أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

مسلم من تايلاند

d8aad8a7d98ad984d986d8af.jpg

 

 

جاء انقلاب تايلاند بشخصية جديدة غير معروفة للكثيرين، وهو رئيس أركان الجيش التايلاندي الجنرال سونثي بونياراتجلين. الملفت للنظر أن الإعلام الغربي والعربي معاً قد تجاهلا إلى حد بعيد معلومة هامة وهي أنه مسلم ويعتبر القائد العسكري المسلم الأول في تايلاند المعروفة بأغلبيتها البوذية، وبوجود مشكلات انفصالية مع الجنوب المسلم. ما هو المتوقع من تسلم هذه الشخصية المسلمة لمساحة كبيرة وقدرة عالية على التأثير على الحياة السياسية التايلاندية فيما يتعلق بمشكلة الأقلية المسلمة هناك؟

ولنتعرف أولاً على واقع المسلمين في تايلاند، ومشكلاتهم التي ستطفو على السطح بالتأكيد مع الانقلاب الأخير. يذكر أحد الباحثين أن تعداد تايلاند يزيد عن خمسة وأربعين مليوناً يدين أكثرهم بالبوذية الهندية، وتتراوح نسبة المسلمين هناك ما بين 10 – 15% من إجمالي عدد السكان. ترجع أصول معظم المسلمين إلى منطقة فطاني التي عرفت تاريخياً بأنها كانت مملكة إسلامية مستقلة على الحدود الجنوبية لمملكة سيام التي تغير اسمها إلى تايلاند في منتصف القرن الماضي. المسلمون هناك يسعون إلى استعادة مملكتهم طوال العقود الماضية.

فطاني هي المنطقة الواقعة بين ماليزيا وتايلاند، يرجع أصل سكانها – كما تذكر الأبحاث – إلى المجموعة الملايوية، ويتكلمون اللغة الملايوية ويكتبونها أحرف عربية. تحدد التقديرات السكانية عدد المسلمين في تايلاند بخمسة ملايين مسلم. وتبلغ نسبة المسلمين في فطاني أكثر من 80% ويزيد عدد سكان فطاني عن 3.5 مليون نسمة. كما يعيش عدد كبير من المسلمين أيضاً في شمال تايلاند، وهم المسلمون من الأصل الصيني والبورمي. كما يعيش في وسط تايلاند المسلمون من الأصول الكمبودية والهندية والإندونيسية والعربية والإيرانية.

وصل الإسلام إلى فطاني عن طريق التجارة في القرن الخامس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، وأخذ في التنامي حتى صارت المنطقة كلها إسلامية، وتحت حكم المسلمين في القرن الثامن الهجري (أي منذ أكثر من 700 عام)، وصارت فطاني مملكة إسلامية خالصة ومستقلة عام 1457م. وعندما احتل البرتغاليون تايلاند أوعزوا إلى قادة “سيام” (تايلاند) بحتمية احتلال فطاني للقضاء على سلطنة الإسلام.

منذ ذلك الوقت تعاني تلك المنطقة من الأمة الإسلامية من الرغبة في الحفاظ على استقلاليتها وهويتها، وممانعة الحكم التايلاندي من حدوث ذلك. ألغيت الإمارة الإسلامية في أوائل القرن الماضي (1902م)، وحاولت الحكومات التايلاندية المتعاقبة أن تلغي الهوية الإسلامية لسكان فطاني، وأن تعيد الهندسة السكانية بتهجير المسلمين من فطاني، وتوطين البوذيين فيها، إضافة إلى التركيز على إفقار المنطقة أيضاً. الوضع كان مأساويا وتحول من السيئ إلى الأسوأ.

وصفت الصحفية الإنجليزية المعروفة، “باربارا جونز” ذلك الوضع في منتصف القرن الماضي، عندما جالت في أنحاء فطاني عدة مرات، وكتبت مقالات انتشرت عالمياً، وسببت قلقاً دولياً حول أوضاع المسلمين في مملكة سيام. كان مما قالت في عام 1947م في أحد تلك المقالات ” ينظر المستعمر السيامي إلى الملايو (المسلمين) نظرة احتقار واضح فقد شاهدت المظالم والاستبداد في كل مكان بأساليب منظمة ولا يكلف البوليس نفسه البحث في صحة التهمة أو عدمها بل لقد بلغ بالفرد من موظفي الحكومة أن يغشى بيت المسلم فيعتدي على الحرائر أو يفرض ضريبة على أي متجر مقابل حمايته وكثيرا ما يتعرض الشخص للرصاص من غير سبب أو تحقيق .وكثيرا ما كانت الحكومة تقتل المسلمين بحجة أنهم عملاء لموسكو الشيوعية ولا تفرق بين الثوار الشيوعيين وبين السكان الآمنين مع أن الثوار الشيوعيين كانوا منتشرين في كثير من دول شرق آسيا وليس في فطاني وحدها”.

