أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

السعادة .. الآن

smile.jpg
لماذا نحن في حالة انتظار دائم للسعادة؟  لماذا نعتقد أن السعادة نقطة ما في المستقبل البعيد دائما؟  إن السعادة الحقيقية والوحيدة والأكيدة في الدنيا هي الآن وفي هذا المكان الذي أنت فيه.  
 
إننا في سباق دائم للحاق بالسعادة التي نعتقد دائماً أنها لم تأت بعد، أو أننا لم نستوف شروطها، أو لم نعط مقوماتها. كثير منا ينظر إلى الآخرين فيرى أن العشب الأخضر دائماً على الضفة الأخرى من حياته.  
 
وليس هذا بالضرورة صحيح.  لننظر حولنا بتأمل فسنجد كثيراً من الأمور التي يغبطنا عليها الآخرون، ومع ذلك فإننا لا نتمتع بها، لأننا دائماً في انتظار الغد الأكثر إشراقاً وننسى أن اليوم لا يخلو من إشراقات كثيرة أيضاً. 
 
كتب أحد أصحاب المخابز على باب محله، “الخبز غداً مجاناً”، ويأتي الناس كل يوم ولا تتغير اللوحة، ولا يحصلون على الخبز المجاني، لأنه ليس مجاناً اليوم بل في ذلك الغد الذي لا يأتي أبداً! إن هذا هو حال كثير منا في حديثهم الدائم عن المستقبل وحزنهم المستمر على ما مر.  
 
كثير منا ينتقل بين رثاء الماضي، وتمني المستقبل، وينسى هؤلاء أنهم أحياء الآن، وأن لديهم من الخير الكثير اليوم أيضا. لنسأل أنفسنا ببساطة .. هل نحن ممن يستمتع بهدوء بوجبة الطعام التي نتناولها، أم أننا نتعامل مع الطعام بمنطق التزود بالوقود فقط.  إن كل طعام نتناوله هو نعمة من النعم التي تستوجب التوقف عندها، ولا يمنع ونحن نتزود بهذا الوقود أن نستمتع به أيضاً، وأن نشكر الله تعالى أن منحنا إياه .. وأن منحنا القدرة على أن نأكله .. وأن منحنا أجسادنا إمكانية الاستفادة من ذلك الطعام.  
 
هل من الممكن أن نتوقف قليلاً عن المسابقة لننعم بما لدينا، وألا يصبح سباقنا اليومي هو في الأفضل والأغلى لنباهي به دون أن نستمتع بالحصول عليه.
 
عندما نمشي بهدوء أو نقود سيارة أو نرى أولادنا أو أقاربنا بيننا وفي خير حال .. عندما نشعر بحب الآخرين لنا واهتمامهم بأمورنا .. عندما نشعر بنعمة الإيمان وسكينة الرضى .. وهدوء النفس .. أليست كل هذه من موجبات السعادة اليوم .. إذا لم توافقني .. فعد وأقرأ هذه العبارة وتخيل أنك قد حرمت نعمة تذوق الطعام أو رؤيته أو نعمة المشي أو حب الآخرين .. بين أيدينا اليوم الكثير والكثير من موجبات السعادة والرضى ولكننا لم نعد ننتبه لما لدينا، ونبحث عما لم نعط أو لم نحصل عليه بعد. 
 
أكثرنا من النظر فيما أعطي غيرنا من النعم، وكأننا لم نحصل على نصيبنا العادل، معاذ الله .. لنواجه أنفسنا: من الذي نتهمه بالظلم عندما نشعر أو نتخيل أننا لم نوف حقوقنا؟  وأي شقاء أكبر من أن نتهم الخالق جل وعلا – ضمنا دون تصريح – بالظلم. إننا نفعل ذلك أحياناً دون أن نشعر عندما ننظر ونتمنى ما لدى الآخرين.
 
ومنا ومن بيننا طائفة أخرى تبحث عن السعادة كأنها سلعة تشترى بالمال .. وكأنها تقتنى ولكن هيهات .. البعض يعتقدون كذلك أن السعادة هي ما يقوله الغير عنهم.. ما أشقى هؤلاء الذين يعيشون كي يراهم الآخرون، ويتناقلوا أخبارهم.  
 
كم هم في شقاء أولئك الذين يبحثون عن السعادة خارج ذواتهم.  إن الله جل وعلا قد زود هذه النفس البشرية بكل مقومات الحياة الطيبة في الدنيا، ولكنه تركها تختار بين شكر النعم والتمتع بها، وبين الغيرة والحسد والطمع وكل مفسدات السعادة الإنسانية التي تتمثل في الكثير منا اليوم. ليس منا من لا يملك الكثير .. وليس منا إلا وهناك من هو أغنى منه، وهناك كذلك من هو أفقر منه، ولكن لا علاقة لذلك حقاً بالسعادة، فهي لا ترتبط فقط بما تملك من متاع .. وإنما هي نعمة من نعم الخالق يهبها لمن يشاء.  
 
لن يجدي في الحياة أن نتطلع إلى ما لا نملك إلى الدرجة التي نفقد فيها واقعنا المليء بأسباب السعادة التي يغبطنا عليها -ولا شك- كثير ممن هم أدنى منا في سلم الحياة الاجتماعية. إن هذه الكلمات نداء لكل منا أن نتوقف لحظة عن الجري الدائم وراء سراب المستقبل الذي ندعي أنه سيكون أكثر إشراقاً .. وأدعو للجميع بذلك .. والأجدى أن نحيا ونسعد كذلك اليوم في ظل واقع يحتوي بلا شك على الكثير من موجبات السعادة أيضاً.  
 
وعندما يأت الغد، فيمكننا في ذلك الوقت أن ننعم به أيضاً إذا كان أكثر إشراقا كما توقعنا!  أما الحقيقة الثابتة الوحيدة في هذه اللحظة أننا هنا، وأن لدينا من أسباب السعادة ما يكفي لكي نحيا اليوم حياة طيبة.
 
لنتذكر أن الحياة الطيبة خير من الحياة السعيدة .. فالنفس الراضية تحيا حياة طيبة وإن أصابها حزن أو غم .. وإن مسها ألم أو ضيق .. وهي كذلك تحيا حياة طيبة إذا اجتمعت لها موجبات شكر النعم .. فابحثوا اليوم عن الحياة الطيبة الراضية .. وستجدونها –بلا شك- فالوعد الرباني بالحياة الطيبة لكل منا ذكراً كان أم أنثى لا يتخلف .. ولكنه يعطى ويمنح فقط لأصحاب الصالحات.. فهل نحن منهم؟
 
د. باسم خفاجي
28 مايو 2008

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]