أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

جورجيا وأباظة وحبيب الروم

398358_413084308710519_100000268603466_1537622_1477567711_n.jpg

 

كلنا يعرف جورجيا .. البلد الذي اشتعلت أزمته مع روسيا مؤخراً، والمكان الذي يبدو أنه سيعلن فيه انطلاقة مرحلة جديدة من الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والروسي، وهي أيضاً المكان الذي يتم فيه الإعلان عن عودة روسيا إلى ساحات التأثير العالمي السياسي والاستراتيجي، ولكن من هو “حبيب الروم” الذي جعلناه عنواناً لهذا المقال، وما دلالة هذه التسمية، ولماذا نتحدث عنه اليوم؟

أما “حبيب الروم” فهو الصحابي حبيب بن مسلمة الفهري رضي الله عنه، وقد فتحت في زمانه وعلى يديه جورجيا في عام22 هـ ــ 644م، وتولى إمارتها، أي أن الإسلام قد دخل إلى جورجيا في زمن الصحابة رضوان الله عليهم، ومن خلالها تم انتشار الثقافة الإسلامية في جنوب القوقاز (أو ما تسميه العرب بالقفقاس) وشماله، وفيما بعد أصبحت تبليسي التي هي الآن عاصمة جورجيا مقراً للإسلام في منطقة البلقان وجنوب القوقاز حتى عام 1122م، ونحن اليوم بالكاد نعرف أن جورجيا قد كانت من ديار المسلمين. لذا كان من الواجب أن نتحدث عن هذا الصحابي الكريم الذي وصفه المؤرخ ابن الأثير  أنه كان “يكنى بأبي عبد الرحمن. ويقال له: حبيب الدروب، وحبيب الروم، لكثرة دخوله إليهم ونيله منهم وجهاده لهم”. أي أنه شارك في العديد من الغزوات التي ارتبطت بالروم.  وقال الزبير بن بكار: وحبيب بن مسلمة كان شريفاً .. وسيره عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أذربيجان من الشام .. وكان أهل الشام يثنون عليه ثناء كثيراً ويقولون: هو مجاب الدعوة .. ثم سيره الخليفة معاوية بن أبي سفيان إلى أرمينية والياً غليها؛ فمات بها سنة اثنتين وأربعين؛ ولم يبلغ الخمسين.

