أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

المسلمون الجدد

003.jpg

 

إسلام السوق .. وغياب الأمة … ماذا حدث لنا؟ سؤال يؤرق بالنا، ونتحدث عنه في المجالس والملتقيات، وقد تتعدد الإجابات ولكني أريد لفت الأنظار إلى مشروع غريب عجيب انتشر في أمتنا يهدف إلى تفريغ كل قيمة من مضمونها، وإعادة تشكيل الإنسان ليتخلص من القيم النبيلة، وتحويل المجتمع إلى شركة نفعية لا تعرف إلا المصالح، ولا تحترم إلا آليات السوق.  أحزن عندما أشعر أن الغيورين على الأمة توقفوا على جوانب الطرقات يشاهدون هذا التحول الذي أصبح ينتج من أسميهم بالـ “المسلمون الجدد”، وهم نتاج مشروع عدائي متكامل يشارك فيه خصوم الفضيلة في الشرق والغرب معاً لتفريغ مجتمعات العالم الإسلامي من المعاني والقيم والعقائد كذلك. 

“المسلمون الجدد” صفاتهم تلفت الأنظار، فهي في ظاهرها براقة لامعة، ولكن عندما تقترب منهم، تكتشف أن المظاهر قد تم تفريغها من حقيقتها، وأن الهروب من الواقع هو سمتهم. تعرفهم بالميل إلى إلقاء اللوم على الغير، واتهام الآخرين، وإلقاء تبعة كل ما يحدث لأمتنا أو لنا كأفراد على شخص ما أو جهة ما.  يلومون الغرب أحيانا والشرق أحيانا أخرى وبعضهم يلوم الدين كذلك على ما حدث لنا .. ينتقدون بشدة وحرقة كل سلطة وكل حاكم، ويعتبون على الإعلام، ويعترضون على العلماء، وينزعجون من الأقارب، وينظرون بدونية إلى عموم الناس، ويعيبون زماننا، وإن لم يجدوا أي إنسان ليلومونه لجأوا إلى الحديث عن الجن والشياطين كسبب لكل مشكلة يمرون بها أو يعانون منها.كم يمر بنا اليوم من يبدو على ظاهرهم التدين، ولكنهم يفعلون الموبقات ويتلفظون بالفواحش، ويمارسون كل ما نهت عنه الشرائع والأديان.  أحزنني أحد الدعاة المعروفين وهو يتحدث في التلفاز منذ أيام ليدفع عن نفسه تهمة افترتها عليه وسائل الإعلام، فإذا به يتحدث بسوقية وتهكم واستهتار بمشاعر الناس، وكأنه لا يمت إلى أهل العلم والذكر بأي صلة.  كنت أعجب وأنا أستمع إليه، 

وأتساءل .. أين مكارم الأخلاق التي يحدثوننا عنها في مواعظهم وبرامجهم الفضائية. أعجب لأشكال من الحجاب الذي انتشر وقد تم تفريغه تماماً من محتواه بحيث أصبح لا يزيد عن غطاء للرأس يريح من ترتديه ولكنه لا يضفي عليها أي وقار، ولا يمنعها مما يمنع الدين المرأة الصالحة من الوقوع فيه.  كنت مسافراً من فترة في أتوبيس وأمامي امرأة محجبة، وكان المكيف لا يعمل، فاختارت أن تخلع الحجاب أمام الجميع لكي يدخل الهواء إلى شعرها.  ما هي قيمة الحجاب الذي تنزعه المرأة عندما يضايقها؟  وما قيمة الحجاب عندما تسير على كورنيش النيل أو في المنتزهات فلا تستطيع أن تتجاهل مظاهر الفساد والانحلال التي تمارس مع وجود ذلك الحجاب الذي تم تفريغه من كل قيمة وفضيلة.   

وأعود لأسأل نفسي .. كيف خرجت تلك الفتاة أو السيدة من منزلها بهذا الشكل بين جيرانها .. وفي شارع بيتها .. ووسط أقاربها .. ولم يقل لها أحد .. إلى أين يا أمة الله؟  هل نلوم الفتاة فقط أم أننا جميعاً شركاء في ذلك! لماذا نحاول أن نتشبه في هذه الأيام بأسوأ نماذج الحضارة الغربية في ملبسنا ومظهرنا وإعلامنا وأسلوب خطابنا، ومع ذلك نقول أننا نعتز بالإسلام؟  لماذا نتعاون على تفريغ كل قيمة في بلادنا من معناها بحيث أصبحت حياتنا لا تزيد عن “قشرة” خارجية نضعها لتخفي ضعف حالنا وعدم جديتنا في إصلاح ذواتنا؟  أذكر عندما عدت من الغربة أنني دخلت مطعماً أنيقاً .. ولفت نظري أن الطاولات من الرخام، ولكنني عندما جلست واتكأت عليها وجدتها ليست رخاماً وإنما هي “قشرة”.  يومها كنت أعاني من مفاجآت العودة بعد غياب طويل إلى بلادي الحبيبة فنظرت إلى من كان معي، وقلت له إن هذه الطاولة تعبر عن الكثير مما أرى في مصر اليوم .. إنها “قشرة”.  

