أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

إسرائيل وجورجيا

d8b3d984d8a7d8ad.jpg

 

 

عندما أقدم الكيان الصهيوني على اجتياح لبنان في الماضي القريب، وقفت أمريكا بجانبه قائلة أن من حق ذلك الكيان أن يجتاح أراضي الدول المجاورة من أجل أن يحمي مصالحه الخاصة والقومية.  أما اليوم فإن روسيا أصبحت مجرمة لأنها فعلت نفس الفعلة، ولكن هذه المرة بدون رضا أمريكا أو موافقتها.  العلاقة بين الكيان الصهيوني وبين جورجيا لا تتوقف عند هذه المقارنة، وأعجب أن الإعلام العربي لا يتحدث عن الدعم الصهيوني الكبير والدائم لجورجيا، وأثر ذلك على توازن منطقة القوقاز.

إن جيش الدفاع للكيان الصهيوني البغيض يرسل بعشرات الخبراء العسكريين إلى جورجيا منذ سنوات، وهناك العديد من وزراء جورجيا ممن تعلموا في الجامعات الصهيونية، وتخرجوا منها، بل ومنهم العديد ممن ترجع أصولهم إلى اليهودية، ومن معتنقيها أيضا، ويوجد في جورجيا حالياً أكثر من 80 ألف يهودي جورجي.  أليس من اللافت للنظر أن وزير الدفاع الجورجي دافيت كيزراشفيلي كان مواطناً يحمل الهوية الإسرائيلية، ويتحدث العبرية بطلاقة، وساهم بدور كبير في أن يقوم جيش الدفاع في الكيان الصهيوني بتزويد جورجيا بمعدات عسكرية متقدمة من بينها الطائرات التي تعمل بدون طيار، وغيرها من الأسلحة المتقدمة.  روسيا بالطبع لا تقبل أن تكون هذه الأسلحة في دولة من دول الجوار لها، ويتم استيرادها من خارج مناطق النفوذ الروسي، وبالتالي من الممكن أن تشكل خطراً على أطماع روسيا في استعادة دورها الإقليمي بل والدولي أيضاًَ.  لست هنا في معرض الدفاع عما فعلته روسيا من اعتداء على دولة ذات سيادة، فهذا مما لا يقبله أي مهتم بالعلاقات الدولية، ولكنني أود أن أوضح في هذا المقال طبيعة العلاقة بين ذلك الكيان الصهيوني وبين جورجيا، وهو ما لم تهتم الصحف العربية ببيانه حتى الآن، ولا ادري ما سبب ذلك؟

العلاقة بين جورجيا وبين الكيان الصهيوني ليست تجارية أو عسكرية فقط، ففي المجال الاقتصادي، يذكر السفير السابق لجورجيا في الكيان الصهيوني أن الاستثمارات الإسرائيلية في جورجيا في مجال العقارات والشركات تتجاوز المليار دولار، وأن الحرب الأخيرة ستؤثر سلباً بالتأكيد على  تلك الاستثمارات.  ومن المهم كذلك أن نوضح أن للعلاقة أبعاداً فكرية وفلسفية أيضاً.  إن كلا الدولتين ينظران إلى أنفسهما على أنهما “مزروعتان” في وسط جغرافي وفكري غير مرحب بهما، وعندما سئل الرئيس الجورجي عن قدوته الفكرية .. ذكر دافيد بن جوريون الرئيس الأول للكيان الصهيوني، وفي زيارة لوفد من الكيان الصهيوني مؤخراً إلى العاصمة الجورجية تبليسي، ذكر الرئيس الجورجي في معرض الترحيب بهم ما نصه: “إن ما يؤذي إسرائيل يسبب لنا أذى في جورجيا”  ثم أقسم قائلاً: “إن المكان الوحيد في هذا العالم الذي أشعر فيه وكأني في بلدي هو إسرائيل”

وعندما أعلن رئيس وزراء الكيان الصهيوني في الآونة الأخيرة وقف تزويد جورجيا بالسلاح حتى لا يغضب ذلك روسيا، قام مسئولون من الجانبين بنفي حدوث ذلك، بما فيهم موظفين في خارجية الكيان الصهيوني نفسه.  ويرى المراقبون أن هدف الكيان الصهيوني من إعلانه وقف إمداد جورجيا بالسلاح هو إيقاف مشروع روسي يهدف إلى الرد على ذلك بإمداد إيران وسوريا بأسلحة روسية متقدمة مضادة للطائرات انتقاماً من تصرفات الكيان الصهيوني في منطقة نفوذ روسيا.  وتتفهم روسيا هذه الخدعة فقد قال أحد قياداتها العسكرية مؤخراً: “إن باب وزير الدفاع الجورجي كان دائماً مفتوحاً للإسرائيليين الذين قدموا لبلده أنظمة تسلح صنعت في إسرائيل، وكانت تلك الصفقات تتم بسرعة وسهولة بسبب التدخل الشخصي للوزير”.

