أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

هذا عارض ممطرنا!

rain24-hours-300x185.jpg

يروي لنا التاريخ والكتب السماوية قصة أمة قوية معتزة بغطرستها تساءلت ذات يوم “من أشد منّـا قوة” فسلط الله عليها ما هو أشد منها قوة، وأقدر عليها، وهو الريح العقيم. تلك الأمة المتغطرسة شاهدت السحب تتجمع في ذلك الماضي السحيق فقال حكماؤها: “فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا” .. النظرة المادية المحضة مع الإعجاب الأحمق بالقوة الذاتية جعلت هؤلاء الحكماء يغفلون عن سنن الله تعالى في الكون، وأنه جل وعلا قادر قاهر جبار، ونالوا جزاء الغرور والجهل بسنن الله.

يمضي التاريخ ونشهد حدثا مماثلا يشير إلى احتمال تكرر المأساة .. تنقل وسائل الإعلام ما يمكن أن يصفه البعض أنه عقاب إلهي جديد لمن يفاخرون اليوم أيضاً ويتساءلون في زهو أحمق مرة أخرى “من أشد منا قوة؟”. إن أمريكا تعلن في الأيام الماضية أن من حقها أن تقتل المدنيين في أفغانستان والعراق دون أن تعتذر، وأن تقوم بعمليات عسكرية داخل باكستان دون إذن من تلك الدولة، ودون أن تقدير لأي قانون دولي أو معايير أخلاقية أو حقوق إنسانية .. تخرج الطائرات الأمريكية لتقتل من أبناء الشعب الباكستاني من تقتل دون إذن ودون حق ودون رحمة ودون خلق .. وتدعي أمريكا أنها مرة أخرى “الحرب على الإرهاب” .. منتهى الغطرسة والاحتقار للآخرين .. وسوء قراءة لكل الرسائل الإلهية التي تحذر من عبث الحمقى من الأقوياء بضعفاء العالم.

ما الذي ينتظر أمريكا مع قدوم إعصار “أيك”! .. أخشى على الضعفاء فيها من عقاب الله للمتكبرين .. ومن عدم إدراكنا للرسائل الإلهية لنا لكي نتعظ. يظن الكثير من الناس أن “أيك” مجرد عاصفة كالعواصف التي مرت على الولايات المتحدة هذا العام .. جوستاف وهانا .. هكذا كانت أسماء تلك الأعاصير، وهكذا تتعامل أمريكا مع العواصف .. على أنها مجرد رياح تحمل أمطاراً .. ولكن الأمطار تحمل أحيانا في طياتها عقاب أليم. ليس لمثلي أن يقطع يقينا أن الله تعالى يعاقب أمريكا على ما تفعله بالعالم، ولكني أتذكر أن خير خلق الله كان يفزع عندما تتجمع السحب وتشتد الرياح لعلمه صلوات ربي وسلامه عليه أن الرياح والأمطار من جند الخالق جل وعلا، وأنها قد تنذر بالعذاب، وقد توقع بالغافلين، والله غالب على أمره.

لفت نظري عدة مفارقات .. “أيك” تسبب حتى الآن في إغلاق 96% من مصافي البترول في الساحل الجنوبي الأمريكي، وسيتسبب في تهجير 11 مليون إنسان في خلال 48 ساعة، وهي فترة الإنذار التي أعطتها الهيئات الأمريكية لإدارة الكوارث، وهي بالتأكيد غير كافية لرحيل 11 مليون إنسان عن بيوتهم وترك ممتلكاتهم تحت رحمة رياح سلطها عليهم القاهر الجبار جل وعلا. لفت نظري أن أمريكا تحارب العالم أجمع من أجل السيطرة على منابع النفط أو مسارات أنابيب نفط العالم وطرق نقله، ولكنها تعجز عن حماية 96% من مصافي الجنوب الأمريكي، وهي بالمناسبة أكبر تجمع لمصافي البترول في الولايات المتحدة.

لقد أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية أن الشركات النفطية العاملة في خليج المكسيك أوقفت إنتاجها في المنطقة طوال الفترة الماضية بسبب وصول إعصار جوستاف، فما بالك بإعصار “أيك”. وقالت وزارة الموارد المعدنية الأمريكية إنه “تم إجلاء الموظفين من 518 منصة إنتاج، إي 72.3 في المائة من أصل 717 منصة بها عمال في خليج المكسيك”. وأضافت الوزارة “كما يقدر توقف إنتاج الغاز الطبيعي في الخليج بنسبة حوالي 82 في المائة”. ويؤمن خليج المكسيك 26 في المائة من إجمالي إنتاج النفط الخام في الولايات المتحدة، وهي المستهلك الأول للنفط عالميا، كما تنتج المنطقة 11 في المائة من الغاز الطبيعي في البلاد. العجز ليس فقط في القدرة على حماية المصافي، ولكن في الفشل أيضاً في حماية البشر كما حدث عند إعصار كاترينا، وهي تواجه اليوم إعصاراً أكبر وأشد قسوة وأقوى تأثيراً.

