أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

لم لا نعترف بـ "كوسوفو" ؟

d983d988d8b3d988d981d988.jpg

 

كوسوفو دولة مسلمة استقلت في العام الماضي، واعترف باستقلالها أكثر من 43 دولة من دول العالم، من بينها معظم الدول الأوربية وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية، ومع ذلك لم تعترف بها أي دولة عربية ولم تعترف بها من الدول الإسلامية إلا تركيا وأفغانستان والسنغال رغم أن نسبة المسلمين في كوسوفو تزيد عن 90% من إجمالي عدد السكان.  أليس هذا أمر غريب ولافت للنظر؟

يحزن الرئيس الكوسوفي فاتمير سيديو في حوار صحفي أجري معه مؤخراً لأن هذا التردد في الاعتراف بجمهورية كوسوفو سبب للكوسوفيين شعوراً بالمرارة حيال من كانوا ينتظرون منهم ــ لاشتراكهم معهم في الثقافة والاعتقاد ــ أن يكونوا سباقين إلى الاعتراف بتجربتهم الجديدة، بعد مرور نحو قرن من تعرضهم للاحتلال والضم القسري إلى دول واتحادات وإمبراطوريات غير مسلمة.  أما مفتى كوسوفو فإنه قد حذر من أن التردد العربي والإسلامي في الاعتراف بكوسوفو ستكون له نتائج ثقافية خطيرة، لأنه يسهل من مهمة جمعيات “دعوية غير إسلامية”  (في إشارة إلى المنصرين) قد بدأت تنشط في كوسوفو بهدف ما أسموه بـ “إعادة الكوسوفيين الى دين الأجداد”.  هل يسعدنا أن يرتد المسلمون في كوسوفو عن دينهم لأننا رفضنا أن نناصرهم ونعترف بدولتهم التي اعترف بها الكثير من دول العالم، وما هو مبررنا في عدم الاعتراف بكوسوفو حتى الآن؟

إن هناك محاولة صربية جادة لإيقاف الاعتراف بكوسوفو، فقد قام وزير الخارجية الصربي فوك جيريميتش بتقديم طلب مؤخراً إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ستنعقد في سبتمبر يطلب فيه من محكمة العدل الدولية إبداء رأيها في قضية استقلال كوسوفو. ويرى الوزير الصربي انه في حال وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على طلب صربيا رفع المسالة إلى محكمة العدل الدولية “يمكننا ان نتوقع عندها توقف عملية الاعتراف” باستقلال كوسوفو.  هكذا يخططون ويعملون، ونحن نتجاهل كوسوفو وكأنها ليست من الكيان المسلم الضخم الذي يكاد يصل إلى ربع سكان العالم والذي نباهي به، ولكننا لا نرغب في تحمل تبعات دعم دول هذا الكيان أو مناصرتها.

إن الكيان الصهيوني يرفض أيضاً الاعتراف بكوسوفو، ولكن حجتهم مقنعة فقد قال مسئولون إسرائيليون إنها “ترفض الاعتراف باستقلال كوسوفو تحسباً ‏من إسقاطات مثل هذا الاعتراف على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وعلى الأقلية العربية فيها”.‏  إذا كانت هذه هي حجة الكيان الصهيوني في عدم الاعتراف بكوسوفو، أليس هذا سبباً كافياً في ذاته لأن نعترف نحن في العالم العربي والإسلامي بها .. على الأقل لعل ذلك يخدم القضية الفلسطينية التي ننادي بمناصرتها ليل نهار؟

إن مواقف الدول العربية والمسلمة محزنة في هذا الشأن.  فرغم أن منظمة المؤتمر الإسلامي قد رحبت العام الماضي باستقلال كوسوفو و”تمنت لشعب و حكومة كوسوفو النجاح في بناء بلد متماسك و مزدهر، وأعلنت كل الدول الأعضاء مصادقتها على هذا البيان، ولكن سيترك مسألة الاعتراف الرسمي إلى رغبة أي دولة من الأعضاء بالقيام بذلك” إلا أن هذا البيان لم يعقبه أي اعتراف من أي من دول المنظمة.  ففي مصر صرح المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية أن الالتزام بالقانون الدولي والشرعية الدولية أفضل وسيلة لتحقيق الاستقرار في إقليم البلقان، مشيراً إلى أن استقرار البلقان يأتي في مصلحة مصر، لكنه لم يحدد ما إذا كانت مصر ستعترف بكوسوفو كدولة مستقلة أم لا.  أما في السعودية فقد وعد الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود أن دولته ستعترف بكوسوفو، وكان ذلك في أوائل أبريل الماضي خلال اجتماعه في الرياض مع متحدثة البرلمان الألباني جوزيفينا توبالي، ولم يحدث بعدها أي شيء حتى الآن.

