أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

مصر وألمانيا

d8b3d983d8a7d986.jpg

 

 

 

 

فجأة أصبح حديث المجتمع المصري عن زيادة السكان، وأنها سبب مشكلاتنا.  وبدأ الخبراء يتحدثون أن المجتمع المصري يعاني مما يعاني منه بسبب أننا “كثير” .. وأن الحل لمشكلاتنا ولرفاهيتنا يكمن في أن نقلل من النسل، وأن نتحكم في عدد السكان، وأن نتوقف عن الإنجاب.  هل حقاً هذه هي مشكلة مصر، أم أنها الشماعة السهلة التي نحول فيها المشكلات إلى الشعب بدلاً من الحكومة، وإلى الأسرة المصرية بدلاً ممن يدير شؤون الأمة المصرية، وإلى الأب والأم بدلاً من الوزارات والرئاسة وقيادات الدولة؟ بحثت في الدراسات المتعلقة بالسكان والتنمية فلم أجد ما يؤكد أن زيادة السكان هي مشكلة، بل هي في الحقيقة نعمة تحسدنا عليها دول الغرب تحديداً، وهي التي تعاني من الشيخوخة ونقص السكان الذي يهدد الحضارة الغربية كأحد أهم أخطار المستقبل.
قادني البحث إلى قراءة الكثير عن ألمانيا، ورأيت أن أشارك القراء الكرام بحقائق أراها ملفتة للنظر وجديرة بالتأمل حول المشكلة السكانية.هل تعلمون أن عدد سكان ألمانيا أكبر من عدد سكان مصر، ومساحتها أقل من مساحة مصر، ولكنها تعاني من تناقص السكان، وتسعى جاهدة إلى زيادة النسل في المجتمع.  عدد سكان ألمانيا سيكون طبقاً للإحصاءات الدولية هو 82 مليون في يوليو 2008م، و20% من المجتمع الألماني فوق 65 عاماً، و66% من ذلك المجتمع بين 15-64 عاماً، و13.8% فقط هم الأطفال الأقل من 14 عاماً.  أما مساحة الأرض فهي لا تزيد عن 357 ألف كيلو متر مربع.  ولكي نقارن نفس هذه الأرقام مع مصر، فإن عدد سكان مصر يتوقع أن يتجاوز 80 مليون في 2008م حسب تقديرات وكالة الاستخبارات الأمريكية في كتابها الشهير عن حقائق العالم، و4.7% فقط من عدد سكانها هم من كبار السن ممن تجاوزوا 65 عاماً، و63.5% من المجتمع بين 15-64 عاماً، و31.8% هم أقل من 14 عاماً.
أما مساحة مصر فهي تزيد عن مليون كيلومتر مربع.  ماذا تعني هذه الأرقام؟ بداية نلاحظ أن مساحة ألمانيا هي فقط 35% من مساحة مصر، وأن عدد سكانها أكثر من سكان مصر. 
ولم نسمع قط أن ألمانيا بلد مزدحم بالسكان أو أنها تعاني من مشكلة أن تعداد البلد كبير، بل أن أوربا تجمع على أن عدد سكان ألمانيا هو عنصر هام من عناصر قوتها وحيويتها.  إذن المشكلة هنا ليست في عدد السكان، ولكن في قدرة السكان على التنمية، ومشاركتهم في نهضة المجتمع سواء من خلال التعليم المتميز أو العمل الجاد أو الابتكار أو الاهتمام بشان الدولة ورفعتها.  لا تلوموا زيادة النسل، ولكن لنعمل معاً على تمكين الإنسان المصري ودعمه لكي ينجح ولكي يخدم نفسه ووطنه. الملاحظة الثانية والهامة أن مصر مجتمع شاب فتي .. وألمانيا مجتمع يعاني من الشيخوخة ونقص السكان. 
هل تعلمون أن معدل زيادة السكان في ألمانيا هو أقل من الصفر .. أي أن عدد السكان يتناقص (-0.044%) طبقاً للإحصاءات الدولية، ففي ألمانيا يولد 8 أشخاص لكل ألف إنسان، ويموت ما يقارب من 11 شخص لكل ألف إنسان، أي أن معدل الوفيات أكبر من معدل المواليد.  بينما في مصر يولد 22 شخص لكل ألف إنسان، ويموت 5 أشخاص فقط لكل ألف إنسان.