اللعبة العسكرية والاستراتيجية متشابكة ويصعب إخفاء علاماتها. فلا يغيب عن قادة روسيا العسكريين مثلاً أن الشركة الإسرائيلية التي تزود جورجيا بخبرات دفاعية حالياً هي شركة “درع الدفاع” Defense Shield والتي يرأسها الجنرال جال هيرش، وقد كان قائدا للفرقة 91 من قيادة الجيش الصهيوني الشمالية، والتي شاركت في الاعتداء على لبنان في الحرب الأخيرة، وكان هذا الجنرال من أوائل القادة العسكريين الذين قدموا استقالاتهم بعد تلك الحرب مباشرة، وقبل أن يصدر التقرير الداخلي للكيان الصهيوني والذي اتهم الجيش بالتقصير في تلك الحرب على لبنان.

ولذلك قامت القوات الجوية الروسية في يوم الأحد 17 أغسطس بقصف قاعدة  عسكرية جورجية تحديداً لأنه من المعروف أن هذه القاعدة هي القاعدة الجوية التي يقوم فيها خبراء جيش الدفاع الصهيوني عبر شركة إسرائيلية تسمى إلبيت Elbit  بتعديل وتطوير الطائرات الجورجية.  وكانت هذه الضربة الجوية رسالة مباشرة إلى الكيان الصهيوني أن روسيا على علم بالدور الذي يقوم به خبراء الكيان الصهيوني في جورجيا.  يحاول الكيان الصهيوني أن يستخدم تزويد جورجيا بالسلاح كأداة ضغط لمنع روسيا من دعم إيران وسوريا عسكرياً.  وقد ذكر هذا الدور وحاجة الكيان الصهيوني له المحلل العسكري زيفي ماجين، وقد عمل ملحقاً عسكرياً للكيان الصهيوني في كل من أوكرانيا، وروسيا ويشغل حالياً منصب رئيس مركز الدراسات اليوروأسيوية في هيرتزيليا، فيقول إن بيع السلاح إلى جورجيا “حسن من موقفنا وقدرتنا على الضغط على روسيا لأننا نستطيع أن نقول لهم الآن أنكم إذا قمتم ببيع أسلحة هجومية هنا (الشرق الأوسط)، فإننا نستطيع أن نفعل نفس الشيء هناك (جورجيا)”.

لقد قام الكيان الصهيوني بتزويد جورجيا خلال العقد الماضي بما تتراوح قيمته من 300 إلى 500 مليون دولار من المعدات العسكرية، ولكن هذا الكيان يسعى في نفس الوقت ألا يفقد علاقته الإستراتيجية بروسيا من ناحية، ولكنه أيضاً يسعى بشكل غير مباشر إلى إعاقة عودة روسيا إلى لعب دور سياسي دولي بارز لأن هذا لا يخدم مصالح الكيان الصهيوني الذي يستفيد بشكل أكثر من الأحادية القطبية للولايات المتحدة الأمريكية.  كما أن هناك أمور أخرى اقتصادية وإستراتيجية لا تقل أهمية عن الدعم العسكري لجورجيا، وهي تلك الأمور المتعلقة بإمدادات النفط في المنطقة.

إن أحد الأمور التي لم يتم الحديث عنها أو دراستها بشكل كاف حول الأزمة الروسية الجورجية هو ما يتعلق بخط أنابيب يجري حالياً مده من بحر قزوين إلى البحر الأبيض المتوسط، وهو خط يمر عبر أذربيجان إلى جورجيا ثم مرورا بتركيا إلى  البحر المتوسط.  قيمة هذا الخط من خطوط أنابيب النفط أنه الخط الوحيد الذي يربط نفط آسيا بأوربا دون المرور على روسيا أو إيران، وبالتالي فإن الأهمية الإستراتيجية لهذا الخط بالنسبة لإسرائيل أهمية حيوية للغاية، فهي تتوقع أن تتلقى احتياجاتها من النفط والغاز عبر هذا الخط.  ويعتقد العديد من المراقبين أن روسيا حاولت بتدخلها الأخير في جورجيا التأثير على مشروع خط الأنابيب هذا، وأن الكيان الصهيوني يدعم جورجيا بما يستطيع من أجل حماية المصالح الإستراتيجية الصهيونية في وجود خط أنابيب يخدم احتياجات الكيان دون المرور على الدول غير الصديقة له.

من المهم لنا في العالم العربي والإسلامي أن نتفهم تشابك العلاقات الدولية والأدوار المختلفة التي يمكن أن تلعبها الدول لحماية مصالحها السياسية والاقتصادية والإستراتيجية.  وقد تكون روسيا قد أخطأت بالاعتداء على دولة ذات سيادة، ولكننا يمكن أن نقول “لم نأمر بها ولم تسؤنا أيضا” فليس من مصلحة أمتنا أن يمتد التأثير الصهيوني إلى بلدان مثل جورجيا، أو أن يتم تحجيم عودة روسيا إلى لعب دور دولي مؤثر على الساحة العالمية.  الأهم من كل ذلك أن يلعب إعلامنا الدور المطلوب منه في التوعية بالأبعاد المختلفة لتلك الصراعات الدولية وكيف يمكننا فهمها في العالم العربي، والاستفادة منها أيضاً، وليس بالضرورة الحكم على أطراف تلك الصراعات.

عن محرر

شاهد أيضاً

ما يحدث فى العراق !

– هل ما يحدث بالعراق يتم بمواققة ضمنية من الكل .. لتنشأ دولة كردية .. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]