أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

خواطر من مكة المكرمة (3)

004.jpg

 

 

 

أين الكعبة

أبو سهل البخاري

نقلا عن مناسك الحج والعمرة، مجلة البيان

وأنا أسـير فـي ساحة الحرم متجهاً إلى الكعبة ، سمعت صوتا ينادي (حاجي، حاجي ! ! ! ) فالتفت فإذا بحاج قد بدت في وجهه آثار الجهد والإرهاق، كانت هيئة وملامح وجهه تدل على أنه من بلاد ما وراء النهر ،  قال لي بالأُزبكية مع حركات يديه الكثيرة محاولاً إفهامي : كم علي أن أطوف بالبيت ؟ فأجبته بالأُزبكية ، ( وهي كل ما تبقى لنا من ذكريات بلادنا المنسية): عليك أن تطوف سبعة أشواط .  فرأيت السرور داخله بمعرفتي لغته، ثم ما لبث أن قال باستعجاب: سبعة أشـواط ! وهـل تستطيعون ذلك ، لقد بلغ الجهد مني مبلغه من أول شوط حول بيت الله وأشـار إلى مبنى الحرم الخارجي ، ففهمت سبب تعجبه من كلامي ومدى ما أصابه من إرهاق ، لقد ظن هذا المسكين أن هذا المبنى هو الكعبة فشرع في الطواف حول الحرم كلـه دون تردد ، يا الله ! … لم ير البيت قبل الآن ! ! ! 

فقطع تفكيري صوته قائلاً: استعين بالله وأكمل الطواف، ثم أخذ في الانصراف ،  فوجدتـها فرصة سانحة للتعرف على ما يـدور داخل بلاد المسلمين فاستوقفـته عارضاً عليه مساعدته ، فرحب مسروراً . ذهبنا سويًّا إلى داخل الحرم وأشرت إلى الكعبة المشرفة وقلـت له: هـذا هو بيت الله، لا الذي طفت حوله قبل قليل، فما هي إلا لحظـات حتى رأيت الدمـوع تنهمر من عينيه ، وقـال : يـا الله ! … هذا هو بيت الله ، سمعت به كثـيراً …   ولم أره إلا الآن ! ! … فأسرع الخطا نحو البيت وأسرعت معه قائلاً: هذا من فضل الله عليك أن يسر لك القدوم إلى بيته وقد حُرِمَ من ذلك الكثير ،  فقال بصوت منتحب : كم سمعت أبي – رحمه الله – وهـو يـدعو ويتمنى رؤية بيت الله ولكن الشيوعيين لم يمكنوه من ذلك … فمات وفي قلبه حسرة وألم . 

لقد ذقنا يا بني الكثير مما لا أظن أن أحداً ذاق مثله ، ولكن … دعنا نطوف بالبيت أولاً ثم أقص لك شيئاً مما نلناه . وبـعد طواف رق به قلبي وذرفت عيناي مما شاهدت من عجيب انكساره بين يدي الله وبكائه وعظيم حمده لله على تمكينه من حج بيته انطـلقنا بعيداً عن الزحام وجلسنا في ناحية مستقبلين البيت العتيق ، فقال: لي ما اسمك ؟ وكيف تعلم لغتنا ؟ قلت : اسمي عبد اللطيف البخاري، هاجر والد جدي مع أهله وأبنائه في بداية المحنة، وانقطعت عنهم الأخبار فلم يبق لدينا إلا هـذه اللغة وقصصاً تروى عـن البلاد ..دعك مني الآن وأخبرني عن أحوال المسلمين هناك ؟هيا أخبرني بالتفصيل فالوقت يدركنا .. قـال : أنـتم في نعمة عظيمة لا بد لكم من شكرها ، نحن عشنا هناك مسلمين ولـسنا مسلمين ! ! ! لم يترك لنا الروس شيئاً يمت إلى الإسلام بصلة إلا وحاولوا إبادته وإنهاءه حتى أسماءنا ، هل تصدق .. ؟ والدي أسماني عبد الحكيم ولكني لا أعرف بهذا الاسم إلا في البيت..أما رسميًّا فاسمي حكيموف ! ! 

