أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

الاصابع الغربية فى القوقاز

القوقاز.jpg

تمتد الأصابع الغربية في القوقاز منذ بدايات الحرب الباردة في منتصف القرن الماضي، وارتبطت دائماً بمحاولة تحجيم روسيا التي تمددت منذ منتصف القرن الماضي لتصبح الاتحاد السوفيتي. فلا يمكن تجاهل الدور الأمريكي المباشر في سقوط الاتحاد السوفيتي، وهو دور اعترفوا به بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وزوال مبررات الكتمان والسرية حول ذلك الدور. فعندما سئل السياسي الأمريكي المخضرم زيبنغو بريجينيسكي، وهو أستاذ السياسة الأمريكية الخارجية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز، ومستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر عما إذا كان نادما على دوره خلال تلك الحقبة، والذي نتج عنه انهيار الاتحاد السوفيتي، أجاب: “أندم على ماذا؟ على فكرة رائعة كفلت استجلاب الدب الروسي إلى المستنقع الأفغاني، وتريدني أن اندم؟ ففي اليوم الذي اجتاح فيه الجيش السوفيتي الحدود الأفغانية، أبرقت إلى الرئيس كارتر قائلاً: “الآن لدينا فرصة إهداء الاتحاد السوفيتي “فيتنامه” الخاص به، وبالفعل فقد تكبدت موسكو طوال عشر سنوات عناء حرب لا طاقة لها على احتمالها، فتداعيت معنويات جيشها في البدء، ثم انهارت الإمبـــراطورية السـوفيتية بـرمتها بعد ذلك.”
وعبر عن نفس الفكرة بريجينيسكي في سياق آخر قائلا: “جاءت هزيمة الاتحاد السوفيتي نتيجة اثنين وأربعين عاما من جهد الحزبين ــ الجمهوري والديمقراطي ــ الذي امتد عبر رئاسات هاري ترومان، وداويت أيزنهاور، وجون كينيدي، وليندون جونسون، وريتشارد نيكسون، وجيرالد فورد، وجيمي كارتر، ورونالد ريغان، وجورج اتش دبليو بوش . قدم كل رئيس أميركي تقريبا بطريقة مختلفة مساهمة كبيرة في النتيجة .. فقد عزز دوايت أيزنهاور حلف الناتو، ولم يتحد جون كيندي محاولات الكرملين تحقيق اختراق استراتيجي في أثناء أزمتي برلين وكوبا في أوائل الستينات فحسب، وإنما أطلق أيضا السباق إلى القمر، وهو ما استنزف الموارد السوفيتية، وحرم الاتحاد السوفيتي من انتصار سياسي ذي مغزى أيديولوجي قوي سعى إليه بشده”. إن السياسة الأمريكية تجاه ذلك الخصم لم تتغير أبداً في جوهرها مع تعاقب واختلاف الحكومات والرؤساء، وهو ما يجب أن يعيه كل من يحاول فهم السياسات الخارجية الأمريكية في عالم اليوم.
ومع عودة روسيا تدريجيا إلى ساحات التأثير الدولي، حاول فلاديمير بوتين مراراً استمالة الغرب، وتجنب عودة العداء بين المعسكرين الشرقي والغربي، ولكن باءت معظم محاولاته ليس بالفشل فقط، ولكنها امتزجت من الغرب بقدر من السخرية والتهكم والتهميش أيضاً، وهو ما ساهم بشكل مباشر في استعادة روسيا للروح القومية ونهضة الهوية الروسية مرة أخرى بين عموم المجتمع. وفي هذا السياق يقول فياشسلاف نيكونوف، وهو اختصاصي في العلوم السياسية ومستشار دائم لدى الكرملين، متحدثا عن إعادة النظر في السياسات بعد الثورات الملونة بأن “أوهام بوتين قد تبددت عن أمريكا، فمهما بلغ حجم الدعم الروسي للولايات المتحدة، كانت واشنطن وستظل على نفس الموقف العدائي لروسيا، ومنذ ذلك الوقت ، تزايدت المخاوف من التطويق الغربي مع فتح حلف شمال الأطلسي (ناتو) أبوابه أمام عضوية جورجيا وأوكرانيا، وسعيه إلى وضع درع دفاعي مضاد للصواريخ في بولندا وجمهورية التشيك”.
لقد اعتبر تعليق الحكومة الروسية لمعاهدة الحد من انتشار القوات التقليدية في أوربا بتاريخ الأول من يوليو 2007م تمرداً غير متوقع من قبل الإمبراطورية الروسية، ونموذجاً مستحدثاً لسياسة استثنائية قادمة تواكب التغيرات التي حدثت على الصعيد الدولي بشكل عام، وتجاه الإمبراطورية الأمريكية على وجه الخصوص ــ كما يرى المحلل محمد سعيد الفطيسي في بحث قيم له. ويكمل قائلا: “لقد وصف بيان أصدره الكرملين الأسباب التي دعت لاتخاذ هذه الخطوة بـ”ظروف غير عادية … تهدد أمن الاتحاد الروسي وتستوجب إجراءات فورية تجاهه. وفي نفس الوقت أضاف الزعيم الروسي الأخير للاتحاد السوفيتي جورباتشوف، والذي وقع هذه المعاهدة باسم الاتحاد السوفييتي عام 1990 في تصريح له قائلا : “إنه من غير المفهوم أن تبقى روسيا البلد الوحيد الذي ينفذ هذه المعاهدة بينما لم تقم الأطراف الأخرى إلا بمجرد التوقيع عليها”.. وأوضح جورباتشوف انه مما يزيد من حدة المسألة الإصرار على نشر عناصر للدرع الصاروخية الأمريكية في أوروبا الشرقية وهذا ما ينتقص من حقوق روسيا مؤكدا أن قرار الرئيس بوتين مبرر تماما وهو ليس قراراً انفعالياً، وهو ما يؤكد أن هناك صحوة روسية شعبية وقيادية، تهدف إلى ترسيخ مكانة هذه الإمبراطورية، وإعادة مكانتها وهيبتها التي افتقدتها بسقوط الاتحاد السوفيتي. (الرماد المشتعل .. روسيا نموذجاً، ملف: روسيا بين قرنين، محمد بن سعيد الفطيسي، نقلاً عن: قراءات غربية، سبتمبر 2008م، المركز الدولي لدراسات أمريكا والغرب، ICAWS )


