أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

فرنسا .. عبث بالتاريخ .. أم استدعاء سياسي له

274484women.jpg

ماذا تعبث أوربا بالتاريخ، وخاصة ما يتعلق منه بالعلاقة مع العالم الإسلامي؟ استدعى بابا الكنيسة الكاثوليكية الأوربية التاريخ لكي يهاجم الإسلام، وها هي فرنسا تقر مؤخراً قانوناً يجرم من ينكر حدوث تطهير عرقي من قبل العثمانيين تجاه الأرمن رغم أن فرنسا لا ناقة لها ولا جمل في هذا الخلاف التاريخي – سواء حدث أم لم يحدث. تتحرك بعض دول أوربا الأخرى أيضاً لتمرير قوانين مشابهة تجرم من ينكر أن المسلمين في تركيا قاموا بالتطهير العرقي ضد الآخرين.

ابد أن نتساءل هنا ماذا جرى لحرية الرأي في أوربا .. وما هي القيمة الأخلاقية التي يمكن أن تتحقق من كبت حق البحث العلمي والتاريخي في هذا الموضوع على افتراض أنه مهم لهذه الدرجة التي تستدعي صدور قانون بحق من يتحدث عنه؟ هل كل ذلك بسبب أن تركيا لا تزال تأمل أن يقبلها الغرب ضمن منظومة الاتحاد الأوربي، ولذلك تثار هذه القضايا اليوم لعرقلة هذه المحاولة من تركيا؟ هل ثمن انضمام تركيا للاتحاد الأوربي سيتحدد في تكميم أفواه الساسة الأتراك، وإجبارهم على قبول الإقرار بجرائم – قد تكون لم تحدث أصلاً – ولم يقرها أي سياسي تركي أو يقبل بها طوال العقود الماضية؟ إننا جميعاً بحاجة إلى معرفة ما حدث بشفافية ومصداقية، وليس بحجر الرأي على طرف من أجل إقرار رواية الطرف الآخر فيما حدث منذ ما يقارب من قرن من الزمان.

إن التاريخ “حمال أوجه”، ويمكن لكل من يريد أن يستخدم التاريخ في السياسة أن يجد ضالته في ثنايا قصص وأحداث التاريخ. ويبدو أن أوربا تريد أن تستخدم التاريخ سياسياً لإعادة صياغة علاقتها بالعالم الإسلامي بشكل أكثر عداءاً وتصادماً. الغريب أن نفس المبررات التي استخدمها الاستعمار الأوربي في بداية القرن الماضي للقضاء على البقية الباقية من الخلافة العثمانية هي نفس الحجج التي تستخدم اليوم لمواجهة نهضة وعودة الأمة الإسلامية – ومن بينها تركيا – إلى آفاق التأثير العالمي. في عام 1919م وضعت الدول الكبرى الأربع- إنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا – مسودة صيغة تحدد أهداف الحلفاء من الحرب، وقد تضمنت الفقرة التي تتناول القوميات من رعايا الإمبراطورية العثمانية ما يلي: “نظراً لسوء إدارة الأتراك لرعاياهم من الشعوب الأخرى والمجازر الرهيبة التي ارتكبوها ضد الأرمن وضد شعوب أخرى كالسريان خلال السنوات الأخيرة، فإن الحلفاء والقوى المرتبطة به قد وافقوا على وجوب اقتطاع أرمينية وسورية وبلاد ما بين النهرين وشبه الجزيرة العربية بصورة نهائية عن الإمبراطورية التركية”. وهكذا تم تقسيم الدولة العثمانية في ذلك الوقت.

إن موضوع العلاقة بين تركيا وبين الأرمن هو موضوع مرتبط بالتقييم التاريخي للأحداث التي أدت إلى مقتل عدد كبير من الأرمن ما بين عامي 1915م و1919م، وقد سبب عدم اعتراف أو إقرار تركيا بأن مذبحة عرقية قد حدثت في الماضي للأرمن إلى أزمات قائمة بين تركيا وعدد من البلدان الأوروبية. أطلق البرلمانيون في عدد من البلدان، من بينها فرنسا وروسيا وإيطاليا، وصف الإبادة على ما حدث في تلك الفترة، بينما اكتفى البعض الآخر باستخدام تعبير “الأحداث المؤسفة” لوصفها. طلبت تركيا – ولا تزال تطلب – من أوربا أن تبحث في الوثائق التركية العثمانية لتلك الفترة لمعرفة الجانب الآخر من القصة، ولكن معظم دول أوربا ترفض ذلك. ترفض تركيا بالمقابل أن تدان دون أن تدافع عن تاريخها، وأن يرى العالم مستندات حقوقها في الدفاع عن مواقفها. وبدلاً من السماع للموقف التركي، أو إعطائه فرصة للتعريف عالمياً بموقفه، يسارع الغرب إلى إصدار تشريعات تمنع ذلك، ثم يدعي الغرب دفاعه عن حرية التعبير عن الرأي!

