أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

ليته لم يمت !

ليته لم يمت.jpg
شاركت في حوار تلفزيوني حول الإساءات المتكررة ضد الإسلام والمسلمين في العالم الغربي، وشاركتني في الحلقة زميلة من أحد مراكز الحوار بين العرب والغرب.  لفت نظري في حديثها أنها تمنت لو أن المخرج الهولندي “فان جوخ” لم يمت لأنه في نظرها كان لديه صورة مشوشة عن الإسلام، وتمنت زميلتي في الحوار لو أنه لم يمت حتى تحاوره، وتبين له حقيقة العرب والمسلمين، وتعرفه بكتاب الله.  
 
أزعجها كذلك أنني لم أشاركها الرأي في الحزن على هلاك ذلك المخرج الذي استهزأ بآيات الله، وأثق أن حسن النية كان دافعها للاختلاف معي في رأيي أن هلاك مثل ذلك الإنسان هو أمر يفرح المسلم لحدوثه، حتى وإن لم يوافق على الطريقة التي انتهت بها حياة ذلك الإنسان.
 
وفي المقابل، فقد أعجبني حرص هذه الزميلة التي شاركتني في اللقاء التلفزيوني على أن تستخدم وسيلة الحوار مع جميع البشر حتى الخصوم والمعادين منهم من أجل التعريف بأمتنا وقضايانا.  
 
توقفت كذلك عند حسرتها أنه مات قبل أن يتاح لها فرصة الحوار معه! تساءلت .. لماذا نحرص فقط على الحوار مع خصومنا ومن يجاهروننا العداء؟  لماذا لا نهتم إلا بالحوار مع من يعادون الأمة ويكرهون كتاب الله، ويكيلون لنا الإساءات والاتهامات .. ونتمنى أن يبقيهم الله على قيد الحياة كي نحاورهم .. وننسى أن حولنا في العالم ملايين البشر ممن لا يعادوننا، وممن يرحبون بالحوار معنا وتفهم قضايانا، بل ومشاركتنا في الدفاع عن ديننا ومعتقداتنا، ولكننا مع ذلك نهمل هؤلاء ولا نهتم بهم.
 
هل تعلمون كم من البشر يموت كل دقيقة أو كل يوم؟  إن الإحصاءات العالمية توضح أن العالم يفقد كل صباح أكثر من 153 ألف إنسان، وهو ما يعني أكثر من 107 وفاة في كل دقيقة.  وهذا يعني أنه منذ بدأت ــ أنت أيها القارئ الكريم ــ في قراءة هذه الكلمات .. فقد العالم ما يزيد عن 100 شخص .. لم نستطع أن نحاور معظمهم، ولن نتمكن من أن نحدث من مات منهم على غير الإسلام عن ديننا أو أمتنا أو نحاوره حول أحوال عالمنا المسلم وعدالة قضايانا.  
 
إذا كان العالم يفقد كل صباح 153 ألف إنسان .. فإن منهم أكثر من 100 ألف غير مسلم .. ماتوا ولم يؤمنوا بالله رباً أو برسالة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
يموت كل صباح 100 ألف إنسان، ونفقد القدرة على مخاطبتهم أو الحوار معهم إلى الأبد، فهل سيكون منهم من يشكونا إلى الله؟  هل نعلم أنه في حياة كل منا .. إن مد له الله العمر حتى يبلغ سبعين عاماً فإنه سيموت في نفس فترة حياته ما يزيد عن 4 مليار إنسان .. أي أربعة آلاف مليون إنسان؟ لا شك أننا بحاجة إلى الحوار مع البشر لكي نعرفهم بالعالم الإسلامي وقضاياه ودين الإسلام كذلك.  
 
