أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

هل تستحق الكتابة التضحية!

books460.jpg

 

 

 

 

أعلن كاتبٌ عربي منذ فترة اعتزالَه الكتابة وتوبتَه عن كل ما كتبه من مقالات وآراء في العديد من كتبه والمجلات التي كان يكتب فيها.  السبب الذي ذكره وقتها هو أنه قد تلقى تهديدًا بالقتل من أحد التنظيمات التي تخالف فكره ولا تقبله.  وتوقف أيضاً العديدُ من أصحاب الأقلام الجادة عن الكتابة المؤثرة بدعوى أن القبضة الأمنية لا ترحم، والأمة لا تقرأ، والكتابة لا تستحق أن يُضَحَّى من أجلها.  وفي المقابل قبِلت منذ فترة كاتبةٌ أمريكية وهي “جوديث ميلر” صاحبة كتاب “لله تسعةٌ وتسعون اسماً” أن تُحاكَم وأن يُحكَم عليها بالسجن كي لا تخبر المحكمة الأمريكية بمصدر أخبارها احتراماً لقيمة قلمها، رغم أنها كاتبة تُكِن الكثير من المشاعر السلبية لأمتنا، ولكن الإنصاف يقتضي أن نحترم رغبتها في التضحية من أجل كلماتها وقلمها، أو حتى الدخول إلى المعتقل من أجل حماية مصادرها. أثارت هذه الأمور في نفسي تساؤلات: هل الكتابة في عالمنا العربي فن أم رسالة أم وظيفة، أم أنها كل ما سبق؟ وهل حقاً تستحق الكتابة في زماننا أن يضحي الإنسان من أجلها؟ ولماذا اختفى من مجتمعاتنا الكُتَّاب الذين تحرك أقلامهم الشعوبَ، وأصبحت الكتابة -على الهامش- فناً يتنافس حول إجادته والبراعة فيه الكثيرون؟  أسئلة تؤرقني، ولا أدري إن كان لها عندي إجابة أم أنها تساؤلات ترتبط بمرحلةٍ من مراحل ضعف الأمة وتزول بعودة الأمة إلى عنفوانها.لقد ذكر الشاعر العربي سيف الرحباني مؤخراً عبارةً محزنة في حوار معه عن حال الكاتب العربي؛ فقال: “إن دور الكاتب والمثقف لا يتجاوز دور الشاهد على الجلاد وعلى المجزرة. والمشكلة أن كثيراً من المبدعين والمثقفين باتوا منخرطين في اللعبة الهمجية. فما عاد هناك مثقفون من أصحاب المواقف التي تقود المواجهة والتغيير.. كل ما أتمناه أنا الآن أن تبقي الكتابة على ضميرها النقي، وألا يتلوث الكتاب بلوثة العصر الوحشية. إلى هذا الحد تراجع حلمنا بالتغيير. إلى حد ألا ننحدر مع من ينحدرون ويسقطون. وأن نحاول أن نكون شهوداً حقيقيين وصادقين على ما يجري”. الكاتب رسولٌ يحمل قلماً وهَمَّاً ورسالة، هكذا يقول الأدباء والمفكرون. ولكن واقع اليوم يشكك في مصداقية العبارة رغم جمالها.  ابتعد الكاتب -في زماننا وفي بلادنا- عن دوائر التأثير على القرار السياسي بل والاجتماعي أيضاً.  ولكن المفارقة أن الكُتاب والمفكرين لا يزالون يتمتعون بنصيب وافر من القدرة على التأثير في المجتمعات والدول غير العربية في باقي أنحاء العالم المتحضر والنامي على حد سواء.  والسؤال الذي يشغلني هو: لماذا؟ ولماذا نحن فقط دوناً عن معظم دول العالم المعاصر؟ قد تُلام الدول العربية لقبضتها الأمنية القاسية على الفكر والقلم والكتابة، وقد تلام الشعوب أيضاً بدرجةٍ ما لعزوفها عن القراءة في زمن الفضائيات والشبكات الإليكترونية. وهناك من يلوم اللغةَ نفسها أحياناً ووسائل الإعلام أحياناً أخرى لأنها لا تتيح لهم الحد الكافي من الاطلاع والتفاعل مع العالم.  ولكن ماذا عن الكُتاب أنفسهم.. ألا يتحملون أيضاً نصيباً من الأزمة التي يعيشها القلم العربي الذي أصبح هامشياً؟ هل أصبح الكاتب العربي محني الظهر يعاني من آلام شيخوخة الفكر أم أنه تائه بين مطالب الدنيا وهموم الفكر؟  القلم العربي أصبح قلماً يحسب أكثر مما يفكر أحياناً.  هناك من يحسب العوائد المادية من الكتابة.  وهناك من يحسب التوازنات الفكرية لما يكتب حتى لا يغضب عليه أحد.  وآخرون يحسبون المردود الإعلامي للكلمات وأثر ذلك على المشروعات الشخصية والاقتصادية.  