أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

الإيمان .. وكوريا ولبنان

imafges.jpg
أزور في هذه الأيام كوريا .. وهي مبهرة في الكثير من الأشياء .. النظافة تحيط بك في كل مكان، والشعب يقدس النظام والعمل إلى حد لافت للانتباه .. يتميز الشعب الكوري كذلك بالأدب الرفيع وحسن التعامل مع الضيوف والرغبة الحقيقية في تقديم أفضل صورة عن كوريا في كل المجالات .. وفي المقابل فوجئت بالأمس وأنا أزور أحد المعابد التاريخية أن الناس يسجدون لصنم في تلك البلاد .. ليس في الأمر مبالغة أو صورة رمزية .. فهم حقاً يسجدون للعديد من التماثيل وليس فقط لتمثال بوذا، وإنما للعديد من الأصنام. ظننت في البداية أنها فقط علامة احترام مبالغ فيه وليست عبادة، فهم كثيراً ما ينحنون للتعبير عن تقديرهم للآخرين، ولكن الدليل السياحي الكوري أخبرنا أن المؤمنين ببوذا يعتقدون حقاً أنه ينفع ويضر، وأنه يبارك من يسجد له، ولذلك يصلون له ويسجدون.  
 
ثم استوقفني وأنا في جولتي في ذلك المعبد ــ وهو في وسط مدينة سيول ــ تمثالاً لسلحفاة ضخمة يخرج من رأسها عمود يرتفع إلى أكثر من ثلاثة أمتار .. وبينما أنا أتأمل هذا التمثال، وأحاول فهم معناه أو فكرته.. وجدت بجانبي رجل أنيق وامرأة في منتصف العمر ينحيان ثم يسجدان لهذا التمثال.  
 
شغلني هذا الموقف عن التجول في المعبد .. سألت نفسي كيف يمكن أن يعبد أحداً في هذه الدنيا أصنام!
 
هل يحدث هذا بسبب عدم معرفة الكوريين بالأديان السماوية، أم بسبب عدم رغبتهم في البحث في موضوع الدين، أم لأنهم ببساطة خرجوا إلى الحياة فوجدوا إباءهم يعبدون الأصنام فعبدوها هم أيضاً، وماذا سنفعل إن سألنا الله تعالى عن هذه الأقوام، وهل الإيمان أهم أم الثقافة والجدية والالتزام، ولم لا يجتمعان؟كيف يمكن أن يجتمع التقدم المدني والرقي في أخلاق التعامل مع الآخرين، والثقافة وحب العمل والجد في الحياة مع الشرك بالله الخالق الوهاب؟  
 
أيقنت أن العقل يمكن أن يضلل صاحبه، وأن التقدم لا يعني بالضرورة الفهم الصحيح لحقائق الحياة.  
 
عدت إلى الفندق في سيول وأنا أفكر في هذه المسألة، وأحاول أن أقدم لنفسي تفسيراً مقنعاً كيف يمكن أن يسجد إنسان مثقف وعاقل ومطلع على أحوال العالم وتغيراته لصنم، بل ويعتقد أن هذا الصنم يمكن أن ينفعه ويضره أيضاً.. وفتحت التلفاز لأتابع ما يحدث في لبنان من خلافات وصراعات بين أبناء نفس المكان .. تأملت في صور اللبنانيين وهم يتقاتلون، وعادت نفس الفكرة تحاصرني ” كيف يمكن لعقلاء أن يفعلوا هذا ببلدهم وبأنفسهم؟”
 
إن الشعب اللبناني معروف بتقدمه العلمي والعقلي بين شعوب العالم العربي.  يعرف اللبنانيون أنهم رجال أعمال من الطراز الأول، وأنهم يتميزون بالجدية في أعمالهم، والرغبة الحقيقية في التفوق فيما يعملون فيه وما يقدمونه.. أي أنهم بكل المعايير المنطقية والفكرية والعقلية متميزون.  
 
ولكن ما يفعلونه طوال العقود الماضية ببلدهم لا يمكن أن يفهم في سياق العقل والمنطق.  هل يحدث هذا بسبب غياب الدين أم بسبب حضوره .. هل التفرق والمذهبية وتدمير نفس المكان الذي يعيش فيه الإنسان هو بسبب الدين أم بسبب غياب الدين أم بسبب عدم فهم الحقائق الأساسية عن الحياة؟  وعدت أتأمل في فكرة الإيمان.
 
