أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

يوم ولدت علاقتي بإسرائيل

ELS_9746.jpg

سألوني في أمريكا ذات يوم منذ سنوات عن رأيي في إسرائيل. كان سؤالاً واضحاً ومباشراً وصريحاً. سألني أحدهم: “هل تكره إسرائيل؟” راوغت في الإجابة قائلاً: “أنا من محبي السلام”. أعادوا السؤال .. وأعدت محاولة الهروب من الإجابة على هذا السؤال. كان واضحاً لحظتها أنني لا أحب إسرائيل.

تذكرت يومها الأغنية التي اشتهرت في مصر، حول كراهية إسرائيل، وأظن مطلعها كان “أنا باكره إسرائيل”، وتذكرت كيف أن السفارة الأمريكية تحركت لرصد هذه الظاهرة، وأظهرت امتعاضها من الفن الذي يهاجم إسرائيل .. فحتى في الفن لابد أن نراعي مشاعر إسرائيل .. حتى لو كان فناً شعبياً محلياً يقدمه مكوجي سابق .. وفنان سياسي معاصر .. المهم ألا يتحدث أحد بالسوء عن إسرائيل.

ولذلك أردت أن أكتب اليوم في هذا المقال اعترافي بالحقيقة، وبالجريمة الشنعاء .. أنا أيضاً أكره إسرائيل. لم يحدث ذلك مؤخراً .. وليس نتيجة لتفاعلي مع الأغنية التي سبق ذكرها، ولكني أود أن أخبرك – عزيزي القارئ- أنني صاحب تاريخ في قصة الكراهية، رغم أنني لم أهتم ببيانها من قبل للآخرين. إنني أكره ذلك الكيان منذ كنت صغيراً، ولذلك أسباب شخصية سأذكرها في هذا المقال. وأحمل إسرائيل مسئولية عدد من المشكلات التي عانيت منها في حياتي، منذ كنت طفلاً يلعب في طرقات مدينة من مدن أرض الكنانة، إلى أن جاء يوم ولدت فيه علاقتي بذلك الكيان.

كان عمري يومها خمسة أعوام. كنت طفلاً يعيش في مدينة من مدن مصر .. تسمى بورسعيد. يومها لم أكن أعرف شيئاً عن الإرهاب .. أو عن العالم، ولم أكن أعرف شيئاً عن إسرائيل. وذات يوم أخبرني والدي أن العرب سيدخلون حرباً مع كيان يسمى إسرائيل. ولم أعرف حينها ما هي إسرائيل .. ولم أعرف ما معنى الحرب، ولا أسباب أن تتبادل الدول العداء. وقتها كانت بورسعيد أقرب المدن إلى فلسطين .. وهي ركن مصر الشمالي الشرقي، وهي أيضاً ميناء حيوي، ومدخل لقناة السويس. ولذلك كان من المتوقع أن تكون هدفاً لهجمات إسرائيل.

بدأنا نتعلم كيف نختبئ في الملاجئ خوفاً من قصف إسرائيل. تعلمنا كيف نطفئ أنوار منازلنا حتى لا تصبح هدفاً لقذائف إسرائيل. تعلمنا كيف نسير بمحاذاة الحائط حتى لا تصيبنا الطلقات الطائشة من رشاشات الطائرات التي تهاجم مدينتنا من إسرائيل. تعلمنا كيف نبتعد عن أية لعبة نجدها في الطريق، فإسرائيل ترسل ألغاماً وقنابل في شكل لعب أطفال تلقي بها الطائرات لكي تقتل أطفال بورسعيد.

