أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

غش .. خيراً لك !

d8bad8b41.jpg

 

يدخل طلاب بلادنا الحبيبة موسم الامتحانات، وتكث النصائح التي يعطيها الآباء والمدرسون إلى أبنائنا من أجل اجتياز هذا الموسم بنجاح والحصول بالطبع على أعلى الدرجات وأفضل الشهادات. ومنذ أيام نصح أحد المدرسين ابني قائلاً له: “إن كان في اللجنة غش .. فلا تتردد .. وغش مع الجميع فهذا أفضل لك”.  

 المدرس مهتم أن يحصل ولدي على أفضل الدرجات .. ولكنه لم ينتبه إلى العديد من المشكلات التي تثيرها كلماته ونصيحته. أول ما لفت نظري في العبارة هو أن الغايات أصبحت في مجتمعنا تبرر الوسائل لدى البعض.  فالمهم أن يحصل أولادنا على درجات عالية لكي ينافسوا أولاد الجيران .. أو لكي نثبت للعالم أجمع أننا أباء وأمهات صالحين نجحنا أن نخرج للمجتمع أبناء متفوقين، أو من أجل فقط أن ننافس على الدرجات كما ينافس الجميع. الغاية لدى الجميع هنا ـ وآسف أن أقول هذا ـ  أصبحت الدرجات وليس التعلم أو الفائدة أو إتقان العلوم من أجل النجاح في المستقبل.  توقفت عن كتابة هذا المقال لأسأل أولادي ونحن نتناول الإفطار عن شعورهم عندما يخبرهم المدرس أن يغشوا.  قال ابني الصغير: “إنه يحاول أن يساعدنا”، والمهم “إنه طيب”!  أما ولدي الأكبر منه سنا، فقد قال إن المدرس ساقط من نظره ابتداء .. وليس في الأمر شيء.  بل إنه أخبرني أن مدرس له في سياق مباهاته بعرض خبراته في مساعدة الطلاب أخبر ولدي أنه جلس من قبل تحت نافذة إحدى اللجان لكي يلقي له تلميذ كان يأخذ درس خصوصي عنده بورقة الامتحان من الشباك .. ثم قام المدرس بحل الامتحان كاملاً وإعاده للطالب بطريقة ما.  تحول الإفطار إلى محاضرة لي في التعريف بفنون الغش المعاصر شاركت فيها الأسرة كلها .. فقد كان واضحاً أنني أعاني من جهل متعدد المستويات، وانعزال عن الواقع لا يليق بمن لديه ثلاثة أبناء في مراحل التعليم.ابنتي تدرس في جامعة خاصة، أي أنه من المفروض أنه لا حاجة ماسة للغش، ولكنها أخبرتنا أن الغش يتم هناك بطريقة علنية وواضحة، وأنهم في الامتحانات يضعون الطلاب الأطول قامة في الصفوف الأولى حتى تكون الرؤية متعذرة على المراقب .. ثم يقوم الطلاب في الصفوف الخلفية بتملية الإجابات إلى الجميع.  أي أن الفصل بأكمله يتعاون على الغش، وليس حالة فردية أو طالب أو طالبة بعينها.  أخبرتي زوجتي أن أولياء الأمور في بعض اللجان يتعاونون جميعا بأن يدفع كل ولي أمر مبلغاً من المال، وتجمع المبالغ ويتم بها “شراء اللجنة” .. هكذا أخبرتني، وأنا في دهشة من المعلومات المفصلة التي يعرفها الجميع عداي، والغريب أن الآباء يتعاونون معاً على القيام بذلك بشكل علني تقريباً.  قاطع ولدي الصغير الحديث ليخبرنا أن أحد المدرسين أخبرهم أن أفضل طريقة للغش هي الكتابة على حذاء الرياضة من الأسفل، وأن من أراد أن يعرف طرقاً أخرى أفضل يمكن أن يأتي له ويحدثه على انفراد. ثم أخبرنا ولدي أن من أكثر الحيل انتشاراً الآن هو الذهاب إلى الحمام لمراجعة الكتب والمقررات هناك.  طبعاً تساءلت بالغباء الذي عرف عني هذا الصباح، وكيف تصل الكتب إلى الحمامات .. سخر الجميع مني ونطقوا تقريبا بصوت واحد .. “عن طريق الدادات بالطبع”!!  حزنت لظهور جهلي المفرط.  ولكن تطوع ولدي بشرح الجديد في عالم الغش، فقال إن الطلاب الآن يشترون عدداً كبيراً من النسخ من كل كتاب .. ثم يضعوا في كل حمام كتابين أحدهما في مكان ظاهر نسبياً .. والآخر في مكان مخفي.  