مبررات الحرب على الإرهاب من ناحية، والدعوة إلى المسيحية في مواجهة الإسلام من ناحية أخرى، وتنقية أوربا والغرب من الخطر الإسلامي من ناحية ثالثة.  
 
وقد ظهرت العديد من الدعوات الدينية في أوربا مؤخراً حول ذلك.  ومن بينها جماعة أطلقت على نفسها اسم “الرب يريد المحبة”، ومكتوب على صفحة الويب الخاصة بهذه الجماعة، والتي أُعدت في ربيع 2007 بمناسبة الاحتفال بعيد الميلاد الثمانين للبابا بندكتوس السادس عشر: “لقد حان الوقت أن نتحرك لحماية الغرب وكل المهددين من الإسلام المتطرف… إننا يجب أن نحاول إعادة تنصير البلد الأصلي والتبشير بين المسلمين بحذر، حيث ينبغي علينا محاولة إبعادهم عن تمسكهم بـ”النبي” بطريقة لطيفة”. وهناك أيضاً “الإتحاد الألماني للحركات المدنية لحماية الديمقراطية والوطن وحقوق الإنسان”، والذي يسعى إلى “الوقوف ضد تكوين مجتمع إسلامي أصولي متواز في ألمانيا”.  
 
ومن بين مطالب الإتحاد “مراجعة المادة الرابعة من القانون المدني الالماني (الخاصة بحرية ممارسة الدين) وذلك فيما يتعلق بتطبيقها على الإسلام السياسي، ومنع بناء المآذن، وتجاهل البنوك والممولين الذين يقدمون ودائع مالية مطابقة للشريعة الإسلامية حتى لا يدخل النموذج الاقتصادي الإسلامي في نظامنا الاقتصادي”.  إن المشكلة إذن ليست في الإرهاب كما يدعون، وإنما في وجود أي رمز من رموز ارتباط الإنسان بالدين، حتى لو كان ذلك في المجال الاقتصادي أو مجال ممارسة الشعائر فقط.  لماذا يريد اتحاد لحماية الديمقراطية أن يمنع بناء المآذن .. ولماذا المآذن تحديداً؟ وفي موقع ألماني آخر يقوم صاحب الموقع وهو شتيفان هيرا من مدينة برغش غلادباخ، وهو مدرس للدين الكاثوليكي، بعمل متجر إلكتروني  على صفحة الويب، يمكن متصفح الموقع من شراء شارات وفناجين مكتوب عليها “الخوف من الإسلام والفخر بذلك”.
 
 ويكتب أحد مستخدمي هذا الموقع: “لماذا لا ينبغي أن أكره المسلمين بصفة عامة مثل النازيين؟ كلاهما يمثل أيديولوجيا فاشية دينية مزيّفة”. هل يمكن أن تعبر النماذج السابقة، وهي نماذج متنامية ومتزايدة في الغرب في الأعوام الأخيرة عن رغبة حقيقية في احترام الأديان، والتعايش بين ممثليها، والمنتمين لها، وبين غيرهم من اللادينيين أو العلمانيين؟  إن مجمل الصورة الحالية في الغرب توحي بأن شعارات التعايش والحوار ليست إلا وسائل تخدير تهدف إلى إضعاف قدرة الخصم على المواجهة والمصادمة الفكرية، وبالتالي تمرير فكرة الإساءة إلى الأديان، وجعلها هي النموذج والدليل العملي الوحيد على التحضر والعقلانية والقدرة على التعايش مع “الآخر”.  أتساءل في نفسي .. هل هذا الثمن مقبول للأمة العربية والإسلامية ليتم قبولها في نادي المتحضرين؟  هل الإساءة إلى الأنبياء ثمن يجب دفعه لكي يتعايش معنا الغير .. أو لكي نتعايش معه؟
 
 
د. باسم خفاجي
28 فبراير 2008
 

عن محرر

شاهد أيضاً

لن أيأس من الكلام عن موضوع الريا

– هناك من يقولون أننا لابد أن نتأكد من أن هناك ربا .. قبل أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]