وبدأت الحرب لكي تنتهي قبل أن تبدأ .. كانت نكسة 1967. ورأيت – كطفل يومها – لأول مرة الدبابات تجوب شوارع مدينتنا، ورأيت الصواريخ. رأيت منازل تهدم بعد القصف، وقبور تفتح لتؤوي من كانوا بالأمس من الأحياء .. واصطادتهم رصاصات إسرائيل. رأيت شبح الموت في عيون البسطاء، وعلامات الرعب في وجوه الرجال قبل النساء، وكنت حينها طفلاً ينتظر الصيف لكي يلعب، لا ليتعرف على إسرائيل.
وقصفت مدينتنا ذات يوم .. لا أنساه ما حييت.. رأيت لأول مرة طائرة سوداء مخيفة تهاجم أحياء مدينتنا، وتلقي بقذائف الموت على الآمنين. لم يخبرني يومها أحد عن دعم أمريكا لإسرائيل. لم أعرف أن هذه الطائرة السوداء المخيفة هي طائرة الفانتوم التي كانت أحدث طائرات السلاح الجوي الأمريكي التي أهديت إلى إسرائيل كي تقتل بها أبناء بلادي .. وتنزع البراءة من صدور أطفال مدينتي .. ونتعلم منها دروس الخوف من الغد، والفزع من النظر إلى أعلى .. إلى السماء.

خرجت ذلك اليوم إلى شرفة منزلنا لأشاهد مدينتي تحت النيران. منزلنا كان بيتاً صغيراً .. له شرفة واسعة .. لا زلت أذكرها، فقد كنت أمضي فيها ساعات. لم أكن أعرف حقاً يومها معنى الخوف .. أو معنى الحفاظ على الحياة. تجاهلت أوامر والدي أن أبقى داخل المنزل، وألا أخرج إلى الشرفة عندما تطلق صفارات الإنذار.

كنت أتطلع إلى السماء بحثاً عن مصدر ذلك الصوت الغريب الذي يئن فوق سماء مدينتي .. وفجأة لمحت ذلك الشيء الضخم قادماً بسرعة شديدة من السماء .. ظننته يهوي مسرعاً نحوي .. ويصاحبه أزيز شديد صم أذناي .. كانت الطائرة تناور على ارتفاع منخفض بشدة، وشعرت أن هذا الشيء .. هذه الطائرة توشك أن تخترق صدري .. ولم أدر ما حدث لي لحظتها .. ولكنني أفقت بعد قليل.
وجدت نفسي ملتصقاً التصاقاً شديداً بالحائط، وأنا مختبئ تحت سرير في منزلنا، في أبعد غرفة بالمنزل عن الشرفة التي كنت بها منذ قليل .. عندما كنت طفلاً يلهو بالبحث عن الطائرات في سماء بورسعيد.
أفقت لحظتها .. وشعرت أنه قد زرع في نفسي شيء جديد. ولد داخلي مزيج غامض من الخجل والغضب والخوف. شعرت بالخجل من نفسي وأنا ملتصق بحائط ومختبئ تحت سرير. فرغم أنني كنت طفلاً في الخامسة من عمره، إلا أن الاختفاء تحت السرير خوفاً .. لم يكن شيئاً يحبه أو يقبله حتى الطفل الصغير.

خرجت يومها حذراً من تحت السرير .. أخشى أن يعود صوت الأزيز .. أو أن أرى هذه الطائرة من جديد. خرجت وأنا أحمل هماً لم يفارقني منذ تلك اللحظة .. خرجت وأنا أحمل كراهية شديدة للخوف، ولتلك اللحظة، ولمن تسبب فيها. وقررت أن أعرف المزيد عن الحرب .. وعن الموت .. وعن إسرائيل. كرهت كل هذه العبارات .. وكرهت الكيان الذي تسبب في معرفتي بهذه المفردات. ولم أستطع أن أفهم لحظتها لم تريد دولة أن تقتل الأطفال. ولماذا يريدون أن يكرههم الأطفال. وبقيت عاجزاً عن إيجاد إجابة مقنعة لهذا السؤال حتى هذا اليوم.

تكون في نفسي منذ تلك اللحظة غضب عارم من هذا الكيان المسمى إسرائيل. شعرت من يومها أن هذا الكيان هو الوحيد المسئول عن لحظة الضعف التي مرت بي وأنا طفل صغير. ولا أظن أن هذه المشاعر مرتبطة بكوني مسلماً أو من أرض مصر أو عربياً أو ما شابه ذلك مما يقوله الإعلام الغربي اليوم عن أسباب كراهيتنا لإسرائيل.
فهل لو كنت يومها طفلاً أمريكياً تعرض لنفس التجربة، لكبرت وأنا أحمل حباً لإسرائيل؟! لو كنت من دولة أخرى .. هل كنت سأهتم بمصالح هذا الكيان المقيت، أم أن أبادله العداء ما دام لا يقبل بمبادئ السلام مع أمتي ومع شعبي ومع أطفال بلادي، بل يقتل منهم المزيد.

