أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

وسرق حذائي !

shose.jpg

 

ذهبت للصلاة في أحد أشهر مساجد مدينة نصر بالقاهرة، وتركت حذائي في المكان المخصص للأحذية عند المدخل، وخرجت لكي أجد أنه سرق.  طبعاً تضايقت لأن حذائي سرق، ولأني اضطررت إلى المشي في شوارع القاهرة حافي القدمين إلى أن وصلت إلى سيارتي، والنظرات تلاحقني لأني كنت أرتدي بدلة وربطة عنق وجوارب دون حذاء!  المحزن في الموضوع أن تسرق في مسجد، وكيف يجرؤ أحد على هذه الفعلة. ما ضايقني جداً لم يكن فقدان الحذاء، ولكن المحزن في الأمر أنني كنت في هذا المسجد للصلاة على أحد أموات المسلمين، وكنت أرغب أن ألحق بالجنازة أملاً في الحصول على الأجر، ومواساة أهل الميت رحمه الله، وألهم ذويه الصبر، ولكنني بالطبع لم أستطع أن أشارك في الخير، وسامح الله من كان سبباً في ذلك.جلست أفكر في مسألة السرقة من المساجد، وفي مسألة سرقة الأحذية، وفي حال بلادنا.  الأحذية المسروقة لا تباع في الغالب، وبالتالي فإن من سرق حذائي سرقه لكي يلبسه، أي أنه لم يسرق لأنه يمر بضائقة مالية مثلاً، ويحتاج إلى حذاء.  الذي سرق هذا الحذاء، وأي حذاء، هو في الغالب سرقه لكي ينتعله، وليس لكي يسد به حاجة أو فقر أو ضرورة.  أنا لا أبرر فكرة السرقة، ولكني أشير إلى هدفها هنا. الأمر الآخر هو أن يتجرأ الإنسان للسرقة من داخل المسجد.  السارق في الغالب كان يصلي معنا في نفس الصلاة، وكنا نصلي بعدها صلاة الجنازة على أحد أموات المسلمين.  كيف يمكن ألا تكون المساجد وبيوت الله وأداء الصلاة رادعة للإنسان عن فعل الشرور.  ما قيمة الصلاة التي لا تنهى المصلي عن الفحشاء والمنكر والظلم؟  وكيف يتجرأ من كان يصلي منذ دقائق، أو من دخل بيت من بيوت الله، أن تمتد يده لتسرق من داخل هذه الأماكن الطاهرة. سمعت الكثير من النصائح ممن سرقت أحذيتهم في المساجد.  هناك من يأتي معه بكيس لكي يضع الحذاء بداخل الكيس، وأمامه أو جانبه وهو يصلي، وهناك من يأتي للمسجد بحذاء غير مرغوب فيه، وهناك من يقترح أن توضع كل فردة من الحذاء في مكان بعيد عن الأخرى، حتى يتعذر على سارق المستقبل أن يجمع الحذاء الذي تفرق داخل المسجد!  هناك قدر عجيب من التسليم أن الظاهرة موجودة، وفقط علينا نحن ــ معشر المصلين ــ أن نجعل من احتمال سرقة حذاء أي منا صعب، وليس أن نواجه الظاهرة، ونصلح من شأن مجتمعنا. المسجد الذي سرق فيه حذائي ليس في منطقة تعاني من الفقر أو الحاجة، بل هي من مناطق مصر الراقية نسبياً.  المصلون هم من نسيج المجتمع المصري بفئاته المتعددة والمتباينة، ولكني لا أستطيع أن أتخيل أن أحد من وقفوا معي في الصلاة هو سارق أحذية من المساجد!  الفقر لا يحول البشر إلى لصوص، ولكن الطمع وقلة الخوف من الله تعالى هو من يجعل من مصلٍ أو زائر لبيت الله سارق حذاء. السرقة داء ومرض ومشكلة تستشري في المجتمعات عندما تغيب الجنة عن عيون المسلمين، وعندما تغيب الأخلاق عن أذهان بني الإنسان، وعندما يصبح حق الآخرين مشاع بسبب الجرأة على القانون.  