لقد أدركت روسيا بوضوح أن الأصابع الغربية تعبث بكل المصالح الروسية في منطقة القوقاز، وأنه لا نهاية لطموح أمريكا إلا بالتصدي له، وأن الحوار ليس هو الطريق الأمثل لتحقيق ذلك. بدأت بعض الدول الغربية في الوقت نفسه في مراجعة مواقفها على ضوء تصاعد الأزمة الراهنة، ومحاولة الانفكاك من أسر الموقف الأمريكي المتشدد والمعادي لروسيا أيضاً. عبرت عن هذا التغير أحد الصحف الألمانية في افتتاحيتها قائلة: “لم تسع الولايات المتحدة الأمريكية ولا حلف الناتو ولا الاتحاد الأوروبي إلى سلوك طريق الحوار، وكانت الفرصة متاحة لذلك في المجلس المشترك بين الناتو وروسيا وفي قمة مجموعة الثماني. لكن الغرب وقف موقف المعاند وضرب المقترحات الروسية بشأن المصالح المتبادلة عرض الحائط. لقد آن الأوان للعودة إلى أخذ الكرملين كشريك حوار مأخذ الجد بدلا من توجيه اللوم إليه. وهنا فإن على ألمانيا بوجه خاص أن تلعب دورا مهما، إذ أن قربها الجغرافي من روسيا يحتم عليها أن تقوم بدور الوسيط، كما أنه ليس من مصلحتها نشوب حرب باردة جديدة.” (تداعيات أزمة القوقاز،افتتاحية صحيفة باديشي نويستي ناخريشتن Badische Neueste Nachrichten الألمانية، 29 أغسطس 2008م.)


يظن الكثير من المحللين والمراقبين أن وقت الحوار البناء والتعاون بين الغرب وبين روسيا قد مضى إلى غير رجعة في الحقبة القادمة، وأن المواجهة قد أصبحت هي الخيار الوحيدة والأمثل للطرفين أيضاً، وهو ما سيتسبب في إعادة تشكيل منظومة العلاقات الدولية في ظل التوازنات الجديدة القائمة على المواجهة وليس على الحوار بين روسيا وأمريكا.
وهناك قناعة أصبحت راسخة عند السياسيين الروس، وحتى بين أنصار التفاهم مع الغرب منهم، أن العالم الغربي يريد إحراج روسيا، والتهوين من شأنها. يقول الرئيس الروسي الأسبق ميخائيل جورباتشوف معلقاً على رد الفعل الغربي على الأزمة الأخيرة، ” إن المخططون لهذه الأزمة كانوا يريدون، كما هو واضح، أن يتأكدوا أن روسيا، وبصرف النظر عن المحصلة النهائية للأزمة، سوف تتعرض للوم بسبب مسؤوليتها عن تفاقمها، من خلال هجوم دعائي مخطط له ومكيف، يشنه عليها الغرب، وتقوده شبكة وسائل الإعلام الخبرية الأميركية الهائلة.
لذلك فلا غرابة أن نشهد في المرحلة القادمة تحولاً جذرياً في الصورة الإعلامية التي يقدمها الغرب لروسيا، وستعود أفلام رامبو، وروكي، التي تصور الشخص الروسي على أنه إنسان بلا مشاعر، وسيعمل الإعلام الغربي على التقليل من شأن روسيا دولياً، ولابد للعاملين في الإعلام العربي والمسلم إدراك هذا التغير، وعدم الاستجابة له.

عن محرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]