لقد ناقش الكونجرس الأمريكي عام 2000م قضية مذابح الأرمن عام 1915م في تركيا، وبعدها أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية بمسؤولية تركيا عن المذابح. وفي السويد تم مناقشة قضية الآشوريين في تركيا في أكثر من جلسة، كانت أخرها في مارس 2002م. واعترفت مؤخراً الحكومة الكندية بمسؤولية الدولة التركية عن المذبحة التي تعرض لها الأرمن في تركيا، وكان القضاء السويسري كذلك قد فتح في عام 2005م تحقيقين ضد شخصيتين تركيتين، هما المؤرخ يوسف هالاكوغلو ورجل السياسة دوغو بيرنشك، لمعرفة ما إذا كانت تصريحات أدليا بها في سويسرا حول “إبادة” الأرمن تنتهك الفصل 261 مكرر من القانون الجنائي السويسري، الذي يعاقب التصريحات أو الكتابات التي تنفي حدوث مجازر الإبادة.

لا شك أنه من المهم أن يكتب التاريخ بدقة، وأن يعرف ما حدث للأرمن في تركيا العثمانية، وهل كان تطهيراً عرقياً حقاً أم اقتصاص قاس من أقلية خانت الدولة وعملت ضدها، ووالت أعداءها كما يقول الأتراك. الحق يمكن أن يكتشف دون الحاجة إلى تجريم من يبحث في الأمر بشكل لا يرضي أوربا، أو لا يشبع نهمها الذي لا يرتوي في اتهام العالم الإسلامي بكل نقيصة. لماذا نحتاج إلى قانون يجرم حرية البحث في القضية والحديث عنها إن كنا حقاً نريد أن نعرف ما حدث هناك؟

أليس من الغريب أن الغرب الذي يدعي الحرص على حرية الرأي هو من يستن هذه القوانين هنا وهناك لتجريم من ينكر شيئاً أو يرغب في البحث التاريخي بمنطلقات لا تتفق والرؤية الغربية لتاريخ العالم. هل المطلوب هو تكميم أفواه كل الساسة والمفكرين والمثقفين الأتراك وغيرهم في كل أنحاء العالم، ومنعهم من الحديث بحرية والبحث بشفافية في هذه القضية. فإما أن يعيد الجميع ويكرر الرواية الأوربية المعتمدة لما حدث في تركيا في تلك الفترة، أو أن يتعرض من يخالف ذلك إلى القبض عليه في مطارات فرنسا ومحاكمته على أرضها بتلك التهمة الغريبة. بالتأكيد سيشمل هذا القانون في حال إقراره النهائي الساسة والمفكرين الأتراك، وهنا بيت القصيد، والثمن المطلوب أن تدفعه تركيا مقابل أن تتعطف أوربا وتتقبلها ضمن الكيان الأوربي.

إن من المضحك والمخجل أنك تستطيع في أوربا أن تنكر وجود الخالق العزيز الجبار، ولكن لا يمكن قانوناً أن تنكر أن المذبحة النازية قد حدثت بالصورة والشكل الذي يراه حلفاء الصهيونية اليوم. يمكنك أن تنكر وجودنا نحن كبشر، أو كثير من المسلمات البديهية الأخرى دون أن يعاقبك القانون، ولكن هذا القانون نفسه سيعاقبك اليوم في فرنسا – في حال إقراره النهائي – إن تساءلت هل حدث للأرمن مذبحة في تركيا. القانون الفرنسي لن يعاقبك إن قلت أن الصرب لم يحاولوا إبادة مسلمي البوسنة، أو أن الروس لم يحاولوا التخلص من مسلمي الجمهوريات المسلمة في الاتحاد السوفيتي السابق.

الازدواجية في الفكر الغربي أصبحت شيئاً مملاً للعالم أجمع. وكما يذكر السفير الألماني المسلم مراد هوفمان ، فإنه يبدو أن وسائل الإعلام تشكو من قرون استشعار انتقائية، خاصة عندما تلصق بالإسلام القسوة والفظاعة كما لو كانتا من مكوناته، وكما لو كان للإسلام ارتباط بالعنف أكثر من أي دين أو مذهب آخر. عندما ننسب أفعال صدام حسين للإسلام، فلماذا لا ننسب جرائم ستالين في الاتحاد السوفيتي لأنه مسيحي أرثوذكسي، أو جرائم هتلر لأنه مسيحي كاثوليكي؟ (أو جرائم جورج بوش لأنه مسيحي بروتستاني) ويتساءل د. هوفمان قائلاً .. هل يريد أحد استثارة مقارنة تحليلية بين المسيحية والإسلام ليرى أيهما أهدر دماءً أكثر؟