عاتبني صديقي في ذلك اليوم، ولامني على نظرتي القاتمة، ومرت الأعوام، وزادت قناعتي أن مشكلتنا هي أننا جعلنا من كل حياتنا “قشرة”. عندما تطالع الجرائد القومية كل صباح، لابد أنك تشاركني أننا نتعاون على صنع “القشرة”.  الكل يتحدث عن الإنجازات والنمو والنجاحات.  وإذا تحدثنا عن التعليم، فليس إلا “قشرة”.  مدارس حكومية يتم تجديد مبانيها ولا يوجد بها تلاميذ .. ومدارس خاصة جميلة ومكيفة وبها حمامات سباحة، ولا يوجد بها تعليم .. جامعات عريقة تم تفريغها من البحث العلمي ومن الجدية ومن الرغبة في التقدم .. وجامعات خاصة تباع فيها الشهادة لمن يملك المال.  شركات ومؤسسات ومصالح تدعي أنها تهتم بموظفيها ولكنها لا تفعل إلا ما يمكن أن يندرج تحت مسمى “القشرة” .. وموظفون يقومون بأقل عمل ممكن، وأكبر “تمثيل” ممكن للحصول على أعلى حوافز ورواتب ومزايا، ويشارك الجميع في تفريغ كل حياتنا من المضمون.  هل يعقل أن يكون معدل إنتاجية الإنسان المصري 27 دقيقة أو أقل في اليوم! أشعر أحياناً أننا جميعاً نشارك في “تمثيلية” متقنة نتعاون جميعاً على إخراجها، ولا نجرؤ أن ننطق بكلمة واحدة آن أوان النطق بها .. “إنها تمثيلية”.

 أتفهم أن تكون أعوام القهر الاشتراكي .. ثم الانفتاح الاستهلاكي .. ثم أعوام بيع مصر وخيراتها قد ساهمت بمجملها فيما آل إليه حالنا في أمور الدنيا، ولكنني أتوقف كثيراً عما آل إليه الحال في أمور الدين.  أن “نمثل” في الحياة أمر يمكن تبريره ــ رغم خطأ ذلك ــ بدعوى الرغبة في تقديم أفضل صورة ممكنة عن النفس، ولكن أن يتحول الدين إلى “قشرة”، وتتحول ممارساتنا إلى “تمثيل” فهذا أمر لابد أن نتوقف ونحاسب أنفسنا عليه بكل جرأة وصدق مع النفس. عندما تنظر إلى المرآة في كل صباح قبل أن تغادر منزلك .. توقف لحظة من فضلك .. لا تنظر إلى المظهر أو الهندام أو نظافة الوجه .. أتمنى أن تقف لحظة لتنظر وتتأمل ذلك الشخص الواقف أمامك في المرأة .. وتسأله .. من أنت؟ وما هي قيمك التي تحكم ذلك اليوم الذي تبدأ .. هل أنت حقيقي أم مزيف .. قشرة .. ممثل .. أم إنسان صادق لا يخدع نفسه أولاً .. ولا يخدع من حوله .. ولا يساهم في تغييب قيم الفضيلة والخير من مجتمعنا؟  من أنت؟ اذهب إلى المرآة في أقرب فرصة .. وانظر بصدق إلى عيون من أمامك .. هل هي عيون صادق أم مخادع .. أمامنا فرصة حقيقية ألا نساهم في تحويل حياة مجتمعنا إلى تمثيلية. 

 يقول الحق تبارك وتعالى “وقفوهم .. إنهم مسؤولون” إنها كلمات واضحة صريحة قاطعة تخاطب كل منا .. تلقي على أعناقنا بمسؤولية ثقيلة .. فنحن مسئولون .. ولم ينعم علينا الخالق جل وعلا بالصحة والقوة والمال والعمل والأسرة لكي نشارك في “تمثيلية” .. أو لنضع على وجوهنا وبيوتنا وحياتنا “قشرة” تخفي واقعاً آن أن يتغير.  لنحذر أن نفرغ ديننا من مضمونه .. أو أن تخلو حياتنا من القيم النبيلة .. أو أن تغيب الفضيلة عن مجتمعاتنا.  لنحذر أن نقع ضحايا لمشروع ما أسميه بالـ “المسلمون الجدد”.

عن محرر

شاهد أيضاً

لن أيأس من الكلام عن موضوع الريا

– هناك من يقولون أننا لابد أن نتأكد من أن هناك ربا .. قبل أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]