أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

خداع الذات

d8a7d8a7d985d8afd98ad986d8a9-300x225.jpg

زيارة المدينة المنورة شرفها الله أمر يتطلع إليه الكثير من المسلمين على وجه الأرض، ولذلك سعدت عندما وجهت إلي الدعوة للمشاركة في أحد المؤتمرات العلمية منذ فترة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي اليوم الأخير للمؤتمر كنت مشاركاً في إدارة جلسة من جلسات المؤتمر ثم أغادر فوراً بعدها إلى المطار، لضيق الوقت بين نهاية الجلسة وبين موعد إقلاع الطائرة. أنهيت الجلسة وسلمت على القائمين على المؤتمر، وأشاروا إلى السيارة التي ستقلني إلى المطار ويقودها شاب يافع بسيط من أهل المدينة المنورة ولا أظنه تجاوز العقد الثاني من عمره.

جلست في السيارة، وألقيت التحية على هذا الشاب، واعتذرت له قائلاً “معذرة .. سنتعبك معنا” .. وهي كلمة مجاملة لا أكثر .. نقولها في بلادنا ولا نعني بها للأسف شيئاً في الحقيقة. ابتسم الشاب، ورد علي قائلاً: “كيف تتعبني .. أستغفر الله .. أنت من ضيوف الرحمن؟”. استوقفتني عبارته وجديته من ناحية .. وكذلك شعرت أن في نفسي شيئاً لأن هذا الشاب بدا وكأنه لا يعرف أنني كنت محاضراً في المؤتمر! قالت لي نفسي .. أنت لست فقط من ضيوف الرحمن .. بل أنت “فلان” .. تسرب إلى نفسي ذلك الشعور المريض المنتشر هذه الأيام بتضخم الذات والولع بها .. حاولت للحظة أن أعتذر لنفسي أن مرجع ذلك إلى القهر المستمر والضغوط النفسية التي نتعرض لها كل صباح في بلادنا الحبيبة، ولكن بقية من خير في النفس لم تقبل هذا التفسير كمبرر لحالة الولع بالنفس التي نقع فيها أحياناً ونراها منتشرة ــ للأسف ــ فيمن حولنا من الناس. الأمر الأخطر في تلك اللحظة بالنسبة لي والمشكلة الحقيقية أنني شعرت أن وصف “ضيف الرحمن” لم يكن كافياً .. وآسف أن هذه كانت حقيقة مشاعري لحظتها، ونبهني ذلك إلى الفارق بين الشاب الذي يريد خدمتي لأني من “ضيوف الرحمن” .. وليس لأني “فلان”، وبين ما دار بخاطري.

أحببت التأكد من مشاعر الشاب، وإتاحة الفرصة لنفسي لمعالجة الذات بالسماع لمن هو خير مني. أخبرت الشاب أنني في زيارة المدينة لحضور المؤتمر والمشاركة فيه، وهز رأسه مؤكداً انه يعرف ذلك، ويعرفني، ولكنه قال .. بما أنك في مدينة رسول الله، فأنت ضيف علينا لأنك ضيف على الرحمن. الشاب كان محقاً في رأيه أن “ضيف الرحمن” هو أشرف وصف يمكن أن يوصف به إنسان في مدينة رسول الله، وأخجلني صحة رأيه، وما حاك في صدري من ولع بالذات. مضى الشاب متحدثاً ليخبرني أنه تعلم ممن حوله من الأسرة والأقارب والمجتمع أن كل من يزور المدينة من خارجها يجب أن يلقى أحسن معاملة من أهلها لأن هذا هو واجب الضيافة الذي لا يجب أن يتخلى عنه أي إنسان من أهل المدينة المنورة. كان يتكلم ببساطة وشفافية وأحسبه كان يعني ما يقول. ثم أخبرني أن أحد العلماء قد تحدث مؤخراً في محاضرة عامة، وأوصى أهل المدينة المنورة أن يحسنوا ضيافة من يزورون المدينة، لأنهم قدموا للصلاة في أحد أشرف الأماكن على وجه الأرض، وأن هذا العالم الجليل قد أخبرهم بالصبر والصفح حتى لو صدر من هؤلاء الضيوف ما قد يسيء فعلى أهل مدينة رسول الله تجاوز ذلك والاهتمام بالضيوف على كل حال.

