أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

عدو من المجرمين* !

d985d8add985d8af.jpg

 

 

 

 

إذا كان لكل نبي عدواً من المجرمين .. فمن هو عدو نبينا؟

نقلت قناة تلفزيونية دانمركية مؤخراً مقاطع من حفل أقامته منظمة الشبيبة التابعة لحزب الشعب الدانمركي – المشارك في ائتلاف الحكومة الدانمركية الحاكم – لرسم ما وصفته بـ “أبشع صورة” للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.  كما عرضت صحيفة “أفيسن” شريطا للحفل أظهرت فيه صورا جديدة مسيئة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. تنص المسابقة التي أقيمت في إطار مخيم صيفي شبابي على أن من يخسر فيها يرتدي برقعا كنوع من المزيد من السخرية والاستهزاء بالإسلام.  كما أعادت القناة الثانية النرويجية نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم ضمن فيلم وثائقي، ويبرر القائمون على البرنامج ذلك بالانتصار لحرية التعبير.

يحدث هذا في نفس الوقت الذي نادي فيه وزير الخارجية البريطاني السابق جاك سترو المرأة المسلمة بالتخلص من النقاب تماماً لأنه يفرق بين الناس – كما يدعي.  ولا زلنا نحن نظن أن ما يحدث في الغرب ليس إلا سوء فهم للإسلام ولنبي الإسلام ولمعتقدات المسلمين .. وكم نحن واهمون!

إن الغرب يكاد أن يُجْمِع فكريًا على موقف موحَّد من نبي الإسلام، وهو موقف ليس إيجابيًا بل هو موقف مُعَادٍ إجمالاً، ولا يمكن تفسيره إلا من خلال تجديد النظرة وطرق البحث عن أسباب ذلك العداء المَرَضي غير المبرر. إن استقراءَ ومتابعة التاريخ يؤكد وجود تراثٍ يقارب ألف عام من العداء بين الغرب (ونعني به هنا الكنيسة الأوروبية الغربية وصُناع القرار وكذلك التيارات الفكرية غير الدينية) وبين الإسلام والمسلمين، وضد نبي الله صلى الله عليه وسلم. لم يحدث في تاريخ البشرية، وفي الغرب تحديدًا، أن استمر العداء تجاه أي شخص بمثل هذه الحماسة والاستمرار المتجدد، والصور المختلفة الملفتة للنظر.

لماذا يكرهون محمدًا صلوات ربي وسلامه عليه إلى هذه الدرجة؟ سؤال يشغل أذهان الكثيرين من أبناء الأمة، وهم يستمعون ويشاهدون الهجوم المستمر من قبل العديد من وسائل الإعلام والرموز السياسية في الغرب، والذي توج مؤخرًا بمشاركة بابا الكنيسة الكاثوليكية وهو يجدد الهجوم على شخص النبي، مستهلاً بذلك فترة رئاسته لكرسي البابوية، ومحدِّدًا من خلال كلماته النهجَ الذي يمكن أن نتوقعه من هذا الرجل خلال الأعوام المقبلة فيما يتعلق بعلاقة الكنيسة الكاثوليكية مع العالم الإسلامي، والشعوب المسلمة.

لقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز أن سُنَّته الماضية أن يُخرِج لكل نبي عدوًا من المجرمين، يقاوم دعوة ذلك النبي، ويحاربها. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان: 31]، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112]. وقد حدث هذا مع كل الأنبياء الذين أطْلعَنا الله تبارك وتعالى على سيرتهم وما تعرضوا له من ابتلاءات،  وكذلك كان الأمر في حياة نبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه.

وبما أن دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم باقية ما بقي الليل والنهار، ومتجددة مع كل إشراقة شمس، فليس من الغريب أن يكون عدو هذا النبي الكريم ممتد أيضًا ومستمر.  ومن يتابع تاريخ الإسلام وعلاقات الأمة الإسلامية الدولية يلحظ أن عداء الكنيسة الأوروبية للنبي صلى الله عليه وسلم استمر منذ بداية الدعوة، وحتى أيامنا هذه.  الغريب أن هذا العداء متجدد ويزداد كراهية وعنصرية حتى مع اهتمام المسلمين بالحوار والتعايش مع الآخرين.  فهل من الممكن أن يكون السياق القرآني الوارد في الآية الكريمة منطبقًا على تلك الكنيسة وعلى الغرب بوجهٍ عام بصفته العدو المستمر لهذا الدين المستمر أيضًا.