الحساب ليس أهم من الفكر عندما يتحرك القلم، ولا أظن أنه بالإمكان وضع قيمةٍ حسابية للتضحية من أجل فكرة.. أو من أجل أمة.. أو وطن. الكاتب يجب أن يحسب بلا شك، ولكنه لا ينبغي أن يجعل الحساب حكماً على الأفكار أو موجِّهاً لها، وإلا تحول الكاتب إلى “نائحةٍ مستأجَرة” يعلو عويلها كلما زاد العائد المرجو من العويل، وتتوقف الصرخات عندما تنعدم الجدوى الاقتصادية للتعبير عن الألم.  الكاتب هو ضمير الأمة، وقلمه سلاحٌ يجب أن يقبل من يحمله أن يضحي من أجل أن يستخدم هذا السلاح بكفاءةٍ لرِفعة الأمة ونهضتها. وكما أن للأمم والدول ثروات طبيعية وقومية يجب أن تُنمَّى ويحافَظ عليها، فإن للأمم أيضاً “رأسمال فكري وثقافي” يتشكل من قيمة الكُتاب والمفكرين الذين ينتمون إليها.  وللأسف فقد يبدو رأسمال الفكري العربي ضعيفاً للأسباب التي ذكرت سابقاً.  ولذا على الكتاب والمفكرين أن يساعدوا الدول على تنمية رأسمالها الثقافي من خلال الكتابة المؤثرة التي تعين الأمة على تجاوز أزماتها.  وعلى الدول في المقابل أن تحافظ على رأسمالها الفكري باستثماره وحمايته وإتاحة الفرص له للنمو والتأثير ضمن منظومة الدولة ومن خلالها حتى لا يتحول الفكر الحر إلى فكر مطارَد.. وحتى لا تتحول الكتابة المؤثرة إلى كتابةٍ سرية تحتفي عن الأعين وتعيش فقط في الظلام وخلف الأسوار.  فلا تنهض الأمم بهذا الطريق، ولننظر حولنا لمن يسابقوننا على طرق النهضة. إن الكتابة ستبقى ولن تزول في مواجهة الفضائيات والإعلام المرئي أو الشبكات الإليكترونية.. بل إن كل هذه الوسائل تعيد إحياء دور الفكر والكتابة، وتزيد من تأثيرها وقوتها أيضاً.  إن معظم ما يتوفر على شبكات الإنترنت هي مواد مكتوبة بالأصل، وهي في تزايد مستمر، ويزداد عدد قرائها باستمرار، وكذلك الحال في برامج الفضائيات.. فأكثرها يبدأ من النص المكتوب ليتحول إلى الصور المرئية والتفاعلية، وبالتالي فإن الكتابة لا تزال مؤثرة للغاية حتى في الإعلام المرئي.  فالخبر المُصوَّر يحتاج إلى نصٍّ مكتوب للتعليق عليه وشرحه، والأغنيات المصورة تعتمد على كلمات، والحوارات الصحفية تستمد قوتها من أفكارٍ مكتوبة، وتُحوَّل أيضاً إلى نصوص توضع على صفحات إليكترونية لمواقع القنوات.  وهذه الأمثلة هي جزء من الصورة الحقيقية لمستقبل الكلمة المكتوبة وأثرها على مستقبل البشرية. الكتابة وسيلة تغيير عندما نعطيها مزيجاً متوازناً من خلاصة عواطف قلوبنا وأفضل نِتاج أفكارنا وعقولنا،  لكي نعبر بذلك حقاً عن هموم الأمة وتطلعاتها.  يجب أن تعود الكتابة لتكون وسيلة للتأثير على المجتمعات العربية والإسلامية؛ فقد أقسم الخالق جل وعلا بالقلم وما يسطرون.. للتأكيد على قيمة الكلمات التي تُكتَب بقلوبٍ صادقة، وعقولٍ تسعى نحو التغيير إلى الأفضل، ونفوسٍ تقبل التضحية من أجل أن تتحول الكلمات إلى واقعٍ مُعاش. الكتابة الحقيقية لا تُقيَّم بالثمن الذي يحصل عليه الكاتب عند الانتهاء منها، وإنما تُقاس بقيمة التضحية التي يستعد هذا الكاتب لتقديمها من أجل أن تصل الكلمة إلى أسماع المخاطَبين.  الكتابة الحقيقية التي تحتاجها الأمة اليوم.. هي الكتابة المؤثرة.. وليست الكتابة الجميلة.. ومن أراد أن يكتب على الهامش لكي يضمن حياةً هادئة.. فقد يحصل على الأمرين معاً.. حياة لا طعم ولا لون لها.. وهامش واسع من اللامعنى واللاقيمة ينعم فيه بحساباتٍ مادية تُحوِّل القلمَ إلى سلاحٍ يقتل كرامة حامله.  نعم.. تستحق الكتابة أن يضحي الإنسان من أجلها.. ولن تعلو أمةٌ خان كُتابُها أمانةَ حمل القلم.

 

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]