وكبرت الكراهية مع مرور الأيام. ولم أساهم في ذلك، بل قامت بكل الجهد إسرائيل. ذات يوم عاد أبي من خارج المنزل ليخبرنا أننا لابد أن نعد أنفسنا للرحيل.. فالمدينة لم تعد آمنة، واتخذت الدولة قراراً بتفريغها من المدنيين. أخبرنا أبي أن المنزل يمكن أن يقصف في أي لحظة .. ولابد إذن من الرحيل.
 

جمعنا ذكرياتنا .. وأمتعتنا .. وغادرنا منزلنا .. وتركنا خلفنا طفولتنا، ولم نعد بعدها أبداً للعيش في هذا المنزل، فقد تهدم بسبب قذائف إسرائيل. ركبنا في شاحنة تحمل همومنا وأمتعتنا، وتركنا خلفنا ذكريات مدينة جميلة أفسدتها وهدمتها إسرائيل. بحثنا عن مدينة جديدة لنبدأ فيها من جديد .. كنا نعامل كاللاجئين .. وأمضيت السنوات الخمس التالية من عمري أعامل في وطني كغريب.
كانوا يسموننا “الـمهجّرين”، أي الذين تم تهجيرهم من ديارهم، وكان ذلك كافياً لأن نعامل كغرباء. كان أهل المدينة الجديدة يعاملوننا على أننا سبب كل مشاكل المجتمع، ووراء كل مصيبة. فإذا ارتفعت أسعار السلع في المدينة، كان ذلك بسبب المهجرين، وإن قل السكن، أو اختل الأمن فإنه بسبب المهجرين. حتى عندما كنا نلعب كأطفال كانوا ينادوننا بالمهجرين. وكنت أحمل إسرائيل مسؤولية ذلك .. فما أبشع كلمة “مهجرين” وما أبشع الدولة التي تسمي نفسها إسرائيل.

وجاءت حرب 1973، وقصفت منطقتنا من جديد. كنا نسكن بجوار مطار عسكري، ولذلك كانت منطقتنا مستهدفة. وتكررت مشاعر الخوف، وكبرت مساحة الكراهية في نفسي، فاليوم يختلف عن الأمس .. أنا اليوم أدرك سبب الحرب، وأعرف معنى الموت، وأعرف أيضاً ماذا فعلت إسرائيل.
ومضت سنوات لم يسمحوا لنا فيها بالعودة إلى مدينتنا، وعندما سمحوا لنا بالعودة، كان منزلنا قد آل إلى السقوط بسبب قصف إسرائيل. لم يكن لنا مكان نعيش فيه، واضطرت أسرتنا إلى أن تعيش في كبائن مؤقتة للمصطافين – لا يسكنها أهل المدينة – لمدة عامين. لم يكن لنا منزل في مدينتنا .. وكنت يومها شاباً صغيراً. وكانت إسرائيل سبب ذلك أيضاً، فكيف لا أكره إسرائيل؟
كنت طفلاً صغيراً تعلم الخوف وعرف معنى الموت والكراهية على يد إسرائيل .. وعشت غريباً في وطني أعامل كمواطن من الدرجة الثانية بسبب إسرائيل، وشاباً صغيراً يعيش كلاجئ بلا منزل في مدينته .. أيضاً بسبب إسرائيل. كيف لا يكره من كان مثلي إسرائيل؟
عدت لأتذكر اليوم الأول في علاقتي بهذا الكيان .. يوم كنت طفلاً يلهو في شوارع مدينة بورسعيد. كان ذلك اليوم مهماً في حياتي. فهكذا تكون أيام الميلاد .. أيام لا تنسى من ذاكرة الإنسان .. مهما طال عمره أو شغلته مشاغل الحياة.. فقد كان ذلك اليوم … هو يوم ميلاد كراهيتي لإسرائيل.

 

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]