أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

أيها الخطباء .. رفقاً بنا

002-300x205.jpg
أحزن عندما ينتقد خصوم الإسلام خطباء الجمعة .. ويضايقني أنهم يستخدمون الهجوم على الخطباء مبرراً للطعن في الإسلام والهجوم على المقدسات.  لذلك أحاول كبت الرغبة الملحة طوال الفترة الماضية في الحديث عن خطباء الجمعة، ولكن من ناحية أخرى، فإن الأمر بحاجة إلى وقفة صادقة مع النفس .. يتزعمها من يحبون الإسلام لا من يهاجمونه، ومن يغارون على قيمة خطبة الجمعة .. لا من يستهينون بها. 
 
يشعر الكثير من المسلمين ــ وأنا منهم ــ أن يوم الجمعة وخطبة الجمعة هي من أبرز سمات قوة هذه الأمة، وأنها فرصة نادرة للتأثير في المجتمع المسلم نحو الخير إن أحسن الاستفادة منها.  لكن بعض خطباء الجمعة لا يجيدون الاستفادة من تلك الفرصة .. بل للأسف .. أصبح بعضهم سبباً لتنفير الناس ومللهم من السماع لخطيب الجمعة رغم حرصهم على الطاعة والالتزام بأمر الخالق جل وعلا بتلبية نداء صلاة الجمعة.  إن خطبة الجمعة هي ذلك الوقت من الأسبوع التي تتوقف الأمة بمجموعها عن أي عمل أو انشغال للتفرغ لمدة ساعة لكي يحدثها الخطباء عن الأهم والمهم من قضايا الدين والدنيا.  
 
وفي أمة تجاوزت المليار ونصف مليار نسمة .. وعلى افتراض أن متوسط حجم الأسرة في هذه الأمة هو خمس أفراد، فإن بالعالم الإسلامي ما يزيد عن 300 مليون رجل مسلم بالغ مكلف بحضور صلاة الجمعة كل أسبوع.  ولو قدرنا أن نصف هذه النسبة فقط هو من يحضر صلاة الجمعة، فنحن نتحدث عن 150 مليون إنسان يتوقفون عن كل نشاط، ويذهبون بإرادتهم ورغبتهم الحرة إلى المساجد، ولا يملكون في ذلك الوقت وأثناء وجودهم بالمسجد إلا الإنصات والانتباه الكامل لما سيقوله لهم الخطيب.
 
إننا نتحدث عن ساعة كاملة من الوقت في كل أسبوع ينفقها أكثر من 150 مليون مسلم.  وإذا كان العام 52 أسبوعاً .. فإننا نتحدث عن 7800 مليون ساعة ينفقها المسلمون في كل عام مع خطباء الجمعة .. أي ما يقارب من 8 مليار ساعة سنوياً يمكن .. بل ويجب أن تستخدم لنفع الأمة .. ويمكن أيضاً أن تهدر في إلهائها أو زيادة غفلتها.  السؤال الذي يجب أن نفكر فيه .. وهو كيف ننفق 8 مليار ساعة كل عام؟  وما هو العائد الذي تجنيه الأمة من هذا الوقت الثمين سواء على مستوى الفرد أو المجتمع أو مجموع العالم الإسلامي، أو البشرية بأكملها.
 
إن حضور صلاة الجمعة والاستماع للخطيب أمر ديني يلتزم به كل مسلم حرصاً على إطاعة الخالق أولاً، ثم الحصول على مرضاته وثوابه أيضاً.  ولكن الله تعالى شرع هذه الخطبة لتكون منبراً تخاطب فيه الشعوب من أجل توجيهها إلى ما فيه صلاح الدنيا والنجاة في الآخرة. فهل يحدث هذا؟  فرغم أن الذهاب إلى المسجد يوم الجمعة أمر يتطلع له المسلمون .. لكننا لا نستطيع أن ننكر أن الشكوى من خطباء الجمعة قد أصبحت قاسماً مشتركاً للكثير من أهل الخير والصلاح في كل يوم جمعة أيضاً.  ليس الأمر لنفور المسلمين من واجب شرعي.. لكن المشكلة عندما لا يحسن الخطيب مخاطبة الناس .. أو يشعرون أنه يضيع لهم أوقاتهم .. أو أنه لا يحسن الاستفادة من إنصات الناس له.  
 
من المحزن أن سماع خطبة الجمعة قد أصبح لدى البعض عبئاً ثقيلاً عندما يكون الخطيب غير مدرك أو غير مؤهل أو غير مكترث لإفادة المصلين. إننا بحاجة إلى جهد عملي وعلمي وتدريبي لتأهيل خطباء الجمعة في بلادنا للحديث عن القضايا الملحة التي يجب أن تركز عليها خطبة الجمعة كما علمنا خير خلق الله صلوات الله وسلامه عليه.  خطبة الجمعة لا يجب أن تتحول إلى بيان سياسي لحزب .. أو إعلان لموقف جهة رسمية أو أمنية .. أو حتى دعوة إلى جماعة إسلامية يريد الخطيب تحسين صورتها أمام المصلين.  
 