ما يجمع بين الحالتين هي فكرة بسيطة ولكنها هامة .. وهي أن فكرة الأيمان تختلف تماماً عن موضوع التقدم المدني والعمراني والعلمي أيضاً .. الإيمان هو المفتاح الحقيقي والوحيد لفهم الحياة بحق والاستفادة من هذه الرحلة القصيرة على كوكب الأرض. آسف لحالنا .. نحن نتململ عندما يذكرنا أحد أن الله تعالى قد قال “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” .. البعض يستصغر هذه المهمة، ويرى نفسه أقوى وأهم وأفضل من أن تكون حياته فقط للعبادة .. أليس ما أقوله حقاً .. وقد يكون لكل منا نصيب من ذلك ــ للأسف الشديد ــ بشكل أو بأخر. 
 
دعونا نواجه أنفسنا قليلاً .. هل نوقن حقاً، ونرضى بصدق أن نقر أن الإيمان أفضل ما يمكن أن يحصل عليه الإنسان في هذه الدنيا، وأنه منحة من الخالق جل وعلا يهبها لمن يستحقونها ويعملون لها، وقبل كل ذلك يهبها جل وعلا لمن يشاء، وليس بالضرورة لأصحاب الشهادات أو التقدم أو رجال الأعمال.  إن من يحظى بالإيمان هو من وهبه الله تعالى قلباً يستحق أن يعبد الله، وما دون ذلك من مزايا في الحياة الدنيا لا يمكن أن تقارن بنعمة الإيمان.  
 
كلنا نقول بألسنتنا أننا نؤمن بذلك .. ولكن واقع حياتنا يدل في الكثير من الأحيان أننا نستصغر قضية الإيمان .. ونرى أن من يتحدثون كثيراً عن الإيمان ليسوا إلا دراويش .. أو أناس لديهم من الوقت الكثير .. أو ليس لديهم من الذكاء إلا القليل.
 
عندما تأملت وجوه الكوريين في أكثر من مكان وأكثر من مناسبة، وجدتها وجوه جادة تحمل إمارات القوة والحزم .. ولكني لم أشعر أنها وجوه راضية هانئة أو سعيدة.   أحسست أن الإيمان يمنح الوجوه شيئاً آخر .. نوع مختلف من الرضا والهدوء النفسي والسعادة لا تخطئه العين الباحثة عن الإيمان.  عدت لأفكر في لبنان .. وأحزن لحالها ولما يحدث فيها .. وأربط ذلك مرة أخرى بغياب الإيمان .. فرغم أن لبنان بها من أهل الخير والصلاح الكثير .. إلا أنها أصبحت في الآونة الأخيرة أحد أكبر مراكز تصدير الفاحشة في العالم العربي، ويحزنني أن أقول ذلك حقاً، ولكنه لا شك واقع لا يمكن أن نغفله ونحن نبحث عن حل لأزمة لبنان .. رأيت قبل أيام إعلاناً في قناة فضائية لبنانية يدعو نساء العالم العربي ممن يجدن الرقص الشرقي أن يرسلوا للقناة الفضائية أشرطة فيديو تحمل نماذج من رقصهن الشرقي تمهيداً لكي يتم الإعلان عن مسابقة في هذا المجال بين نساء العرب!  أعلم أن لبنان ليست البلد الوحيد الذي يصدر الفواحش الإعلامية في هذه الأيام .. وآمل أن يتعظ من مأساة لبنان الآخرين .. فالأمان لا يجتمع أبداً مع ظلم النفس أو الآخرين.
 
هل ننسى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما استيقظ فزعاً ليحذر العرب من شر قد اقترب، وتسأله زوجه وهي تحاول تهدئته: “أنهلك ومنا الصالحون؟” .. فيرد عليها بالإيجاب ويعقب موضحاً .. “نعم .. إذا كثر الخبث” .. وهو واقع الحال ليس في لبنان فقط .. وإنما في عدد من ديار المسلمين .. الإيمان ليس عملاً فردياً .. وإنما هو جهد جماعي ونشر للفضيلة ودعوة للبشرية إلى الخير .. ونداء إلى بني آدم ألا يتنافسوا في جمع المال .. أو الرقص الشرقي .. أو حتى التقدم العمراني .. وإنما أن يتسابقوا في الإيمان كما تدعو آية كريمة في كتاب الله جميع البشر “فاستبقوا الخيرات” .. هذا هو مجال المسابقة الذي يكفل للبشرية التقدم والسعادة التي لا تنتهي بنهاية الحياة .. فهل نعود إلى واجبنا ودورنا.. وهو البحث عن الإيمان .. وأن نتوقف ــ رحمة بأنفسنا وشعوبنا ــ عن التسابق في نشر الظلم والرقص والبعد عن الإيمان؟
 
د. باسم خفاجي
15 مايو 2008

عن محرر

شاهد أيضاً

لن أيأس من الكلام عن موضوع الريا

– هناك من يقولون أننا لابد أن نتأكد من أن هناك ربا .. قبل أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]