وفي يونيو من هذا العام أيضاً ذكر رئيس الوزراء ووزير خارجية دولة قطر الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني في القمة الإسلامية في أوغندا أن دولته قد بدأت بإجراءات الاعتراف بكوسوفو، واتفقت البحرين في يوليو من هذا العام على القيام بالتبادل التجاري بينها وبين كوسوفو، ومع ذلك لم تعلن أي منهما الاعتراف بكوسوفو حتى الآن.  هناك دول كانت أكثر جرأة في الإعلان عن رفضها الاعتراف بكوسوفو، فقد صرح مثلاً أمين العلاقات الأوروبية في ليبيا بعد الاجتماع مع وزير الخارجية الصربي مؤخراً أن دولته ترفض الاعتراف بكوسوفو، وأعلنت الجزائر كذلك أنه “على الرغم من تعاطفها مع الدولة ذات الأغلبية المسلمة فإنها لا تستطيع الاعتراف بها لوجود قوانين دولية يجب احترامها و هي تتابع القضية عن كثب”.

المتخوفون من الاعتراف بكوسوفو في العالم العربي حجتهم غريبة.. يقولون سراً وفي دوائر صنع القرار أن الاعتراف بكوسوفو سيكون مقدمة لتقسيم العالم العربي والإسلامي، وكأن الغرب ينتظر موافقتنا على الاعتراف بكوسوفو ليكون هذا الاعتراف هو طريقه للمطالبة بتحويل لبنان إلى ثلاث دويلات والعراق إلى ثلاثة أو أربعة دول، وهكذا.  يرى هؤلاء أن مجرد الاعتراف بدولة مسلمة استعادت استقلاله عن كيان عنصري بغيض كصربيا سيكون مقدمة لتقسيم دول العالم الإسلامي بحجة أننا وافقنا من قبل على الاعتراف بكوسوفو. من أجل ذلك تتخوف الدول العربية والإسلامية من الاعتراف بكوسوفو.

وفي المقابل، ولعله لإحراج العالم المسلم فقد رحب نائب وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية نيكولاس بيرنس أثناء مقابلة مع الصحفيين عقدها أثر إعلان استقلال كوسوفو، بالاعتراف بها من قبل منظمة المؤتمر الإسلامي وبالتالي البلدان الأعضاء فيها. فقال: “باعتقادنا أنها خطوة إيجابية تعني أن تقام اليوم دولة إسلامية .. أي دولة يعتنق معظم سكانها الدين الإسلامي”.  كانت عبارة الرجل الأمريكي الذي شارك في الضغط من أجل استقلال كوسوفو بالطبع لخدمة المصالح الأمريكية .. ولكنه يشير بوضوح إلى أنه من غير المعقول منطقا او عقلا ألا يعترف بهذا الكيان المسلم دول العالم العربي والإسلامي.

إذا كانت الدول العربية أو الإسلامية تخشى أن مجرد الاعتراف بكوسوفو من الممكن أن يسبب لها أزمات انفصال داخلية، فالمشكلة ليست في الاعتراف، وإنما في وجود كيانات هشة إلى هذه الدرجة في عالمنا العربي والمسلم، وهي مشكلة تحتاج إلى التعامل معها في حال وجودها لضمان العدالة والسلام الاجتماعي داخل دول العالم الإسلامي، وليس الحل إذن هو عدم الاعتراف بكوسوفو!

لقد ذكرت ماريا أباكوفا، معلقة “نوفوستي” في مقال لها حول تخوف الدول المسلمة من الاعتراف بكوسوفو قائلة: “أن كل من يحب أن يقتدي بألبان كوسوفو يستطيع أن يلعب نفس هذه اللعبة بشرط أن يكون ذلك في مصلحة واشنطن. لذا يعكف فريقان على دراسة هذا الأمر: أولئك الذين بإمكانهم تبني نهج كوسوفو، في مقابل الذين يخشون من وقوع ذلك في بلدانهم.  يشترك الفريقان على السواء في إدراك طبيعة تلك المصلحة في استغلال ما حدث بكوسوفو لصالحهم”.   الأمر في النهاية برأيها هو قياس مصالح وتحجيم مخاطر، وهذا ما يجب أن نفعله في العالم العربي والمسلم.

إن من مصلحتنا جميعاً أن ندعم استقلال كوسوفو، وان نعجل ليس فقط بالاعتراف بها، وإنما في مساندتها ثقافياً واقتصاديا واجتماعياً وغير ذلك أيضاً، فهو في صالح المسلمين، وواجب عليهم من الجانب العقدي والأخوي أولاً .. ثم أنه أيضاً في مصلحة الأمة المسلمة أن تكثر الكيانات المتعاطفة مع قضايا العالم الإسلامي في أوربا، وثالثاً أن الاعتراف بكوسوفو يعطي لدول العالم الإسلامي استقلالية عن القرارين الأمريكي والروسي فيما يتعلق بتلك القضية، وبالتالي يرفع من قدرة الدول الإسلامية بالعموم على الضغط على تلك الكيانات العظمى من أجل تقليل الضغوط على مسلمي كوسوفو من ناحية، وزيادة القدرة التفاوضية للدول المسلمة مع روسيا من ناحية أخرى.  اعترفوا بكوسوفو وكفانا مماطلة وتأخير .. فهذا التلكؤ مخجل حقا.

عن محرر

شاهد أيضاً

ما يحدث فى العراق !

– هل ما يحدث بالعراق يتم بمواققة ضمنية من الكل .. لتنشأ دولة كردية .. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]