أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

الحياد الزائف

eee.jpg

 

 

 

 

للفيلسوف الغربي المعروف دانتي عبارة تساهم في تفسير كثير مما تمر به الأمة من أزمات ومشكلات على المستويات الفردية والجماعية. يقول دانتي ” إن أشد الأماكن حرارة في جهنم قد حجزت للذين يقفون على الحياد وقت الأزمات”. وقد لا تكون العبارة صحيحة من وجهة نظر دينية أو عقدية، ولكن المعنى المهم هنا هو خطورة إدعاء أو التزام الحياد وقت الأزمات من قبل الأطراف التي من شأنها ومن مهامها أن تساهم في حل هذه الأزمات.

تذكرت عبارة دانتي، وأنا أقرأ منذ أيام مقالاً أقرت فيه علناً وزيرة خارجية الكيان الصهيوني تسيبي ليفني المرشحة لخلافة ايهود أولمرت في رئاسة الوزراء، بأنها كانت تعمل في صفوف جهاز الاستخبارات “الموساد”، وقالت لإذاعة جيش ذلك الكيان  «خدمت أربع سنوات في الموساد. وتابعت دورات تدريبية وتوليت مهمات في الخارج».  تساءلت في نفسي عن ردة الفعل العربية والإسلامية لهذا التصريح بين من يؤمنون بفكرة الحوار والتفاوض مع أمثال هذه المرأة.  إنها تعترف أنها قامت بمهام لصالح الموساد، وكلنا يعرف نوع المهام التي يمكن أن يقوم بها الموساد ومن المستهدف غالباً من شعوب العالم بهذه العمليات.  إن الموساد لا يقوم بعمليات خارجية ضد أوربا أو أمريكا، وإنما يتركز عمله ضد أبناء فلسطين وقادة مقاومة الاحتلال في عالمنا العربي والمسلم، وهي تقول أنها قامت بمهام خارجية لصالح هذا الجهاز البغيض.  فكيف بالله عليكم يمكن أن نكون محايدين عندما نتعامل مع هذه المرأة الملطخة يديها بدماء أبناء أمتنا!  أليس من العجيب أن نرى أن من قادتنا من لا يهتم لذلك بدعوى الحياد!

كم من المصائب التي حلت بمجتمعاتنا العربية والمسلمة، و كان من الممكن التعامل معها بشكل إيجابي وفعال إذا تحركت الأمة بقواها وسياسيها وقادتها وشعوبها، وتخلت عن مواقف الحياد الزائف؟ كم من المظلومين في حياتنا اليومية  يمكن أن ننتصر لهم، ونرفع عنهم القهر والظلم إذا تحركنا من أجلهم، وتركنا الحياد أو اللامبالاة أو الشعور أن الأمر لا يعنينا! هل أصبحنا حقاً أصفاراً كما يريد خصوم الأمة لنا أن نكون.  إن عالمنا العربي والمسلم بحاجة ماسة إلى أصحاب المواقف وحملة الرايات، وليس فقط إلى الأصفار التي مهما زاد عددها لا يزيد مجموعها عن الصفر.

الكثير منا عندما يزورون الغرب يعجبون للعدد الكبير من جمعيات حماية حقوق الحيوان، وجمعيات حماية البيئة، ومؤسسات النفع العام الكثيرة والمتعددة. ونتندر فيما بيننا دائما عمن يتبرعون بثرواتهم للقطط والكلاب ولحماية الطيور والطبيعة وغير ذلك. وقد يكون هناك ما يبرر هذا التندر والتفكه، ولكن الواقع أيضا يشهد أن هؤلاء الأشخاص لم يلتزموا الحياد والتجاهل تجاه تلك القضايا التي تبدو للبعض تافهة، وهي ليست كذلك في نظرهم.

قد نعترض على بعض تصرفات الغربيين وسلوكهم في المجالات العملية والاجتماعية، ولكنني ــ حقيقة ــ أكبر فيهم وأقدر لهم الجرأة في التعبير عن الرأي، والرغبة في اتخاذ الموقف الذي يعتقدونه صحيحا. يلفت نظري دائما عند زيارتي لعواصم الغرب مشهد وقوف رجل واحد أو نفر قليل وهم يحملون اللافتات المعبرة عن موقف ما أمام مؤسسة حكومية أو مرفق عام للتعبير عن رأيهم دون أن يتوقعوا بالتأكيد أن هذه التظاهرة البسيطة يمكن أن تتسبب في التغيير المباشر، ولكنهم ــ في الغالب ــ يعتقدون أن إظهار الموقف هو جزء من اتخاذ الموقف، وجزء أساس من شعور الإنسان بقيمته ودوره في الحياة.