ألمانيا تعوض هذا التناقص من خلال الهجرة، فمعدل الهجرة إلى ألمانيا هو 2 مهاجر لكل ألف إنسان، بينما الهجرة عكسية من مصر، أي أن المصريين يهاجرون من مصر، ولا يهاجر إليها إلا نسبة قليلة.  ولكن الهجرة لا تعالج الشيخوخة، فألمانيا بلد مسن، ومصر بلد فتي.  ففي مصر يزيد عدد الأطفال عن 31% من المجتمع بينما تلك النسبة لا تزيد عن 20% في ألمانيا.  مرة أخرى تشير الأرقام إلى أن المشكلة أن مصر قد أصبحت بلداً طارداً للعقول، رغم أنها مجتمع شاب فتي، بينما ألمانيا تجتذب العقول لتعالج نقص السكان، ولكنها تعجز عن إيقاف شيخوخة المجتمع.  المشكلة ليست في زيادة النسل، وإنما في عدم رعاية لإنسان.
وحتى في بعض المعايير الاقتصادية فإن مصر تتمتع بنمو اقتصادي يتجاوز 7% في العام الماضي، بينما كان النمو الاقتصادي في ألمانيا في العام الماضي أقل من 3%.  لا يعني هذا بالطبع أن مصر أحسن من ألمانيا اقتصادياً، ولكنه بالتأكيد يعكس أن النمو في مصر اقتصادياً هو ضعف النمو في ألمانيا، وهي أشارة أخرى أن النمو الاقتصادي مرتبط بدرجة ما بالسكان.  أليس من الغريب أن أسرع الاقتصاديات نمواً في عالم اليوم هي تلك الدول التي تشتكي حكوماتها من زيادة عدد السكان، كالهند والصين ومصر أيضاً.  أليس من الممكن أن يكون خصوم الأمة هم من يروجون لفكرة أن زيادة السكان خطر على المجتمع بينما الحقيقة عكس ذلك تماماً.
إن الغرب يكافئ الأسر اليوم لكي تنجب أكثر، ويشجع العائلات على زيادة عدد السكان، ويقدم البرامج الاجتماعية التي تدعم الأسر التي ترغب في زيادة عدد الأطفال، ولكنهم في نفس الوقت يمارسون كافة أشكال الضغوط من كل نوع على الأمة العربية والإسلامية كي توقف معدلات النمو السكاني المرتفعة، ويدعون أن في هذا خطر على مجتمعاتنا. 
أليس من الممكن أن تكون زيادة عدد سكاننا هي في الحقيقة نعمة لنا وخطر على أعدائنا.  إن أردتم إجابة واضحة عن هذا السؤال فلننظر إلى فلسطين والفزع الصهيوني من أن ينهار مشروع الاحتلال بسبب زيادة سكان فلسطين. ولكننا في المقابل إذا نظرنا إلى نصيب الألماني من الدخل القومي سنجده في حدود 34 ألف دولار بينما لا يزيد نصيب الإنسان المصري من الدخل القومي عن 5 آلاف دولار.  ينتج الشعب الألماني في العام ما قيمته 3300 ألف مليار دولار (3.3 تريليون) بينما لا ينتج الشعب المصري إلا بقيمة 127 مليار دولار.  أي أن نسبة إنتاج الشعب الألماني الذي يزيد قليلا عن عدد سكان مصر تصل إلى أكثر من 26 ضعفاً من إنتاجنا. الدخل السنوي لنا 35 مليار دولار، بينما دخل ألمانيا 1500 مليار (43 ضعف). 
هنا مربط الفرس، وهنا المشكلة الحقيقية. إننا في مصر لا ننتج بالدرجة التي تتناسب مع طموحاتنا وقدراتنا وإمكاناتنا أيضاً.  المشكلة ليست في عدد السكان، وإنما في قدرة السكان على الإنتاج والنهوض بالدولة.  على من نلقي اللائمة هنا؟  على الشعوب فقط أم على الحكومات فقط .. أم أننا جميعاً شركاء في الكارثة، ونحن جميعاً أيضاً نمثل طوق النجاة منها، إن أردنا أن نواجه الحقيقة بدلاً من أن نخدع بعضنا بعضاً أو أن تلوم الحكومة الشعب على الإنجاب، ويلوم الشعب الحكومة على العجز عن الإنتاج.  نحن جميعاً شعباً وحكومة هو من أوصل الحال إلى ما أصبحنا عليه.  قد نختلف في نسب المسؤولية والخطأ، ولكن ذلك لن يغير من واقعنا اليوم الكثير.
أليس من الأجدى أن نركز على رفع الإنتاجية، وبث الأمل، وتمكين الإنسان المصري من خلال التعليم والحرية وفرص العمل والتقدم بدلاً من أن نلوم الناس على زيادة النسل، والذي يمكن أن يكون نعمة أنعم الله علينا بها إن أحسنا التعامل معها.  لا يجب أن ندعو الناس إلى عدم الإنجاب، ولكن يجب أن نعينهم على تنشئة المجتمع المنتج والصالح.

 

 

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]