لكن الحقيقة أن العمر قصير، والرحلة شاقة في الحياة، لذلك يجب أن نبذل الجهد بالشكل الأمثل والذي يحقق أفضل النتائج على أرض الواقع، وليس أقلها.  إنني أدعو أن نهتم بمحاورة من يرغبون في الحوار معنا في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، والعديد من دول الغرب أيضاً، وألا نبذل جهود مضنية في إقناع من ينابذونا العداء .. فهم لا يعاودننا بسبب الجهل فقط، وإنما الكثير من خصومنا يعلمون تماماً من نحن كأمة وماذا نريد بحق، وأننا أصحاب مشروع منافس للمشروع الغربي، وبالتالي فإن منبع عداءهم ليس الجهل بالضرورة، والحوار مطلوب معهم أيضاً، ولكنه لن يكون مثمراً بنفس قدر محاورة من يرحبون بالتعاون والعمل المشترك مع العالم الإسلامي، وهم بالمناسبة أغلب سكان الكرة الأرضية، فالغرب بمجمله ليس إلا نسبة قليلة من سكان عالم اليوم.  وأرى أن هذه المرحلة من التنافس الحضاري مع الغرب ليست مرحلة الحوار، للأسف.
 
أنا لست ضد مبدأ الحوار مع الخصوم، ولكني أشكك في جدواه في هذه المرحلة مع الغرب، وقد كتبت سابقاً أنني أرى أن أفكار الحوار هي أفكار براقة وجميلة في ظاهرها، إن لم تخالف الشرع ، ولكنني أتساءل: هل هي مبدأ أم نتيجة؟ وهل هي قيم مطلقة حتمية! .. هل من يرفض الحوار لا بد أن يتهم مباشرة أنه “إرهابي” أو محرض على الإرهاب .. أو على الأقل متخلف ظلامي؟  ماذا عمن يرفضون الحوار أو التعايش مع الاحتلال، ومن لا يقبلون التعايش مع ظلم شعوب ودول بعينها لشعوب أخرى بالقهر والهيمنة؟  
 
ما المانع في هذا الزمان أن أرفض الحوار مع من يريدون الإساءة إلى ديني .. أو من يريدون تغيير هوية الأمة التي أنتمي لها .. أو يريدون سرقتها أو الهيمنة على شعوبها دون أن أتهم بالغلو أو التطرف أو الإرهاب.  
 
إنني على يقين أني لست الوحيد الذي يرفض مثل هذه الأنماط السابقة من الحوار والتعايش .. بل على العكس فهذا هو موقف أغلب الأمة الإسلامية من هذه الأنماط .. وليس موقف أو رأي أقلية مهمشة أو مغالية في المجتمعات العربية والإسلامية.
 
الحوار في بعض الأوقات ليس هو الخيار الأنسب، وهو في نهاية الأمر وسيلة وليس غاية. إن رفض التعايش مع الظلم والبغي والاحتلال قيمة أخلاقية كبرى، وضرورة إنسانية من أجل البقاء، وغريزة جبلت عليها النفوس.  كما أن رفض الحوار لاختلاف الرؤى والتصورات مع الغير أمر يمكن فهمه أيضاً، ولا يعني بالضرورة أنه أمر سلبي أو غير أخلاقي.  
 
من منا كبشر يتحاور مع كل أنواع البشر حوله، وتحت أي ظرف وفي كل حال؟  لا يعقل تصور هذا في حال البشر، ولم يحدث تاريخياً حتى مع أفضل القدوات من أنبياء ومصلحين.  وفي المقابل فإن “رفض التعايش” لا يعني بالضرورة الاعتداء على الغير، ولكن يعني حق اختيار الأفراد والمجتمعات لطبيعة العلاقة التي تربطهم بغيرهم.  أن تتحاور مع إنسان أو مجتمع أو أمة هو خيار مطلوب ومرغوب في بعض الأحيان، وكذلك أن “ترفض التعايش” أو الحوار هو أيضاً أمر مطلوب ومرغوب في أحيان أخرى.  
 
وقد يكون “رفض التعايش” أو الحوار في مرحلة ما .. هو الطريق الأصح والأسرع والأسلم للوصول إلى مرحلة تالية من “التعايش” على أسس أفضل وأكرم وأكثر قدرة على الاستمرار والبقاء.  لذلك اعترضت على زميلتي التي تمنت أن تحاور “فان جوخ” وأحسب أنني محق في اعتراضي ذلك، ولها كل التقدير، ولكني لا أشاركها الرأي.
 
د. باسم خفاجي
10 مايو 2008
 

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]