وكانت جورجيا تاريخيا تسمى في المراجع العربية ببلاد الكرج (جورجيا)، وأما عاصمتها الحالية تبليسي Tbilisi، فقد أسسها العرب المسلمون، وأعطوها اسم “تفليس” في المكان الذي تقع فيه الآن، وكانت قرية صغيرة في ذلك الوقت كما يروي المؤرخون، وبعض المراجع اللاتينية تذكرها باسم تفليسي (Tphilsi) أما المراجع والمصادر العربية فتذكرها باسم : تفليس. وأما سبب التسمية كما يذكر أحد الباحثين فهو أنها تشير إلى ينابيع تفليس الحارة ، فمعنى حار؛ في لغة الكُرْج : تفيلي (Tphili).  وقد ذكر الطبري رحمه الله تعالى، في تاريخه أن تفليس قد فتحت سنة 22 هـ على يد حبيب بن مسلمة – رضي الله عنه – وذلك بعد فتح باب الأبواب على يد سراقة بن عمرو ، في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب -رضي الله عنه. كما ذكر الطبري نص كتاب الأمان الذي كتبه حبيب ابن مسلمة إلى أهل تفليس، وهو ما أثبته أيضاً الباحث الأردني سلطان الحطاب الذي ذكر  أن هذه المدينة قد كتب عنها احد الولاة العرب ممن دخلوها فاتحين وهو مسعد بن مهلهل في رسالة له فقال: “وقد سرت من شروان في بلاد الأرمن حتى انتهيت الى تفليس وهي مدنية لا إسلام وراءها، ويجري في وسطها نهر يقال له (الكور) يصب في البحر (قزوين)، وبها حمامات شديدة الحرارة، وعليها سور عظيم وحماماتها نبع يستغنى به عن استسقاء الماء، وهو للمسلمين ولا يدخله غيرهم. وتفليس التي هي عاصمة بلاد الكرج آنذاك كتب واليها العربي الذي ارسله عثمان بن عفان لها وهو حبيب بن مسلمة وثيقة أمان وعهد الى أهلها جاء فيها (بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من حبيب بن مسلمة لأهل تفليس من رستاق منجليس من جرزان الهرمز. بالأمان على أنفسهم وبيعهم وصوامعهم وصلواتهم ودينهم على الصغار والجزية على كل بيت دينار، وليس لكم أن تجمعوا بين البيوت تخفيفا، ولا لنا أن نفرق بينها استكثارا لها، ولنا نصيحتكم على أعداء الله ورسوله ما استطعتم، وقرى (إطعام) المسلم المحتاج ليلة بالمعروف من حلال طعام أهل الكتاب لنا، وأن يقطع برجل من المسلمين عندكم فعليكم أداؤه إلى ادني فئة من المسلمين، إلا أن يحال دونهم، فان أنبتم وأقمتم الصلاة فإخواننا في الدين، وإلا فالجزية عليكم، وان عرض للمسلمين شغل عنكم فقهركم عدوكم، فغير مأخوذين بذلك ولا هو ناقص عهدكم هذا لكم وهذا عليكم. وهذه الوثيقة أوردتها مصادر عدة قديمة وقد بقيت سارية إلى حوالي 1100 م (القرن الثاني عشر)”.  ويذكر الباحث أنه “ينسب الى تفليس علماء مسلمون كثيرون منهم ابو احمد حامد بن الحسين التفليسي الذي درس في بغداد وابو عبد الله بن احمد البهيقي الذي درس في القدس” كما كان منها أبـو بـكــــر محمد بن إسماعيل بن بنون بن السري التفليسي (400 – 483 هـ).. وأبو أحمد حامد بـن يوســف بن أحمد بن الحسين التفليسي، من أهل تفليس.. وكانت وفاته بعد سنة 484هـ ، ومحمد بن بيان بن حمران المدائني التفليسي ، أصله من تفليس.. وعبد الله بن حماد التفليسي.. وذكر الذهبي ، في سير أعلام النبلاء ، نجم الدين ثابت بن تاوان التفليسي المتوفى سنة 631 هـ . كما ذكر محمد بن اسماعيل السري التفليسي ، المتوفى سنة 483 هـ.  ويذكر الباحث الدكتور محمد السيد الدغيم أن الصحابي حبيبٌ بن مسلمة قد عين الفقيهَ عبد الرحمن بن جزع ؛ ليعلم أهالي تفليس أصول الدين الإسلامي ، وأن أقدم درهم أموي قد ضرب في تفليس سنة 85 هـ في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وقد استمرت دارُ سَكِّ الدراهم في تفليس إلى عام 310 هـ . واستمرت الإمارة الأموية في تفليس لغاية سنة 238هـ حين قضى عليها “بُغَّا” التركي، وكان ذلك أيام المتوكل العباسي (232- 247 هـ)، وإثر ذلك بدأت سيطرة العرب والمسلمين بالتراجع عن حكم تلك المنطقة التي وقعت في حكم العديد من الدويلات والطوائف منذ ذلك الحين. وفي محاضرة ألقاها السفير الجورجي في الكويت الدكتور جوتشا جاباريدزه في بداية العام ذكر ما نصه: “كانت تبليسي حتى عام 1122م هي المقر الرئيسي للإسلام ومصدر لنشر الحقائق والأفكار عن الإسلام عبر جورجيا، ومع الأمير والإدارة العربية ظهر السكان المسلمون أيضا في المدينة، وقد استمر المسلمون في الإقامة في تبليسي بعد عام 1122م أيضا متمتعين بعدد من الامتيازات والتسهيلات الممنوحة لهم من قبل الملوك الجورجيين، وطبقا لمؤرخي العرب فإن الملوك الجورجيين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر عاملوا المسلمين بلطف بالغ «لقد لقي المسلمون في جورجيا احتراما أكثر مما وجدوه في بغداد»  كما قال ابن