أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

عام في يوم !

عام فى يوم.jpg
 
يرى البعض أنه من الجميل أن نحتفل بيوم لليتيم .. ويوم للحب .. ويوم للأم .. ويوم لميلاد نبي .. ويوم للربيع .. ويوم لميلاد كل منا .. ويوم لكل عزيز وهام في حياتنا، لأننا بدون تلك الأيام ننسى أو نتجاهل قيماً عزيزة على حياتنا وفي مجتمعاتنا على حد قول هذا البعض.  ولكي نجعل لهذه الأيام قيمة تليق بها فقد أسميناها أعياداً .. وحاربنا رجال الدين والمجتمع والدنيا كي نسميها أعياداً .. ونحولها كذلك أحياناً إلى أياماً قومية نتوقف فيها عن العمل كي نتفرغ للاهتمام بالمناسبة والاحتفال بها .. هكذا قالوا لنا.
 
بعد ذلك تعلمنا أنه لابد في الأعياد من أن نتبادل الهدايا، وأن يكون ذلك هو دليل اهتمامنا بالمناسبات التي ابتكرناها.  صنعنا لكل مناسبة أو لكل عيد ما يناسبه من المنتجات .. أحياناً مأكولات .. وأحياناً أخرى ورودا .. وممكن أن تكون الهدايا عطوراً أو ملابس .. المهم أن ننفق مالاً وأن نشتري شيئاً ما .. لنعبر عن احتفالنا وسعادتنا بهذه المناسبة أو مشاركتنا فيها.  علمونا أنه لابد أن تشتري شيئاً لكي تكون سعيداً أو كي تبدو سعيداً .. ومهم أيضاً أن تشتري شيئاً ما في كل مناسبة لتظهر أنك أيضاً مواطن صالح في عالم الاستهلاك.  من الذي يعلمنا كل ذلك، ولماذا يعلموننا هذه الأمور؟  هل هم الأنبياء والحكماء .. أم أنهم أصحاب مشروعات النهب والاستهلاك في عالم اليوم؟يصورون لنا أننا من خلال الشراء والاستهلاك يوماً في العام ربطه غيرنا بأمر ما .. نصبح أكثر تحضراً ومدنية .. أظن أننا فقط نصبح لحظتها أكثر طاعة لسادة الاستهلاك وموردي البضائع في عالم اليوم، ولعل هذا هو المطلوب حقاً.  أعجب لحالنا .. تجادلنا أحياناً حول مسميات تلك الأيام .. أو الأعياد فبدلاً من عيد الأم .. لم لا يكون عيداً للأسرة .. وبدلاً من ميلاد المسيح .. نسميه نحن المسلمون ذكرى المولد الشريف، واختلفنا كثيراً حول قيمتها، وحول مشروعيتها، ولكننا لم ننتبه كيف تغير هذه الأيام التي أصبحنا نسميها أعياداً من أنماط حياتنا وعلاقاتنا وارتباطنا بديننا أيضاً.  لم ننتبه كيف نختزل واجبات ومسئوليات عام لكي نختصرها أو نتخلص منها جميعاً في يوم واحد .. ويكون ذلك من خلال شراء شيء .. أي شيء .. ندفع مالاً لنتخلص من مسئوليات في أعناقنا .. نتحول إلى مستهلكين .. لكي نهرب من الالتزامات الحقيقية التي تميز الإنسان ــ ذلك المخلوق الاجتماعي الفريد ــ عن غيره من المخلوقات.
 
