أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

خواطر من مكة المكرمة (1)

52004477dsfsdf.jpg

 

واحد من ألف

أتأمل في تقاطر الحجيج إلى المسجد الحرام في كل صلاة .. عشرات الآلاف من المسلمين يملأون شوارع مكة وأزقتها المحيطة بالحرم .. لكي تصل إلى الحرم تحتاج إلى أكثر من ساعة قبل الصلاة، وإلا صليت في الشوارع والأرصفة والمحال المحيطة بالحرم .. كنت أسأل نفسي .. هل ندرك نحن .. السائرون إلى الحرم في هذه الصلوات .. أن الله سبحانه وتعالى قد أنعم علينا بنعمة لم يعطها إلا لواحد من كل ألف من المسلمين في هذا العام.  

إن الحجيج من كل أقطار العالم لن يزيدوا عن مليون ونصف المليون من الحجاج من خارج المملكة العربية السعودية، بل هم أقل من ذلك، والمسلمون أكثر من مليار ونصف المليار.  كل حاج من حجاج هذا العام حصل على نعمة الوصول إلى مكة وإلى المشاعر، وهي نعمة لم يحصل عليها 999 إنسان مسلم في مقابل كل حاج.  إن من يحظون بنعمة الحج لهذا العام هم يمثلون نسبة الواحد في الألف من هذه الأمة، وواحد من كل 4000 إنسان على وجه الأرض .. أي أن 3999 إنسان لم يحصلوا على شرف الإسلام وحصلت عليه أنت، و999 لم يحصلوا على شرف أن يشاركوا في حج هذا العام، وحصلت عليه أنت .. فهل ندرك ذلك، وهل نوفي هذه النعمة حقها من الشكر والخضوع لمن أنعم علينا بها؟لم يكن اختيار أي منا لحج هذا العام لفضل أو شرف أو كثرة مال أو قلته .. إذا نظرت حولك في مكة في هذه الأيام التي تسبق الحج ستجد مئات الآلاف من الفقراء .. مئات الآلاف من العجائز والمسنين .. مئات الآلاف من البسطاء وحتى ممن لا يجيدون الكتابة أو القراءة .. ستلحظ عشرات الآلاف ممن لم يغادروا قراهم الصغيرة من قبل .. لم يزوروا حتى عواصم دولهم .. أو مدن بلادهم الكبرى .. ومع ذلك هم هنا الآن .. هم من حجاج بيت الله الحرام .. هم يمثلون نسبة ليست قليلة من الواحد في الألف الذي أتحدث عنه في هذا المقال. الواحد في الألف ليس شرفاً ناله أي منهم بجهده .. فنعم الله تخضع لقوانين الله وسننه، وليس لرغبات الأقوياء أو الأغنياء ولا حتى الأتقياء ..

 كم من غني مسلم لم تطأ قدمه أرض مكة المشرفة، وكم من قوي لم ينل حظ المجاهدة في الحج، وكم من تقي لم يوفقه الله بعد إلى نعمة الحج .. فهل ندرك أن تلك النعمة .. هي هبة من الله .. وأنها لم تعط لأي منا “عن علم عنده” .. أو عن “مال عنده”، أو عن صحة أو قوة أو دين .. إنها نعمة من الله تخضع فقط لقوانين الله وسننه .. ومهما بذلنا من جهد فلن نوفي هذه النعم حقها من الشكر والعرفان. الواحد من الألف ليس تشريفاً إن قطع العبد كل هذه الأسفار والمشاق، ولم يغفر له، ولم يعد بحج مبرور أو ذنب مغفور، وهنا لابد من الجهد والعبادة والذكر واستغلال الوقت، ولكن الأهم من كل ذلك .. الدعاء إلى الله الذي من على من اختارهم واحداً من الألف .. أن يتم نعمته عليهم بأن يشملهم بوعده الحق في العفو الشامل والكامل عن الخطايا والذنوب والآثام وما نعلم وما لا نعلم من الأخطاء .. أن يغفر الله تعالى لكل منهم ليعود فائزاً غانماً بإذن الله. أتمنى أن نستحضر في أنفسنا .. نحن من اختارنا الله تعالى لنكون واحداً من الألف في هذا العام عظم هذه المنحة الربانية، وأن نعمل بحقها، وأن نجتهد للفوز بتمام الوعد الرباني بها، وأن نكون سفراء لآمال وأمنيات ودعوات 999 مسلم لم يتمكنوا من أن يكونوا في الموقف الذي نحظى به في هذه الأيام .. ولكنهم حملونا أمانة الدعاء لهم، وسؤال الله جل وعلا أن يرفع من شأنهم، وأن ينصر أمتهم، وأن يرفع عنهم المظالم، وأن يقربهم إليه .. ويعيدهم إلى دينه عوداً حميداً .. وأن يشملهم برحمته وعفوه ومغفرته أيضاً. الواحد في الألف .. سفير لبلده .. يسير في شوارع مكة حاملاً الشارة التي تدل على البلد الذي قدم منه .. إنه سفير بحق لبلاده .. فهل نتذكر ذلك في أفعالنا وكلماتنا وتصرفاتنا في موسم الحج .. موسم الازدحام والتدافع وغير ذلك من المشاق. 

يفوتنا الكثير من الخير عندما تتغلب الأنانية وحب النفس على الحاج .. إنه موسم تراحم لو أدركنا حكمته الحقيقة .. فكيف نعظم شعائر الله تعالى ونحن نقسو على خير خلقه من الضعفاء والبسطاء ممن حولنا من الحجاج أو نهزأ بهم أو لا نهتم لهم أو نفكر فقط في أنفسنا وهم أخوة بحق لنا. الواحد في الألف نعمة عظيمة ومسؤولية كبيرة أيضاً .. الخير أن تنجح في قضاء المناسك على الوجه الصحيح، ولكن أبرك الخير .. وأفضل الخير أن تكون عوناً لمن حولك لكي ينجحوا أيضاً في الفوز برحمة الله ما أمكنك هذا، وأن تكون معيناً للضعفاء والبسطاء لكي يقتربوا أكثر من الإسلام لا أن يشعروا أن المسلم لا يهتم لأمر إخوانه أو كأنه ليس من ذلك الجسد الواحد الذي نسميه “الأمة”.  لقد أخبرنا خير خلق الله .. صلوات الله وسلامه عليه .. أن “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”.. والحج عبادة جماعية تظهر من خلالها معاني التراحم بين المسلمين والتعاون بينهم فيا من اختارك الله تعالى لتكون واحداً من الألف في هذا العام ..

 كن قرآنا يسير على الأرض .. وكن سفيراً لبلدك ولأمتك .. ولـ 999 مسلم اختارك الله تعالى من بينهم لتقف بين يديه يوم عرفة.. يوم يباهي الله تعالى بك ملائكته وخلقه .. ليس مهما من كنت أيها الواحد في الألف .. الأهم والمهم .. من ستكون بعد ذلك اليوم المهيب .. وكيف سيكون حالك في ذلك اليوم .. وكيف ستغير من نفسك في هذه الأيام المباركة لتقف بين يدي الله تعالى يوم عرفة، وليباهي بك ملائكته وخلقه.. أيها الواحد في الألف .. تذكر دائماً عظم المسؤولية .. وتذكر أيضاً عظم الجائزة.

عن محرر

شاهد أيضاً

لن أيأس من الكلام عن موضوع الريا

– هناك من يقولون أننا لابد أن نتأكد من أن هناك ربا .. قبل أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]