أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

المسلمون وجوائز نوبل

01__254545.jpg

 

تتغير علاقة العالم الإسلامي بجائزة نوبل علاقة بشكل مفاجئ وغريب.  حصل العالم الإسلامي في هذا العام – ولأول مرة في تاريخ الجائزة – على ثلاث جوائز من أصل تسع جوائز وزعت في هذا العام.  هذا أيضاً هو العام الأول الذي يتزامن فيه توزيع الجوائز مع شهر رمضان المبارك طوال ربع القرن الماضي!  يعتبر عام 2006م كذلك عاماً فريداً لفوز شخصيتان من العالم الإسلامي بجائزتين من جوائز نوبل فيه، إضافة إلى فوز مؤسسة من مؤسسات العالم الإسلامي لأول مرة بالجائزة، وهو بنك جرامين البنجلاديشي.  وفي هذا القرن الميلادي الجديد فاز المسلمون حتى الآن بـ 50% من جوائز نوبل للسلام، في الوقت نفسه الذي يعتبر الغرب أن مصدر الحروب والإرهاب في العالم هو نفس هذا العالم الإسلامي.

البعض لا يعجبهم إطلاقاً هذا التحول، ويظهر على ألسنتهم ومن خلال كتاباتهم، وما تخفي صدورهم أعظم.  كنت أقرأ هذا المساء – وأنا أعد هذا المقال – وأتابع فوز مسلم من بنجلاديش بجائزة نوبل للسلام ..  ما كتبه أحدهم قائلاً: “ما لم يبدأ السويديون والنرويجيون في إعطاء جوائز نوبل في مجالات من مثل خطف الطائرات أو تفجير محلات البيتزا أو الهجوم على حافلات نقل المدنيين أو العمليات الانتحارية والجهادية، أو أعمال القتل العشوائي، أو الذبح أو الهجوم على السفارات، أو الأعمال البربرية الأخرى المماثلة، فإن مساهمة العرب والمسلمين المنخفضة والمخجلة في أحداث الحضارة وتقدم الإنسان سوف تستمر.  شعب اليهود – بالمقابل – سيستمر في كونه الضياء الذي يشع على كل الأمم”.

هكذا عقد أحد المواقع الصهيونية المقارنة بين المسلمين وبين اليهود في مجال الفوز بجوائز نوبل.  أنا لا أهتم كثيراً لهذه الجائزة أو ارتباطها بالتقدم الحضاري من عدمه، ولكنني كنت أسأل نفسي.. إن كان العالم الإسلامي هو عالم الحروب والإرهاب .. فلماذا أصبح الفوز بأهم جوائز العالم – والغرب تحديداً – للسلام هو من نصيب أبناء هذا العالم الإسلامي المتهم بالإرهاب.

جائزة نوبل هي جائزة غربية، وتمنح بمعايير غربية بلا شك، ولكن النظرة الإحصائية لنتائجها قد تشير إلى دلائل هامة عن عالمنا العربي والإسلامي، حتى مع بعض التحفظ حول آليات منح هذه الجوائز، وما يؤثر على القرار الخاص بمنحها من ضغوط دولية.  لا شك أن نصيب العالم العربي والإسلامي من الفوز بهذه الجوائز منخفض للغاية مقارنة بباقي دول العالم وشعوبه، فقد فاز بالجائزة منذ عام 1901م وحتى هذا العام 766 شخصاً، و19 منظمة دولية في المجالات الخمس للجائزة (الكيمياء – الفيزياء – الطب – الآداب – السلام).  لكن نصيب العالم الإسلامي والعربي لم يتجاوز 11 شخصاً، ومؤسسة واحدة منذ بداية القرن الماضي، وحتى نهاية عام 2006م.

الغريب والمثير في الوقت نفسه .. أن كل جوائز نوبل التي حصل عليها أبناء الأمة الإسلامية والعربية حدثت في الثلاثين عاماً الماضية.  لم يحدث أن فاز أي مسلم بجائزة نوبل قبل عام 1978م، ولكن تكرر الفوز بهذه الجوائز منذ ذلك الحين وحتى هذا العام.  ألا يشير ذلك أن العالم العربي والإسلامي يستعيد نهضته، ويعود تدريجياً إلى التأثير في مجريات العالم المعاصر في معظم المجالات، وليس في المجال السياسي والثقافي فقط.

كان الفائز المسلم الأول بجائزة نوبل للسلام هو الرئيس المصري محمد أنور السادات في عام 1978م، وتلاه العالم الباكستاني البروفيسور عبد السلام في عام 1979م في مجال الفيزياء.  ثم في عام 1988م فاز الأديب والروائي المصري الراحل نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب.  أما في عام 1990م، فقد فاز العربي إلياس خوري بجائزة نوبل في مجال الكيمياء، وهو عربي مسيحي من أصول لبنانية، وتبعه في عام 1994م ياسر عرفات ليفوز بجائزة نوبل للسلام.