أمريكا التي تسببت في تهجير ملايين المسلمين في أفغانستان والعراق وفلسطين أيضاً تعجز اليوم عن حماية 11 مليون إنسان يقعون في مسار إعصار “أيك”، ولا تملك إلا أن تخبرهم ببساطة .. من لا يغادر المنطقة .. سيواجه “موت محقق” .. إنه تهجير قسري عاجل ولا يعلم إلا الله كيف سينتهي هذا الأمر بمن سيغادروا منازلهم وهل سيعودون أبدا لها، أو سيجدونها مرة أخرى .. هذه هي الحدود الحقيقية للقوة الأمريكية التي تباهي بها وتتحدى بها العالم، وتمارس بها أيضاً الغطرسة على شعوب مغلوبة على أمرها.

أعود لأتذكر ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: “اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به” قالت: وإذا غميت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سرى عنه، فعرفت ذلك في وجهه، قالت عائشة: فسألته، فقال: “لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: “فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا”.

لم تكن عاد أمة ضعيفة .. وأمريكا اليوم ليست دولة ضعيفة من نواحي القوة المادية .. ولكنها لا تتقي الله .. أتذكر ما قاله الله تعالى على لسان نبيه هود إلى قومه .. قوم عاد “إذ قال لهم أخوهم هود: ألا تتقون”. وصفهم النبي الكريم ووصف معالم قوتهم وكأني بها وصف لأمريكا في عالم اليوم .. ألم ينقل القرآن لنا على لسانه هذا الوصف المفصل .. “أتبنون بكل ريع آية تعبثون .. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون .. وإذا بطشتم بطشتم جبارين .. فاتقوا الله و أطيعون .. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون .. أمدكم بأنعام وبنين، وجنات وعيون» .. لم تكن عاد أمة ضعيفة .. بل كانت قوتها وعقاب الخالق لها هي الدرس الذي تعلمته البشرية عندما تتحول القوة إلى غطرسة واحتقار للآخر .. “أما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق، وقالوا من أشد منا قوة” .. لم تكن عاد ضعيفة ولكنها كانت حمقاء .. “ألم تر كيف فعل ربك بعاد .. إرم ذات العماد .. التي لم يخلق مثلها في البلاد”.

أنظر إلى ما يصيب هيوستن وأجزاء من تكساس التي أتت للعالم بجورج بوش وسياساته الحمقاء وأعود لأقرأ وأتذكر قوله جل وعلا “بل هو ما استعجلتم به .. ريح فيها عذاب اليم .. تدمر كل شيء بأمر ربها .. فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم .. كذلك نجزى القوم المجرمين” آيات محملة بالرهبة من عقاب الخالق عندما يعبث المخلوقين .. “فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم” .. قف عند هذه الآية الكريمة .. وأنظر إلى أخبار هذه الأيام التي تنقلها كل وسائل الإعلام .. وكأنها نفس الآيات تأتي في صور عملية تحملها كل وسائل الإعلام للبشرية لعلهم يتفكرون!

لا نستطيع أن نقطع بحكمة الخالق في هذا العقاب، أو حتى في أن نصفه بالعقاب، ولكننا بحاجة إلى عقد المقارنة لنتعظ ونتوقف عن تعظيم تلك الكيانات الهشة التي تدعي القدرة على توجيه عالم اليوم لمجرد أنها تمتلك قوة مادية أو مدنية ولكنها تحتقر الأديان، وتمتهن الشعوب، وتسرق الثروات، وتغتصب الحقوق. المقارنة للعظة وليس للقطع بالعقاب أو بمآل الأمور، ونحن نتذكر ما فعلته أمريكا بعالمنا المسلم والعربي بدعوى الانتقام لأحداث سبتمبر التي تتزامن ذكراها مع “أيك” .. ولكن لن يكون ممكناً للأمريكيين من المتكبرين هذه المرة أن يتهموا المسلمين بأنهم سبب ذلك الإعصار القاتل والهادر .. إلا أن أقروا أن دعاء المسلم المظلوم سهم من سهام الحق ليس بينها وبين الخالق حجاب .. ولن يفعلوا، ولن يكون مقنعاً أيضاً أن يشيرون إلى “قوى الطبيعة” وكأنها مصادفة أو عبث .. وتعالى الخالق الذي أخبرنا أنه قد خلق كل شيء بقدر.

قد يكون هناك من الشعب الأمريكي ضحايا لغطرسة الإدارة الأمريكية كما يعاني العديد من شعوب العالم، ولكنه ثمن أن يختار الشعب بإرادته الحرة من يسيئون إلى البشرية جمعاء، وليس فقط للنموذج الأمريكي أو للولايات المتحدة الأمريكية. ولعل أمريكا تدفع اليوم ثمن اختيار خاطيء، وفكر فاسد، تسبب في معاناة العالم أجمع.

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]