الأزرق الفارقي مؤرخ القرن الثاني عشر. وذكر أيضاً أن “قاضي تبليسي فخر الدين الخلاطي كان عالما مشهورا ورائدا فلكيا وعالما للرياضيات وطبيبا، والذي ازدهر في تبليسي في النصف الأول من القرن الثالث عشر. وفي عام 1259م، بأمر من الخان المغول هولاكو أسس العالم المسلم نصر الدين الطوسي المرصد المشهور للمراغة ودعا العلماء البارزين في عصره وكان فخر الدين الخلاطي من بينهم”. ويقدر عدد المسلمين اليوم في جورجيا بحوالي 463,062 ويمثلون 9.9% من عدد السكان (إحصائيات 2002)، بينما يؤكد نائب رئيس اتحاد مسلمي جورجيا إسلام سايداييف أن عددهم “لا يقل عن مليون ونصف مليون نسمة (من إجمالي 4 مليون و600 ألف)”  أي الثلث. أليس من الغريب أننا لم نعد نعرف عن تاريخ عالمنا وارتباطه بالإسلام الكثير والكثير.  إن الحديث يكثر اليوم أيضاً عن “أبخازيا” .. وأنها ستنفصل عن جورجيا .. فهل نعرف أن أبخازيا هي “أباظة” .. وهو المكان الذي ينتسب إليه الكثير من العائلات في عالمنا العربي والمسلم، ومنه الوزراء في مصر الحالية، والعديد من المشاهير في مصر والشام وعدد من بلاد المسلمين، وأنها كانت ذات يوم أرضاً للمسلمين أيضاً، ولا يزال بها اليوم أقلية هامة من المسلمين.  أبخازيا أو بلاد الأباظة يسمّيها أهلها بـ” أباد نمل ” أي ” أرض الروح” لأنها تمثل قطعة منهم لا تنفك عن أرواحهم التي قدّموها دائما فداءً لها، ويسمّيها الروس “لؤلؤة البحر الأسود” لجمال طبيعتها وطيب هوائها وموقعها الفريد على البحر الأسود .  هل نعلم أنه في أعقاب انتصار الثورة البلشفية في روسيا، سمح لينين للمسلمين الأبخاز في عام 1921م بإقامة دولة مستقلة لهم سميت وقتها (بلاد الأباظة المسلمة) كما يذكر أحد الباحثين المتخصصين في تاريخ تلك المنطقة، واستمرت هذه الجمهورية المستقلة تحكم نفسها بنفسها بواسطة دستورها الخاص لمدة عشر سنوات حتى عام 1931م عندما أمر ستالين (من أصل جورجي) بضم أبخازيا (المسلمة) لجورجيا كجمهورية ذات حكم ذاتي تابعة لجورجيا. ومنذ أيام الحكومة المركزية الشيوعية تمت محاولة تغيير التركيبة السكانية المسلمة للمنطقة من خلال الدفع بأعداد كبيرة من الروس والأرمن والجورجيين إلى أبخازيا، حيث تمّ غرسهم في أرض ليست أرضهم، في الوقت الذي نفت تلك الحكومة عائلات جمّة من الأبخاز إلى خارج أرضهم وديارهم، فتقلّص تعداد سكان أبخازيا الأصليين من المسلمين، وتدنّت نسبتهم وصاروا أقلّيّة في بلادهم بعدما كانوا الكثرة الغالبة.  كان الأبخاز يمثّلون ٨٥٪ من السكان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لكنهم بعد عمليات التهجير التي تعرّضوا لها، مقابل عمليات إحلال جنسيات أخرى صاروا يشكّلون ١٧٪ فقط. هل نعلم أنه في العقد الماضي تبنت جورجيا القضاء التام على الهوية المسلمة لأبخازيا وأفصحت في ذلك الوقت -على لسان وزير خارجيتها في حينه- عن أن هدفها هو سحق هؤلاء المسلمين الأباظة وإبادتهم؛ إذ قال وزير الدفاع الجورجي منذ أكثر من عقد من الزمان لتليفزيون بلاده: “إنه مستعد للتضحية بـ 100 ألف جورجي لقتل 100 ألف مسلم أبخازي، وترك الأمة الأبخازية المسلمة دون ذرية أو هوية!!”. يحزنني أن الإعلام العربي والمسلم لم يقدم للقارئ معلومات كافية عن الإسلام في تلك الديار، وعلاقتها بعالمنا العربي سواء تاريخياً أو حتى في المرحلة الراهنة.  إذا كانت علاقتنا بتلك الديار ترجع إلى عصر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فكيف نتجاهل هذه العلاقات التاريخية، وننظر للموضوع وكأنه أمر لا يهمنا في قليل أو كثير؟  إن حبيب الروم .. ذهب إلى هناك، وقاتل، وحكم، وعدل، وهو ممن عاصروا النبي صلوات الله وسلامه ليه، وممن شهدوا قوة الخلافة وعظمتها في المدينة المنورة، ومع ذلك سافر وحارب وتغرب من أجل أن ينتشر العدل الذي تحمله رسالة الإسلام، ويصل إلى أقصى ما استطاع أن يصل إليه من بقاع المعمورة آنذاك.  فما بالنا اليوم نغفل حتى عن أن نقرأ هذا التاريخ أو نناصر أبناء المسلمين في تلك الديار.  إن ما يحدث في جورجيا سيكون له تداعيات عالمية واسعة التأثير، وسيتعرض المسلمون في تلك المناطق إلى الكثير من المصاعب في محاولتهم لنيل حقوقهم، ولابد للأمة الإسلامية أن تناصرهم، ولن يحدث ذلك إلا بعد أن نعرف عنهم ونعرف تاريخهم، وندرك أيضاً أن هذا البعد التاريخي حاضر مؤثر في صراعات اليوم أيضا.

 

عن محرر

شاهد أيضاً

لن أيأس من الكلام عن موضوع الريا

– هناك من يقولون أننا لابد أن نتأكد من أن هناك ربا .. قبل أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]