لا يزال أبناء الإسلام في جنوب تايلاند يحلمون بعودة مملكتهم، وتشهد المنطقة مواجهات وقلاقل تتزايد في الأعوام الأخيرة. وقد تم في العام الماضي اختيار الجنرال المسلم سونثي بونياراتجلين رئيساً للأركان رغبة في وضع حد لتلك القلاقل في الجنوب، ولم يتوقع أحد لحظتها أن يتولى هذا الجنرال المسلم قيادة الانقلاب العسكري الذي حدث مؤخرا.

لقد حاول الفطانيون مرارا لفت نظر العالم أجمع والعالم الإسلامي والعربي بصفة خاصة لما يحدث في بلادهم من الظلم والاستبداد، ولكنهم لم ينجحوا عملياً في ذلك، فهل نتوقع أن الانقلاب الأخير يمكن أن يساهم في ذلك. الإجابة عن هذا السؤال تتحدد من خلال معرفة الميول والتوجهات الإسلامية والسياسية والفكرية لقائد ذلك الانقلاب. لقد ذكرت وكالات الأنباء الدولية أن بونياراتجلين هو محارب قديم في الحرب الفيتنامية، وقد اختير لمنصب رئيس الأركان في العام الماضي على الأرجح بسبب خبرته في القتال وقدراته وليس بسبب ديانته، ولكن تم تكليفه من ناحية أخرى بإدارة علميات الجيش في الجنوب بطريقة تأتي بنتائج ملموسة مع المواطنين المسلمين، بسبب خلفية رئيس الأركان الإسلامية.

ولد الجنرال سونثي قرب بانكوك في الثاني من أكتوبر 1946م في عائلة من التايلانديين المسلمين استقرت في البلاد منذ فترة طويلة، وتخرج من الكلية العسكرية في شولاشومكلاو، وانضم إلى فيلق المشاة الملكي قبل الالتحاق بوحدات المقاتلين الخاصة ثم تعيينه على رأس القوات البرية ثم رئاسة الأركان. واعتبر تعيينه قائدا عاما للقوات البرية محاولة جدية من الحكومة لإيجاد تسوية للنزاع القائم في أقصى جنوب تايلاند الذي يشهد حركة انفصالية إسلامية تصاعدت حدتها في الأعوام الثلاث الماضية، إلى أن حدث الانقلاب. وقد أثنى على الانقلاب أحد القيادات الإسلامية التايلاندية المنفية إلى الخارج، وهو لقمان ليما من منظمة بولو PULO التي تدعو إلى الاستقلال الذاتي للمسلمين في الجنوب. وأكد لقمان أمله أن يساهم الانقلاب في تحسين وضع المسلمين في الجنوب.

كان قائد الانقلاب قد طالب رئيس الوزراء السابق بفتح الحوار مع حركات المقاومة في الجنوب المسلم، ولكنه رفض الطلب والمبادرة، فهل سيتغير الأمر مع الانقلاب الجديد؟ هناك من يرى أن التحالف بين الملك وبين قائد الانقلاب يشير إلى اتفاق الآراء على أهمية فتح آفاق الحوار والتفاوض مع المسلمين في الجنوب، وهو ما يمكن أن يوقف مسلسل العمليات العسكرية التي أضرت بالاقتصاد والسياحة في تايلاند، وسيعطي المسلمين في مناطق الجنوب نوعاً من الثقة في إمكانية تغيير الأوضاع الحالية. هناك من الناحية الأخرى من ينظر إلى قائد الانقلاب على أنه مسلم بالخلفية الدينية فقط، ولا يتوقع منه أن يساهم في حل مشكلات الجنوب، فقد تصاعدت حدة المواجهات في فترة رئاسته للأركان وللقوات البرية، وبالتالي لا يتوقع منه مواقف أفضل مما سبق.

أرى أنه من المهم للعالم العربي والإسلامي متابعة تطور الأوضاع في تايلاند، وحث قادة الانقلاب، والحكومة الجديدة التي سيتم اختيارها مستقبلاً على البحث عن حلول سلمية لمشكلات المسلمين في الجنوب، وإتاحة الفرصة للحوار والتفاوض بدلاً من القمع والقهر الذي سيتسبب في المزيد من الغضب الشعبي في مناطق المسلمين. إن الانقلاب الذي قاده مسلم مؤيد من ملك تايلاند يمكن أيضاً أن يساهم في إعادة تعريف الأمة العربية والإسلامية بكيان مسلم نسيناه في غمرة اهتمامانا بالقضايا الساخنة الأخرى التي تشغل بال صناع القرار الإسلامي، ونسينا كذلك أن من واجبنا مساندته في مطالبه المشروعة في حياة كريمة، وصورة مقبولة لجميع الأطراف للحصول على إمكانية حفاظه على هويته الإسلامية، واستعادة ما يمكن من حقوقه المسلوبة.

 

عن محرر

شاهد أيضاً

رجم إبليس

  أحد مظاهر الحج المألوفة هي أن ترى البعض عند الجمرات يخلع حذائه ويقذف به …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]