اختزلنا الاهتمام بالأم .. إلى مكالمة هاتفية صباح ذلك اليوم .. نقول فيها .. “كل سنة وأنت طيبة يا ست الحبايب” .. كما علمونا من خلال الأغنيات .. ونأتي لها بهدية تعبر عن حبنا .. وكلما زادت قيمة الهدية المالية .. كان ذلك دليلاً على أن المحبة أكبر .. هكذا علمونا.  نتبرع بمبلغ من المال لجمعية ما يوم اليتيم كي نشعر أننا نعين أيتام بلادنا، ونحبهم أيضاً.  وفي ذكرى الزواج أو يوم ميلاد الزوج أو الزوجة .. ليس مهماً أن نفكر في مسيرة الحياة المشتركة .. فقد علمونا أن المهم أن نأتي بهدية قيمة مناسبة نشتري بها الرضا والسعادة من الطرف الآخر الذي نرى أننا نحبه .. وأنه يحبنا .. الهدية ذات القيمة المرتفعة في يوم محدد هي مقياس ذلك بالطبع. أصبحت قيمة الهدية المالية هي التعبير الحقيقي والرئيس عن كل أنواع الاهتمام .. هكذا تحولت مقاييس المحبة في حياتنا .. ارتبط أي نوع من الاهتمام بالقيمة المالية لهدية ما.  أعرف أن بعض من يقرأ هذه الكلمات قد يعترض على هذا الأسلوب، ولكني أحسب أن سبب الاعتراض هو أن قسوة العبارات إنما هو لصحتها .. وأن الألم المصاحب لقرائتها ليس إلا شوكة توقظ ضمير من تزعجه قراءة تلك الكلمات لأنها تعبر عن واقع وصلنا إليه .. ولم نتوقف لحظة لنسأل أنفسنا .. هل إنفاق المال هو المعيار الصحيح أو الحقيقي للمحبة أو الاهتمام؟ تزعجني كثيراً كلمة أسمعها تتردد في مجتمعاتنا.. تزعجني رغم أهميتها.. إنها كلمة “الواجب” .. ففي كل مناسبة يتحدث الناس أن شراء شيء للآخرين هو تعبير عن قيامهم بـ “واجب” ما نحو العلاقة.  أصبحت كلمة “الواجب” هذه كلمة ثقيلة على نفوس الناس، ويقومون بها ليس قناعة بما يفعلون، وإنما لأن الضغط الاجتماعي يجبرهم على فعل ذلك.  هذا الضغط تحول أيضاً إلى معايير استهلاكية مالية بالدرجة الأولى.  فكلمة “الواجب” الآن تعني بالدرجة الأولى شراء شيء .. أو إنفاق مال لإرضاء طرف آخر يتوقع منك أن تفعل ذلك.  تذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يوصينا قائلاً .. “تهادوا .. تحابوا”  .. أي تهادوا لكي تتبادلوا المحبة.  لم يقرنها الرسول صلى الله عليه وسلم بيوم ما .. أو بسبب ما .. ولكنه جعلها مطلقة عامة كي تنمو المحبة بين الناس دون توقعات مسبقة.  سؤالي لمن يقرأ هذه الكلمات .. هل أهديت أحداً مؤخراً هدية .. دون سبب .. فقط لأنك أحببت أن تهديه هدية .. ليس من الضرورة أن تكون قد اشتريت شيئاً .. ولكن المهم هل فكرت مؤخراً في إعادة سنة التهادي بين الناس دون أن يكون ذلك لعيد فرضه علينا الغير .. أو لواجب فرضته علينا تقاليد مجتمع! أنا لست ضد التقاليد التي تضع قواعد لما يسمى بالـ “الواجب” بين الناس، ولكنني لا أرى أن نصبح أسارى للشراء والاستهلاك للتعبير عن هذه الواجبات.  أنا أرى أن نحارب من يريدون لنا أن نتحول إلى ماكينات استهلاك .. نشتري كلنا نفس الشيء في نفس الوقت .. لنفس المناسبة .. لكي يكسبوا هم الكثير من المال، ويروجوا بضائع لا تستهلك عادة بتلك الكميات.  انظروا كم يباع من الورود فيما أسموه بعيد الحب، وكم يباع في غيره من الأيام لتعرفوا كيف يحولون شعوبنا إلى ماكينات استهلاك منظمة ومقننة.  ليس عيباً أن نهتم بالأم أو بالزوج أو بالزوجة أو بسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم أو باليتيم أو الوطن .. العيب أن نختزل هذا الاهتمام الذي يجب أن يكون يومياً وطوال العام .. نختزله أولاً في يوم واحد من أيام العام .. ثم نحول اهتمامنا في ذلك اليوم إلى شراء شيء ما لكي نبدو صالحين .. ولنقنع أنفسنا أننا فعلنا ما يجب، وأننا بخير حال.  أرى أن نستثمر وقتنا وليس فقط أموالنا في العلاقات .. وأن ننفق من مشاعرنا إضافة إلى ما ننفقه من جيوبنا لإظهار المحبة والتآلف بيننا، وألا نخص ذلك بيوم ما .. ولكن أن نجعل من كل أيام حياتنا فرصاً للاحتفاء الدائم بكل من نحب وكل ما نجل ونقدر ليس لأنه فقط “واجب” .. ولكن الأهم لأنه تعبير عن مشاعر ورغبات حقيقية في التواصل مع الغير، والاهتمام بكل عزيز وغال في حياتنا.
 
تزعجني كثيراً كلمة أسمعها تتردد في مجتمعاتنا.. تزعجني رغم أهميتها.. إنها كلمة “الواجب” .. ففي كل مناسبة يتحدث الناس أن شراء شيء للآخرين هو تعبير عن قيامهم بـ “واجب” ما نحو العلاقة
 
د. باسم خفاجي
19 ابريل 2008

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]