إنْ كان لهذه الأمة ولنبيها عدوٌّ من المجرمين – كما أخبرت الآية – في زماننا هذا، فمن يمكن أن يكون هذا العدو غير الغرب؟ لا أقصد هنا بالضرورة شعوب الغرب، ولكنني أقصد تحديدًا طائفة صُناع القرار، والكثير من القيادات الدينية المتطرفة في الغرب، والعديد من وسائل الإعلام غير الموضوعية وغير المحايدة. فعلى المستوى الديني، لم يبلغ الفكر المتزمت في أي دين من الأديان إطلاقًا درجة التنظيم والاضطهاد التي عرفتها محاكم التفتيش الأوروبية الكنسية في مواجهة الإسلام. وقد ظهر هذا التزمت نفسه من خلال الإصرار على معاداة نبي الله بكل الصور الفكرية والثقافية الممكنة.

إن طبيعة تجدد العداء من الغرب تجاه نبي الإسلام توحي أن هذا العداء يعبر عن نوع من الإجرام الحقيقي في مواجهة أمة الإسلام. وإلا فكيف يمكن تفسير أن تُزيَّن بعض كنائس أوروبا بلوحاتٍ ورسوماتٍ لنبينا محمد وهو –كما يدَّعون– يُعذَّب في نار جهنم، وأن تبقى هذه اللوحات في أماكنها في أكثر من كنيسةٍ خاضعة لسلطة الفاتيكان.  من الأمثلة المخزية في هذا الشأن، لوحة توجد بكنيسة سان بيترونيو بمدينة بولونيا في وسط إيطاليا San  Petronio basilica in Bologna، وهي عبارة عن رسم لشخصٍ عارٍ مُمدَّد أرضًا وهو يُعذب في جهنم بشكل بشع، وقد كُتب على جانبها بحروفٍ واضحة اسم النبي صلوات الله وسلامه عليه.  الرسم يرجع إلى عام 1415م، وقام به رسام معروف في ذلك الوقت، وهو جيوفاني دو مودينا.

وتوقيرًا لرسول الله فقد آثرنا عدم وضع نسخة مصورة من هذه اللوحة ضمن هذا المقال – رغم أننا حصلنا عليها للتأكد من دقة الوصف ولتوثيق المعلومات. الغريب بالنسبة لهذه اللوحة هو رفض الكنيسة الكاثوليكية المتكرر لطمسها أو حجبها أو حتى تغطيتها حرصًا على مشاعر العالم الإسلامي؛ رغم النداءات المتكررة من مسلمي أوروبا للفاتيكان بذلك.  كما أن الشرطة الإيطالية قد أعلنت في العام الماضي أنها أحبطت محاولة من مسلحين إسلاميين – كما ذكرت الشرطة – حاولوا التخطيط لاقتحام الكنيسة للتعبير عن امتعاضهم من بقاء هذه اللوحة معروضة بسبب ما تمثله من إهانة لا تقبل التفسير، خاصة لمن يدعون الرغبة في التسامح والحوار واحترام مشاعر الآخرين.

إننا بالتأكيد لا نقر استخدام العنف لحل مثل هذه القضايا، ولذلك نرى أن على الفاتيكان وعلى قادة كنائس أوروبا وأمريكا تحديدًا أن يكونوا أكثر حساسية ولياقة في التعامل مع هذه التراكمات التاريخية غير المشرفة، والتي تعكس نظرة الكنيسة في فترة ما للعالم الإسلامي ورموزه الدينية. إن الإصرار على الإبقاء على هذه الرسومات والتماثيل الموجودة في العديد من الكنائس الأوروبية يُمثل وصمة عار على جبين من ينادون باحترام الأديان السماوية. قد يفهم البعض أن البابا لا يعتذر عما قاله عن نبي الإسلام بسبب أنه لم يقصد الإهانة، ولكن البابا يملك بالتأكيد أن يزيل لوحة مهينة لنبي الإسلام – بلا أدنى شك – في أحد الكنائس التابعة له منذ عام 1415م وحتى اليوم .. أي أنها إهانة مستمرة وعلنية لأكثر من 600 عام، بل وهي موجودة اليوم على شبكة الإنترنت في عشرات المواقع المتعصبة للكنيسة الأوربية الكاثوليكية!  فلماذا لا يأمر البابا بإزالتها – إن كان حقاً يحترم الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم؟