إن كنا نريد حقاً أن نحاكم دول اليوم بما فعله أسلافهم في دول الأمس، فلم لا نبدأ بفرنسا ونناقش ما فعلته في المغرب العربي، وخصوصاً في الجزائر؟ إن فرنسا ترفض حتى أن تعتذر عن مذابحها الوحشية هناك – دع عنك الإقرار بالتطهير العرقي الذي مارسته فرنسا لعقود من الزمن في تلك المستعمرات. لماذا لا تهتم فرنسا أولاً بمحاكمة دولة تسمى إسرائيل على جرائم الإجلاء العرقي والتمييز العنصري والتطهير الديني والعرقي التي تمارس باستمرار وبانتظام على الشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع من دول العالم الحر – كما يسمونه اليوم؟

إن كانت فرنسا تهوى البحث عن حقائق التاريخ، فلماذا لا تجرم من ينكرون المذابح العرقية للهنود الحمر في أمريكا، والتي تسببت في فناء ملايين البشر باسم نهضة الغرب، والبحث عن الذهب في العالم الجديد؟ أين ذهب 20 مليون من الهنود الحمر – على أقل تقدير – كانوا يسكنون أمريكا الشمالية عندما دخل الرجل الغربي إلى القارة الجديدة. إن استدعاء التاريخ من أجل تحقيق مكاسب سياسية يمكن أن يستخدم من الغرب، ومن الشرق أيضاً، وإن استخدمه الغرب من اجل الفوز في معركة ما اليوم، فقد يستخدم نفس التاريخ ضد الغرب لمواجهة مشروع الهيمنة أيضاً.

إن البابا أرد أن يستدعي التاريخ ليبرهن أن تاريخ الإسلام هو تاريخ حروب، وأن انتشار الدين كان بالسيف والقتال. وقد يفهم أن يكون البابا جاهلاً بتاريخ الإسلام – وإن كان من الصعب تصور ذلك – ولكن من المؤكد أن البابا لا يجهل تاريخ كنيسته وما فعلته في العالم على مر التاريخ. وكما يذكر أحد الكتاب العرب، وهو محمد حسن الخالصي، قائلاً ومذكراً البابا .. عن جرائم محاكم تفتيش العقائد التي أنشأتها كنيسته نفسها بعد سقوط الدولة الإسلامية في الأندلس مع نهاية القرن الخامس عشر الميلادي وبداية القرن السادس عشر، ولا حاجة لتذكير قداسته بالفظائع التي ارتكبتها الكنيسة يومها في التفنن بابتكار أساليب التعذيب حتى الموت ألماً، وحفلات حرق المسلمين بحضور الكرادلة من أجل محو أي أثر لدين الإسلام في الأندلس.

يستمر الباحث مذكراً من يريدون استدعاء التاريخ، وعلى رأسهم البابا قائلاً: هل تحت اسمٍ غير اسم كنيسته أبيدت حضارات الأنتيل والمايا، ثم تبعتها حضارات الأزتيك والأنكا في أمريكا الجنوبية؟ فهل كان المنطق والمحبة هو من دفع كنيسته لهذه الجرائم؟ أم تحت اسمٍ غير اسم كنيسته دُقت النقود في عهد البابا غريغوار الثالث عشر تخليداً لمجزرة كبيرة في باريس بحق المسيحيين غير الكاثوليك سموها – ويا للعجب – بـ(ملحمة بارتلمي)، فهل المنطق هو ما دعا كنيسته لهذه المجزرة، وهي مجرد مثال لكثيرات غيرها؟ أم أن جحافل الجيوش الصليبية التي اجتاحت بلاد الشام وفلسطين على وجه الخصوص مع بداية الألفية الميلادية الثانية، هو أسلوب منطقي مبتكر يعتمد غير السيف والإبادة والتهجير والتطهير العرقي والقتل على الهوية؟

إن كانت فرنسا اليوم تستدعي التاريخ لعرقلة دخول تركيا إلى الاتحاد الأوربي، فقد يستخدم التاريخ أيضاً لعرقلة مشروعات فرنسا في العالم أجمع، ومن منا لا يتذكر دور فرنسا في نشأة واستمرار الحروب الصليبية، ومن كذلك لا يذكر أفعال فرنسا في الجزائر وبقية المستعمرات التي عانت من ويلات الاستعمار الفرنسي؟ التاريخ يمكن أن يعمل لخدمة فرنسا .. ويمكن أن يساهم أيضاً في تشويه الصورة الوردية التي تحاول أن ترسمها عن نفسها في عالم اليوم. ومن كان ماضيه مليء بالفظائع والمذابح للبشر .. فلا يليق عقلاً أن ينبش ماضي الآخرين، أو ينتقي كيف يتم البحث في تراث الشعوب الأخرى أو مشكلاتها.

عن محرر

شاهد أيضاً

فلنعد للقلب مكانه!

    – لإي أي لحظة من اللحظات الحرجة في الحياة .. يتوارى العقل خلف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]