كان الشاب جاداً ومسترسلا ببساطة في حديثه، وأخبرني أنها “مسؤولية” أن تكون من أبناء مدينة رسول الله، لأنها محط أنظار مئات الملايين من المسلمين، وأن الكثير من الناس الفقراء والبسطاء يجمعون المال لسنوات طوال حتى يتمكن أحدهم من القدوم في رحلة شاقة لزيارة المدينة والصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فلا أقل من إحسان استقبال هؤلاء الضيوف بأفضل ما يستطيع الإنسان. سألت نفسي وأن أستمع إليه وأراقب قسمات وجهه البسيطة وهو يتحدث عن دور المواطن في أن يكون سفيراً لمدينته ولبلده ودينه: هل يعبر هذا الشاب عن الصورة النمطية التي رسمها الغرب للمسلمين كإرهابيين وغاضبين وحانقين على كل ما حولهم ومن حولهم؟ .. سألت نفسي وأنا أستمع إليه؟ هل يوجد على وجه الأرض في أي دولة غير مسلمة أهل مدينة أو ولاية أو مجتمع يعتقدون أن حسن استضافة زوار تلك المدينة هو واجب ديني يقومون به عن طيب خاطر ورغبة في إرضاء الله جل وعلا، وليس فقط تنمية السياحة أو زيادة الدخل.. إنهم يفعلون ذلك أولاً لمرضاة الله بحسن استضافة الآخرين.

سيقول البعض وهم محقون بدرجة ما .. ليس كل أهل المدينة كحال هذا الشاب وبساطته وقناعته بأهمية استضافة ضيوف الرحمن، فبعضهم قد يطغى عليه حب التجارة أو الغفلة أو الجهل أو ما شابه ذلك من أحوال. ولكن الشاب الذي رأيته أيضاً ليس نموذجاً نادراً في تلك المدينة، بل أحسب أنه يمثل قطاعاً كبيراً من أهلها. إنه يعكس عظمة المسلمين عندما يرتبطون بدينهم، وكيف يؤثر ذلك على أخلاقهم ومعاملاتهم مع الآخرين. تذكرت لحظتها قصة تروى عن أحد أعلام مصر من العلماء عندما زار المدينة المنورة منذ أعوام، وقال له أحد المستقبلين مرحباً به .. “المدينة نورت يا شيخ” فعنفه العالم بشدة على ذلك .. وقال له بعنف أن المدينة منورة دائماً برسول الله صلوات ربي وسلامه عليه. تروى القصة للدلالة على محبتنا جميعاً لرسول الله، صلوات ربي وسلامه عليه، ولا شك في ذلك، ولكنها تشير أيضاً إلى حاجتنا إلى رفق أهل المدينة وابتسامتهم التي تلاحظها بوضوح فور وصولك إلى تلك الديار.

أعود فأقول: إن تنمية السياحة أمر نتحدث عنه كثيراً في هذه الأيام لأننا في موسم السياحة السنوي، وبلادنا مليئة بالقادمين إليها من مختلف الدول العربية، فماذا نحن فاعلون، وهل سنرحب بهم إكراما للضيوف أم سنستغل وجودهم لكي نقدم أبشع صورة عن بلادنا وعن تصرفاتنا وعن أخلاقنا؟ لا أريد الإجابة عن هذا السؤال، فقد لا تكون منصفة، ولكن أليس من الممكن أن نقتدي بالشاب الذي أوصلني إلى المطار في المدينة المنورة .. بأن نكون خير سفراء لبلادنا، وأن نستحضر أفضل ما لدينا عندما نتعامل مع من يزورون بلادنا. أليس من المناسب أيضاً أن نذكر أنفسنا أن خير خلق الله صلوات الله وسلامه عليه قد “أوصى بأهل مصر خيراً” .. ألا يكون من شكر هذه النعمة أن نرحب بمن يزور مصر من المسلمين ومن غيرهم وأن نشعرهم أنهم حقا ضيوفاً كراماً على بلادنا؟

أحاول دائماً أن أتخيل “شارع المدينة” .. ذلك الشارع الذي كان يسير فيه خلق خير الله ومعه صحابته الكرام .. وأحاول أن أعقد مقارنة بين ذلك الشارع الذي كان رمزاً للفضيلة والتراحم والعفة والكرم وشيوع الخير بين الناس والعطف على الضعيف وتقدير الكبير وإكرام الضيف .. وبين “شارع اليوم” بما جعلناه نحن أقرب إلى الغابة منه إلى الطريق .. وتحدثني نفسي بعد لقائي بهذا الشاب اللطيف في المدينة النبوية أننا لابد أن نكتب أكثر بكثير عن “شارع المدينة” .. وأن نحاول ما أمكننا أن نقتدي بمن شرفوا البشرية بسيرهم وجهادهم وجهدهم في “شارع المدينة” وأن نقتدي أيضاً بهذا الشاب الذي كان خير سفير لدينه ولامته ولمدينته، وأدعو له بالخير والتوفيق، ولنا بأن نحذو حذوه في معاملة ضيوف بلادنا.

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]