في عام 1998م، فاز فريد مراد، وهو مسلم من أصول لبنانية أشيع عنه أنه تحول إلى مسيحي بجائزة نوبل في الطب. أما في عام 1999م فقد فاز العالم المصري الدكتور احمد زويل بجائزة نوبل في مجال الكيمياء، وتبعته في عام 2003م الكاتبة الإيرانية شيرين عبادي التي فازت بجائزة نوبل للسلام أيضاً، وتعرف بمواقفها التي يعتبرها البعض معادية للإسلام.  في عام 2005م فاز الدكتور محمد البرادعي، وهو مصري بجائزة نوبل للسلام، وتبعه هذا العام (2006م) كل من محمد يونس، وهو اقتصادي من بنجلاديش ليفوز بجائزة نوبل للسلام، والروائي التركي فريد أورهان باموك ليفوز بجائزة نوبل في الآداب، وهو أول تركي يفوز بهذه الجائزة.  كما فاز هذا العام بنك جرامين البنجلاديشي بجائزة نوبل للسلام مناصفة مع محمد يونس، وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الجائزة التي تمنح فيها لمؤسسة من العالم الإسلامي.

لقد فازت الأمة الإسلامية في هذا العام بثلاث جوائز لنوبل من أصل تسع جوائز وزعت هذا العالم.  أي أن الأمة الإسلامية التي تمثل 20% من نسبة سكان العالم قد حصلت على 33% من نسبة الجوائز التي منحت هذا العام، وهي المرة الأولى في تاريخ هذه الجائزة التي تتجاوز نسبة الجوائز التي تم الفوز بها (33%) نسبة سكان العالم الإسلامي من سكان العالم (20%)، وهو إنجاز هام للأمة، ويجب أن نعي معناه الحقيقي.

لقد حصل العالم الإسلامي على نسبة صفر بالمائة من جوائز نوبل منذ عام 1901م، وإلى عام 1978م، ثم طرأ نوع من التغير في ذلك.  لقد حصلنا في الثلاثين عاماً الماضية على 12 جائزة من جوائز نوبل من أصل 318 جائزة منحت لأشخاص ومؤسسات منذ عام 1978م، أي أن الأمة العربية والإسلامية حصلت على أقل من 4% من تلك الجوائز.

لكن منذ بداية هذا القرن الميلادي، فاز العالم الإسلامي بخمس جوائز من أصل 86 جائزة منحت في هذا القرن، أي أن نسبة الفوز قد ارتفعت منذ بداية القرن إلى 6%.    الأرقام تعطي بصيصاً من الأمل بالتأكيد، لأنها تشير إلى تغير ملحوظ مقارنة بالقرن الماضي، مع الأخذ في الاعتبار واقع الأمة العربية والإسلامية الثقافي والعلمي من ناحية، وما تتعرض له – من ناحية أخرى – هذه الجائزة والجهة المانحة لها من ضغوط سياسية، وتأثيرات فكرية – وهو ما يختلف حوله الكثيرون – بحكم تواجدها ضمن منظومة الغرب الفكرية والثقافية والحضارية.

ما أريد أن أعبر عنه في هذا المقال هو أن معظم من يتحدثون عن الواقع العلمي والفكري للعالم الإسلامي لا يرون إلا عالماً من الظلام والتخلف والرجعية، ويلومون الإسلام أحياناً على ذلك، أو الشخصية العربية أو المسلمة أحياناً أخرى.  لا يتحدث أحد عن أسباب التخلف التي ارتبطت بالاستعمار أو بسرقة ثروات الأمة، أو بتقسيمها، أو باختيار نخبة لتحكمها طوال العقود الماضية، تتحكم فيها ليس من أجل نهضتها، وإنما – في معظم الأحيان وأكثر البلدان – من أجل تخديرها والحفاظ على استمرار كبوتها، وليس النهضة بها.

لا شك أن عطاء العالم العربي والإسلامي في المجالات العلمية والفكرية محدود للغاية في هذه الفترة من تاريخ الأمة، ولكننا لابد أن ننهض، وننفض عن أمتنا هذه الغلالة من الجهل والفقر والتخلف، ليظهر الوجه المشرق والحقيقي للإنسان المسلم.  ما الذي يمنعنا من ذلك؟  لا يليق أن نلقي باللائمة على الآخرين.  إن من العيب أن نستمر في ذلك. نعم .. شارك آخرون فيما نعاني منه اليوم من تخلف، ولكن لن يخرجنا من هذا التخلف أن نلوم الآخرين، وإنما أن ننهض نحن بارتباطنا بتقاليدنا وعقيدتنا، واعتمادنا على خالقنا، والاستفادة من الثروات المتاحة لأمتنا، واستنهاض واستعادة العقول المسلمة العربية التي هاجرت وتركت عالمنا العربي والمسلم.  إنني أنادي أن تعلن الأمة العربية والإسلامية عن مشروع متكامل لزيادة العطاء العربي والإسلامي للبشرية في المجالات العلمية والفكرية، وأن يتجاوز هذا المشروع الحدود الإقليمية والقومية، ويتخطى ذلك لخدمة الأمة بأكملها، وأن ترصد له الإمكانات المالية والبشرية اللائقة.