وخطبة الجمعة لا يجب أن تتحول إلى نموذج إسلامي لنشرات أخبار القنوات الفضائية حول مشكلات العالم الخارجي وكوارث العالم .. دون أن يوجه المصلون إلى دورهم نحو رفع الظلم عن المظلومين، وإنما يصبح جل الخطبة هو ترديد ما ذكرته وكالات الأنباء من أخبار.
 
أحزن عندما يختار خطباء الجمع الحديث في القضايا التفصيلية للعلوم الشرعية، والتي يجب أن يكون مكانها دروس العلم، وليس خطب الجمعة، ولا يخاطبون الناس في كيفية إصلاح أحوالهم بأسلوب عملي ميسر سهل بسيط إلى النفوس .. أتساءل دائماً .. لماذا يستخدم خطباء بلادنا المقدمات الطويلة ذات السجع والكلمات المنمقة واللغة العربية عالية المستوى .. وهم يخاطبون عوام الناس من البسطاء .. وممن لا يجيدون القراءة والكتابة .. أو من لا يحسنون فنون اللغة العربية أو يقدرون براعة الخطباء في استخدامها.  
 
هل أصبحت خطب الجمعة منابر للتقعر باللغة .. والتفنن في اختيار ألفاظ السجع على حساب المعاني والأهداف.
 
أتساءل لماذا يقدم خطيب الجمعة نفسه على أنه معصوم وعالم ومفكر .. ولا يقدم نفسه على أنه مسلم ناصح أمين.  أحزن عندما أرى علامات التعالي والأنفة والملل من الناس بادية على وجوه بعض الخطباء .. أتألم عندما أسمعهم يصرخون في الناس .. وكأن من جاءوا إلى الصلاة هم فريق من العصاة المجرمين ممن بحاجة إلى التأديب والتقريع.  
 
أحياناً يشعر المصلون أنهم تلاميذ يخاطبهم ناظر مدرسة .. وليسوا مصلين يحاول الخطيب أن يمسك بأيديهم ليدلهم على طريق الخير والصلاح.  يحدثني صديق قائلاً إنه نادراً ما يخرج المصلون اليوم من صلاة الجمعة، وقد عزموا على تغيير أنفسهم بشكل علمي ليكونوا أفضل حالاً وأكثر قرباً من الله.  
 
كلماته بها الكثير من التعميم، ولكنها تشير إلى مشكلة حقيقية تواجهها الأمة عندما لا تحسن الاستفادة من 8 مليار ساعة هامة ثمينة في خير الأيام .. وخير الأوقات .. ومع خير أهل الأرض .. من أوقفوا حياتهم .. ليأتوا إلى المسجد تلبية لنداء الله.
 
إنني أدعو إلى أن قيام مشروع إسلامي متكامل لدعم وتدريب “خطباء الجمعة” على أساليب الخطابة المعاصرة، وعلى أولويات ما يجب الحديث فيه في خطب الجمعة اقتداء بسيرة خير البشر، وعلى كيفية إقناع الناس والتأثير فيهم وزيادة محبتهم للمساجد والإقبال عليها، وليس الملل والانتظار بفارغ الصبر أن ينتهي عذاب السماع لخطيب لا يحسن مخاطبة الناس.  
 
لا شك أن نوايا معظم الخطباء طيبة، ورغباتهم في خدمة الإسلام والمسلمين لا شك فيها، ولا نزكيهم على الله، ولكن النية والرغبة لا تكفي عند مخاطبة الناس، وإنما يجب أن تقترن بحسن العبارة .. والبلاغ المبين، ورفع همم المصلين، والأخذ بأيديهم نحو المعالي، وليس تنفيرهم من الدين أو الدنيا أو الأمل في النجاة. أيها الخطباء .. النية الصالحة وحدها لا تكفي .. ولم نؤت من العلم إلا قليلاً .. والحكمة ضالتنا .. ونحن أحق بها أنى وجدنها .. والاستفادة من 8 مليار ساعة سنوياً من أوقات المسلمين أمانة في أعناقكم .. وسيسألكم الخالق عما فعلتم بها .. أيها الخطباء .. رفقاً بأنفسكم .. ورفقاً بنا.
 
د. باسم خفاجي
25 مايو 2008

عن محرر

شاهد أيضاً

لن أيأس من الكلام عن موضوع الريا

– هناك من يقولون أننا لابد أن نتأكد من أن هناك ربا .. قبل أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]