إن الروس قد فعلوا هذا بالأسماء وهي أسماء لا تـضرهم ولا تقاومهم فماذا تظن أن يفعلوا في علمائنا ومشايخنا الذين يعلموننا الـقرآن والسنـة؟ نعم لقد ضيقوا علينا جداً حتى إن شعائر الإسلام قد اندرست أو كادت . دعـني أقص عليك طريقة كان بعض علمائنا يتبعونها في تعليم الصبية كتاب الله ، كان الشيخ يصعد فوق سقف المنزل من الداخل بسلم ويصعد الطلاب خلفه ثم يرفع السلم إليه ويخبئه ويلقي الدرس بصوت خافت لكي لا يعلم أحد بهم ..وقل مثل ذلك في مخازن تحت المنزل. كان الشباب في المصانع إذا أرادوا المذاكرة ومراجعة شيءٍ من العلم اجتمع كل أربعة أو خمسة في وقت تناول الطعام ويتحدث كل واحد بما عنده دون أن يلتفت إليه الباقون لكي لا يعلم بأمرهم . 

حتى الصلاة .. التي هي عماد الدين كان الواحد يذهب ويختبئ بعيداً ويصليها سريعـة ويعود لكي يذهب الآخر فلم نعرف الجماعة منذ عهد بعيد . هكذا كان حال المهتمين والحريصين على بقاء شعائر الإسلام عند أبنائهم أما عامة الناس فحـدث ولا حرج . وماذا تستطيع أن تفعل لهم وأنت لا تأمن على نفسك وأهل بيتك ؟ آه كم أشعر بالأسى على مشايخنا وعلمائنا الذين كان لهم الفضل بعد الله على بقائنا مسلمين، نلنا ما لم يستطيعوا أن ينالوه ، بل لم نستطع أن نقدم لهم أبسط حقوق المسلم، لم نستطع أن نغسّلهم ونكفنهم كما يأمرنا ديننا فماتوا ودفنوا حسب مراسم الدفن الشيوعية حتى الصلاة عليهم لم تكن إلا سراً في جوف بيته . 

لم أتمالك نفسي فبكيت وأنا أسمع ما يقول ، حقاً إننا في نعمة من أمرنا ، هـذه النعمة جعلتنا ننسى شكرها (إلا من رحم الله) ،  يا إلهي كم نال هؤلاء القوم ليتركوا دينهم رغم ذلك وبعد هذه السنين الطويلة لا يزال هناك من يقول لا إله إلا الله محمد رسـول الله . ولا يعـبد إلا الله ، نعـم صـدق الله  ويَمْكُرُونَ ويَمْكُـرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ . كم كنت أعيش في غفلة، أشعر أنني تعلمت من هذا الشيخ الشيء الكثير، شيئاً قد لا أجده مسطراً في الكتب ، لكنه موجود في الواقع ، أشعر أن أمامي مسؤوليـة عظيمة وحملاً ثقيلاً . ولكن نعم ! من قال إن أمر هذا الدين سهل ، لقـد كـان شاقًّا حتى على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :  إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً  فهل نحن أعز على الله من نبيه ومصطفاه، حاشا وكلا، فلا بد من العمل، لا بد من العيش للآخرين ، لأن من عاش لنفسه عاش صغيراً ومات حقيراً  ؛ ومن عاش لغيره عاش عظيماً وعمّر طويلاً حتى بعد موته . ثـم ودعـته وشكرته بحرارة وانصرفت وكأن على كاهلي جبلاً عظيماً، رغم ذلك ، كنت مسروراَ سعيداً ، أفكر فيما حدث هذه الليلة وأعيد شريط الأحداث مـن بـدايته ،  وأنا أشـق جموع الحجاج بين الصفا والمروة لأخرج من الحرم فإذا بي أسمع حاجًّا روسيًّا. يقـول لشـخص بجانبه  : هاأنا ذا في الشوط السادس ولكـن أين الكعبة أريد رؤيتها ! ! !

 

عن محرر

شاهد أيضاً

لن أيأس من الكلام عن موضوع الريا

– هناك من يقولون أننا لابد أن نتأكد من أن هناك ربا .. قبل أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]