لقد أصدرت منظمة العمل العربية تقريرا متميزاً وفريدا منذ فترة بعنوان “البحث العلمي بين العرب وإسرائيل وهجرة الكفاءات العربية”. كشف التقرير حقائق مذهلة عن الواقع العربي إلى درجة أنه أوصى بضرورة زيادة المخصصات المالية العربية لأغراض البحث والتطوير العلمي إلى 11 ضعفا عن موازناتها الراهنة حتى يمكن للعرب الاقتراب من سد الفجوة العلمية مع إسرائيل. من أبرز الحقائق التي كشف عنها التقرير أن معدل الإنفاق العربي على البحث العلمي لا يزيد عن اثنين في الألف سنويا من الدخل القومي، في حين أنه يبلغ في إسرائيل 8.1 في المائة.  كما أظهر التقرير أن نصيب المواطن العربي من الإنفاق على التعليم لا يتجاوز 340 دولارا سنويا، في حين يصل في إسرائيل إلى 2500 دولار سنويا.

إننا بحاجة إلى مشروع متكامل للنهضة العلمية والتعليمية، ليس من أجل المنافسة مع إسرائيل، وإنما من أجل أولادنا، والأجيال القادمة من أمتنا، ومن أجل أنفسنا نحن وكرامتنا وعزة عالمنا .. فنحن في عالم لا يليق أن نبقى فيه ضمن المتخلفين .. ولن يقبل هذا العالم أفكارنا حول الإسلام وعظمة الأمة ما لم نستطع أن ننافسهم ونتفوق عليهم في المجالات التي تعتبر هامة وحيوية في حضارة هذا العالم، وفي هذا الوقت تحديداً الذي يعتبر – في رأيي – المفصل الحضاري الذي سيساهم في تشكيل صورة عالم الغد، والقوى التي ستصبح عالمية ومؤثرة فيه.

إن الأمة الإسلامية تشكل أكثر من 20% من نسبة سكان العالم، وبالتالي لابد أن يكون تأثيرنا الحضاري والفكري والعلمي متناسباً مع هذه النسبة، وليس مبتعداً عنها كثيراً.  نحن نملك ذلك بعون الله تعالى، وتجمع امتنا بين جنباتها كل عناصر النهوض الحضاري ليس بعيداً عن الإسلام، وإنما بسببه، ونتيجة للالتزام الحقيقي بوسطيته وقوته الفكرية التي تمنح العالم والمفكر المسلم رصيداً حقيقياً من الفهم الصحيح للكون وللحضارة وللعلم وللإنسان.

أخطأت الأمة في الماضي عندما اعتبرت أن العلاقة بين الإسلام وبين التقدم هي علاقة عكسية، ونشهد اليوم ملامح نهضة جديدة حقيقية تستعيد الاستفادة من الإسلام للنهوض الحضاري والعلمي والفكري.  قد لا نحتاج إلى مسابقة الغرب أو الشرق في مجالات العلوم الحيوية أو الهندسية أو غيرها، ولكننا بلا شك لابد أن نتفوق على العالم أجمع في مجال الأخلاق والآداب.   إن أصوات العقلاء في العالم تنادي المسلمين أن يحافظوا على هويتهم وعلى نقاء عقيدتهم؛ لأنها تمثل الخلاص الحقيقي من اغتراب العالم وفقدانه لمعاني السعادة والرضا الإنسانيين والقِيم الأخلاقية والاجتماعية التي تسمو لها النفس الإنسانية.

يؤكد هذه الفكرة أحد المفكرين العرب قائلاً: “إن الإسلام لا يمكنه مضاهاة الغرب في قدرته التكنولوجية وفي علمه وقوته، ولن نقول حينئذ: لِيتخَلَّ الإسلام عن السباق، بل نقول لا يُضيِّعَن نفسه فيه.. ليحفظ ويحرث ويصقِل حصته الكبيرة مما هو إنساني. إن التألم الداخلي للغرب يتأتي من كون حداثته قد التهمت ثقافته”.  حقاً لقد التهمت الحداثة الإنسان والثقافة والحياة في الغرب، رغم تفوقه العلمي والتقني الذي لا شك فيه. إن قيمة هذه الأمة لن تقاس يوماً بعدد جوائز نوبل التي ستحصدها – رغم أهمية أن ننافس عليها أيضاً، وإنما بقدرتها على الحفاظ على الإنسانية من شرور الإنسان، وهذا هو مجال الإبداع والتفوق الحضاري للأمة المسلمة، ولا يجب أن يتفوق علينا فيه أحد.

 

عن محرر

شاهد أيضاً

فلنعد للقلب مكانه!

    – لإي أي لحظة من اللحظات الحرجة في الحياة .. يتوارى العقل خلف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]