هل فقدنا نحن بسبب ما تمر به شعوبنا من ظروف ومشكلات الرغبة أو القدرة على التخلي عن ذلك الحياد الزائف وقت الأزمات. بالتأكيد سيخرج منا من يقول أن القهر في بلادنا هو الذي حرمنا من حقوق التعبير عن الرأي، ومن القدرة على إظهار المواقف. وقد يكون ذلك صحيحا، ولكننا أيضا قدمنا لمن يظلمنا شعوباً سهلة الهضم! والأغرب والأعجب أن يتحول قبول القهر إلى درجة الدفاع عنه. إننا في بعض الأحيان نتمادى في الحياد إلى الدرجة التي تنقلب إلى تأييد من نبغض ونكره فقط لأننا فقدنا الرغبة  أو الشجاعة أو المبادرة لاتخاذ الموقف الصحيح.

وليس أدل على ذلك من مشاهد الموت المتكرر كل صباح في وسائل إعلامنا المقروءة والمرئية، ومع ذلك نصافح من يقومون بهذا القتل ونجلس معهم على موائد الحوار والتفاوض، ونسميهم أيضاً “أصدقاء” و”حلفاء”. هل يعقل أن الاحتلال الذي لم يبق عائلة في فلسطين إلا وأهانها أو سرق مالها أو قتل أحد أبنائها، أو اغتصب حقا من حقوقها، هل يعقل أن نستقبلهم بالابتسامات والقبلات أيضاً، وتنقل قنوات التلفاز العالمية مشاهد المصافحات الحميمة والاهتمام الكبير بكل ما يمكن أن يؤذي مشاعر هؤلاء القتلة. حتى بعد أن تقول واحدة منهم أنها عملت بالاستخبارات، وقامت بعمليات لابد أن تكون ضد شعوبنا وقادتنا، لا زلنا نرحب بها ونمد لها أيادي المصافحة والتقدير.  لا يمكن أو يعقل أن يكون من يفعلون ذلك هم من أعداء الأمة أو من خصومها فهم منا ومن أبناء شعوبنا، ولكنهم يدعون حياداً لا يليق ولا يجوز في هذه المرحلة الحرجة من واقع أمتنا.  حتى لو كان من بين قادتنا من يمكن أن يتهم بمعاداة الأمة، فلم يكن من الممكن لهم أن يعبروا عن هذه المشاعر الدافئة تجاه أعداء وخصوم شعوبنا بهذه الدرجة من العلانية لولا أن باقي الشعوب قد اختار الصمت والحياد.

الأمر ليس في دولة واحدة فقط، وليس فقط مع وزيرة خارجية الكيان البغيض، فقد بدأنا نراه متكرراً في عدد من العواصم العربية والمسلمة، ويكفي أن نعود لننظر إلى صور زيارة الرئيس الأمريكي إلى المنطقة العربية خلال الأشهر الماضية لنرى مقدار المذلة والهوان الذي تمت ممارسته باسم الحياد، ولكننا لم نمتعض بالدرجة الكافية لإيقاف هذه السخرية بأمتنا.

إننا كشعوب قد تم تدريبنا على الحياد الزائف والخطر والقاتل أيضاً. وللأسف الشديد أننا قبلنا ذلك الحياد، وبدأنا في الخطوة التالية وهي تبرير الحياد، ومنا من تفوق أيضا إلى درجة تقنين الحياد. أتذكر عبارة لجبران خليل جبران يقول فيها: “ويل لأمه عاقلها أبكم وقويها أعمى”!  إن قبول الحياد في وقت الأزمات وتبريره أحياناً، ومحاولة تقنينه أحياناً أخرى يحول مجموع الأمة إلى كيان أبكم أعمى عاجز في مواجهة الأزمات الطاحنة التي نمر بها، وقد يشير إلى أننا نحن ــ بالتأكيد ــ قد أصبحنا شعوباً سهلة الهضم، ولذلك فلا عجب أن أشد أماكن الدنيا فساداً وحرارة وقهراً وعذاباً قد حجزت لنا.

 

عن محرر

شاهد أيضاً

سلسلة مقالات الثورة (16) د. باسم خفاجي 70 نصيحة عملية لثوار انتفاضة الشباب المسلم

70 نصيحة عملية لثوار انتفاضة الشباب المسلم قرر شباب من أحرار هذا الوطن أن ينتصروا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]