مثال آخر على الإجرام الغربي في التعامل مع نبي الأمة: كيف يُفسَّر أن يوضع في كنيسةٍ أوروبية في عاصمة الاتحاد الأوروبي تمثالٌ مهينٌ لنبي الأمة وهو مطروح أرضًا تدوسه أقدام ملائكةٍ تعلِن انتصار المسيحية على الإسلام؟ التمثال يوجد في محراب أحد الكنائس المهمة، وهي كنيسة «سيدتنا العزيزة» Church of Our Dear Lady  في مدينة ديندرموند، في بلجيكا.  التمثال منحوت من الخشب في القرن السابع عشر بواسطة النحات الأوروبي ماثيويس فان بيفرن، ويظهر في أسفله صورة رسول الله ملقى على الأرض على وجهه وهو يحتضن القرآن، وتدوسه أقدام ملائكة يعبرون عن هزيمة وانكسار النبي وعن انتصار المسيحية على الإسلام.  هذا التمثال ليس في الكنيسة فقط، بل هو في محرابها؟ أي أنه يراه ويشاهده كل من يزور الكنيسة للعبادة أو السياحة أو غيرهما. ألا يدل هذا على الإجرام الذي وصفته الآية في الحديث عَمّن يعادون نبي الأمة؟

إن التساؤل الذي يطرح نفسه هنا، هو لماذا يهتم دينٌ ما بالهجوم الشرس على نبي دينٍ آخر إلى درجة أن يصوره وهو يُعذَّب في جهنم – كما يدَّعون – في لوحاتٍ فنية تزين بها أسقف الكنائس والأديرة؟!  إن هذه الظاهرة تنفرد بها المسيحية الأوروبية والأمريكية عن غيرها من ديانات العالم – كما نظن.  فلم يُعرف في الإسلام مثلاً أدنى اهتمام أو ولع بالهجوم على رموز أية أديان أخرى إلى الدرجة التي تجعلنا نهتم بتصوير ذلك من خلال الفنون، وأن نحتفي به في المساجد أو أماكن العبادة، ولا ينتشر ذلك أيضًا في الديانات الشرقية بالعموم، وحتى بين الديانات غير السماوية التي يعتنقها الكثيرون في آسيا وشبه القارة الهندية.

لا شك أن هناك عداءً متوارثًا بين الكثير من الأديان، وهناك تنافس أيضًا على التأثير الفكري والديني والثقافي العالمي، ولكن أوروبا تمثل ظاهرة فريدة وجديرة بالفهم والتأمل في علاقتها بالإسلام، وبشكل أكثر تحديدًا بنبي الإسلام صلوات الله وسلامه عليه. إن نوع الاتهامات والإهانات المتكررة والتي تُلصَق بنبي الله صلى الله عليه وسلم من قِبَل الحمقى من الغرب لا تدل إلا على صفةٍ واحدة في هؤلاء.. وهي الصفة التي وصفهم بها رب العزة والجلال؛ إنها صفة الإجرام.

من المهم أن يكون موقفنا من هذه القضية واضحاً ويغطي جانبان مهمان منها: الأول هو أن نطالب الغرب بمواجهة وعلاج مرض الكراهية والتعصب الذي يعاني منه كثير من قادة الفكر والدين والسياسة والإعلام تاريخياً تجاه نبينا، وأن يبدأ ذلك العلاج أولاً بالاعتراف بالمشكلة وليس أن يطلب منا نحن القبول بها أو التغاضي عنها أو تفسيرها بأنها تندرج تحت حرية الرأي.  أما الجانب الثاني فهو أن نسمي الأشياء بمسمياتها الصحيحة والحقيقية لننجح في الحوار والتعايش مع الآخرين.  وأكرر ما ذكرته في بداية المقال: إنْ كان لهذه الأمة ولنبيها عدوٌّ من المجرمين – كما أخبرت الآية – في زماننا هذا، فمن يمكن أن يكون هذا العدو غير الغرب؟

* أجزاء من هذا المقال تم اختيارها من كتاب صدر حديثاً لكاتب المقال بعنوان “لماذا يكرهونه؟! الأصول الفكرية لعلاقة الغرب بنبي الأمة”، الدكتور باسم خفاجي، سلسلة كتب البيان، كتاب رقم 77، الرياض – السعودية، رمضان 1427هـ – أكتوبر 2006م.

 

عن محرر

شاهد أيضاً

فلنعد للقلب مكانه!

    – لإي أي لحظة من اللحظات الحرجة في الحياة .. يتوارى العقل خلف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]