لقد أجريت تجربة عالمية أجرتها مجلة ريدرز دايجست في صيف عام 2007م عن أكثر الشعوب أمانة في العالم.  كانت التجربة تتمثل في اختيار 30 هاتف محمول من المستوى المتوسط، وليس الغالي، وإلقاء نفس العدد في مجموعة من شوارع 32 مدينة من مدن العالم التي تم اختيارها لهذه التجربة، ثم قياس كم من هذه الهواتف سيتم استعادته بعد الاتصال بالهاتف للتحدث مع من وجد الجهاز. بعد انتهاء التجربة، أعلن أن أهل مدينة لوليجانا، عاصمة سلوفانيا، كانوا أكثر أهل مدن العالم أمانة، فقد تمت استعادة 29 هاتف من أصل 30 هاتف تم إلقاؤها في شوارع المدينة.  أما المدينة الثانية، فكانت تورنتو في كندا، وتم استعادة 28 هاتفاً، وأما المدينة الثالثة فكانت سيول، عاصمة كوريا، وتم استعادة 27 هاتفاً.  وكانت مدينة كوالالمبور، عاصمة ماليزيا، وهي دولة مسلمة، ضمن المدن التي أجريت في التجربة، ولكنها احتلت ذيل القائمة مع هونج كونج في المركز قبل الأخير، وتم فيها استعادة 13 هاتفاً فقط من أصل 30 هاتف. سألت نفسي كم ستكون النتيجة لو حدثت التجربة في شوارع القاهرة، ونحن من نتحدث دائماً عن تمسكنا بالدين، وأننا شعوب الأمانة والشهامة والمروءة والأخلاق، وأن أمتنا هي أفضل أمم الأرض، وأننا كما نقول بالعامية “أحسن ناس .. وبلدنا أم الدنيا”.  ماذا حدث للأمانة في بلادنا؟ ألم يحن الوقت لكي نواجه أنفسنا، ونقسو قليلاً عليها من أجل صلاحها وصلاح مجتمعاتنا؟ عندما يسرق البعض أغطية البالوعات، وحنفيات المساجد، والأحذية من المصلين، فإنهم يسببون الأذى للجميع، وللمجتمع كذلك.  هنالك من يمتنعون عن الذهاب إلى المساجد لأنهم قد فقدوا فيها حذاء، والمحزن أن هناك من يوصي الناس بعدم لبس أي حذاء جديد أو غالي عند الذهاب إلى المساجد، رغم أن الله تبارك وتعالى أوصانا بغير ذلك عندما قال: “يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد”. ما هون علي إحساس الظلم والغيظ هو مقال قرأته في العيد الماضي في صحيفة مصرية حول اللواء «محسن النعماني»، وهو محافظ مدينة سوهاج المصرية، والذي لبي دعوة القيادات الأمنية بالمحافظة إلي مأدبة إفطار رمضاني في مبني مديرية الأمن، وتوجه المحافظ ومضيفوه بعد الإفطار لأداء صلاة المغرب، ليكتشف بعد انتهاء الصلاة اختفاء حذائه،مما أثار حالة من الارتباك، وظل المحافظ واقفًا بلا حذاء، حتى أحضر أحد أفراد الأمن حذاءً بديلاً من استراحة المحافظ. المساواة الاجتماعية في سرقة الأحذية من المساجد تهون الإحساس بالظلم قليلاً، ولكنها أيضاً تؤكد أننا لابد أن نستعيد معاني الفضيلة التي حث عليها ديننا، وليس فقط المظاهر أو اللباس، أو حتى أداء الشعائر.  المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده .. كلمات مضيئة لخير خلق الله، وهي موجهة لنا جميعاً وكذلك لمن يظلم المسلمين أو يعتدي على حقوقهم في مجتمعاتنا، وأيضا إلى من تتجرأ أيديهم لتسرق أحذية المسلمين في بيوت الله.

 

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]