الفكرة أنه قد يكون هناك أحياناً مراقبين جادين .. يبحثون في الحمامات قبل أن يدخلها الطلاب، ولذلك يترك لهم كتاب ظاهر في مكان ما هناك لكي يشعروا أنهم قد وجدوا شيئاً وأن الحمام الآن نظيف من الممنوعات، وبالتالي يسمحون للطلاب بدخول ذلك الحمام. كيف وصلنا إلى هذا !! أن تشترك كل فئات العملية التعليمية من المدرس إلى الطالب إلى ولي الأمر إلى عاملة النظافة وإلى المراقب .. كيف يمكن أن يتحول كل هؤلاء إلى شركاء في جريمة مقيتة تحولت إلى أمر واقع في مجتمعنا، وأفسدت النفوس، ولم تعد تجعل للنجاح أية قيمة، ولم نخسر فقط التعليم .. الأخطر أننا نخسر البنية الأخلاقية التي يقف عليها مجتمعنا.  أخبرني ولدي في حسرة أن هناك طالب كان يجلس أمامه في اللجنة العام الماضي، وكان والد ذلك الطالب يعطيه نصائح علنية قبل انعقاد الامتحان أن يغش ما أمكنه، وأن “يتمسكن للمراقبين لكي يعطفوا عليه لكي يغش” .. وألا يعطي أحداً أية معلومات لديه، وأن يحاول ما أمكن أن يراجع ما لدى الآخرين من إجابات، ولكن في المقابل أن يتهرب من إعطائهم أية معلومات.  حسرة ولدي كانت أن هذا الطالب حصل على مجموع أكبر بكثير من ولدي الذي كان يرفض الغش.  ولدي يعتقد أن اختياره بألا يغش لم يكن بالضرورة هو الاختيار الصحيح.  ماذا أقول له بالله عليكم عن هؤلاء الناس! تروي لي قريبة من أقاربي، وهي أستاذة جامعية، أنها حضرت امتحان للسادة أعضاء هيئات التدريس في الجامعة، وكلهم بدرجة أستاذ مساعد أو أستاذ دكتور.  كان الامتحان لتحديد القدرات لاختيار مستوى إلحاق السادة أعضاء هيئات التدريس بدورات في مهارات الحاسبات.  تؤكد لي قريبتي أن أغلب المشاركين في الامتحان حاولوا الغش أيضاً .. وحاولوا الحصول على درجات أعلى من مستوياتهم الحقيقية.  أستاذ جامعة يغش في الامتحان!  لماذا وصل بنا الحال إلى أننا نعتبر “الغش” وسيلة لمساعدة النفس أو الآخرين .. وتحول الغش في العملية التعليمية إلى ظاهرة يشارك فيها جميع فئات المجتمع، وكأنها أمر عادي مقبول. لقد لعن من كانوا قبلنا لأنهم “كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه” .. فهل نحن نستحق لعنة الله والملائكة أجمعين بما نفعل من أجل أن يحصل أولادنا على درجات مزيفة وشهادات لا قيمة لها.  ماذا نفعل بأخلاقيات الأجيال القادمة؟  إن من تعلم الغش اليوم لن يقلع عنه غداً .. ومن علمه أبواه ومدرسيه أن يغش لكي ينجح .. سيعلم أبناءه أيضاً أن يغشوا لكي تمضي مسيرة حياتهم.  أي مجتمع نبني، وأي مستقبل ينتظر أمتنا، وأي نوع من الحساب ينتظرنا عند خالق السموات والأرض؟  روي عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه أنه قال .. “من غشنا فليس منا” .. وهو حديث صحيح .. فهل نقبل أن نخرج أبنائنا من دوائر الخير والصلاح من أجل درجات لا تعني شيئاً في الحقيقة في مستقبل الإنسان.  لم لا نحرص أن يكون أبناء المسلمين .. مسلمين أولاً .. ثم أبناء مسلمين ثانياً .. ثم طلاب وتلاميذ بعد ذلك.  والأمر ليس خاص بالمسلمين فقط .. فأنا لا أعرف ديناً غير محرف يقبل الغش أو يشجع عليه. 

إن نتيجة فقدان الأمانة كارثية على المجتمعات، وعيب أن تكون مجتمعات المسلمين هي تلك المجتمعات التي ينتشر فيها الغش والخداع .. عيب والله عيب أن يكون شعار المرحلة هو: “غش .. خيراً لك”.

 

عن محرر

شاهد أيضاً

المصاعب ! 7 مارس [66] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

المصاعب ! المصاعب التي تمر بها اليوم .. تعطيك القوة التي ستحتاجها غدا مجهول فكر: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]