أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

دعوة إلى فهم الغرب

Th_Gipfel_G8_001_Fuehrer_Flaggen1.jpg

 

 تساهم العلاقة مع الغرب، وخصوصًا مع أو في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية في الأعوام الأخيرة بشكل رئيس في تشكيل مستقبل المنطقة العربية، وتؤثر على صياغة العقل العربي على المستوى الثقافي والاجتماعي، من خلال الإعلام والضغط السياسي والفكري والاقتصادي أيضًا. ومع ذلك فإن الجهود المبذولة لفهم الغرب لا تزال قليلة وغير كافية ومتناثرة في عالمنا العربي والمسلم.  إن دراسة وفهم واقع الغرب ليس ترفًا فكريًّا، وإنما ضرورة ملحة تزداد الحاجة إليها يومًا بعد يوم، إضافة إلى أنها تمثل تطورًا طبيعيًّا للتواصل بين الشعوب في ظل التقنيات الحديثة ووسائل الإعلام الإلكترونية، وقنوات التلفاز الفضائية التي أصبحت عابرة للحدود والقوميات والثقافات والقارات أيضًا. وقد اهتم المسلمون منذ بداية الدعوة بمعرفة الغرب، وأحواله وصفات أهله وواقعهم، فهذه كتب السُّنَّة تروي عن المستورد القرشي ــ رضي الله عنه، عن عمرو بن العاص ــ رضي الله تعالى عنه، أنه قال: «سمعت رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس»، فقال له عمرو: أَبْصِر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فقال عمرو: لئن قلتَ ذلك؛ إن فيهم لخصالاً أربع: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كَرَّة بعد فَرَّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسةٌ حسنةٌ جميلةٌ وأَمْنَعُهُم من ظلم الملوك». أخرجه الإمام مسلم. ويتضح من كلام الصحابي الكريم حرصه على معرفة أحوال الروم، وسبب وجود دولتهم، وعوامل استقرارها الاجتماعي، وهو ما نحتاج إليه في هذا الزمان ؛ اقتداء بفعل خير القرون، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.إن استمرار الجهل بالواقع الداخلي لهذه الثقافة الأمريكية، التي تسعى إلى تصدير منتجاتها الفكرية والإعلامية المؤثرة لكل العالم، والانعزال عن فهم خلفياتها الفكرية والعقدية، قد سبَّبا تخبطًا عمليًّا في عالمنا العربي والإسلامي في أسلوب التعامل مع المجتمع الأمريكي، والانتقال الحادّ بين موقفين كلاهما غير نافع للأمة، وهما إما الدعوة إلى الانعزال غير الواقعي، والرفض الكامل لكل ما جاء به الغرب، أو الانكفاء التام في مستنقع التبعية والتقليد وفقدان الثقة في الذات، وتصوُّر أن الطريق الوحيد لنجاة الأمة هو في فقدان هويتها مقابل قبول كل ما جاء به الغرب من فكر وثقافة وأسلوب حياة. ومن اللافت للنظر كذلك أن عدم معرفة أو فهم واقع الغرب الداخلي بوضوح ودقة، قد أصبح مرضًا يعصف بمجموع العالم الإسلامي، ولم ينجُ منه الكثير من مثقفي ومفكري الأمة، سواء من تيار الوسط الذي يمثل أغلبيتها، أو بين أصحاب التيارات الانعزالية، أو حتى أصحاب تيار التقليد والاقتداء بالغرب في كل مناحي الحياة. إن تجاوز الأزمة الحالية في فهم الغرب يستلزم العديد من الدراسات، التي تهدف إلى التعريف بالواقع الداخلي لهذا الغرب، ومحاولة فهمه فهمًا صحيحًا قبل تحديد آليات ووسائل التعامل معه فكريًّا وحضاريًّا ودعويًّا أيضًا. إن معرفة النظرة العامة للشعوب تجاه القضايا والأحداث تُعين على فهم السياسات الخارجية التي تنطلق من دول تلك الشعوب، وقد ذكر الباحث الأمريكي روبرت كيجان في كتابه «عن الفردوس والقوة» ما يؤكد ذلك عندما قال: «يفضل الأمريكيون عمومًا اعتماد سياسات القسر بدلاً من الإقناع، مُغَلِّبين العقوبات الزاجرة على أشكال الإغواء بسلوك أفضل، ومرجحين كفة العصا الغليظة على كفة الجزرة. ويميل الأمريكيون إلى توخي الحسم النهائي في الشئون الدولية : يريدون رؤية المشكلات محلولة، ومنابع التهديد مجففة. وبالطبع فإن الأمريكيين يتسارع تحولهم نحو تبني النزعة الأحادية في الشئون الدولية. إنهم أقـل ميلاً إلى العمل عبر المؤسسات الدولية الشبيهة بالأمم المتحدة، وأقل استعدادًا للعمل بالتعاون مع الدول الأخرى لتحقيق أهداف مشتركة، وأكثر ارتيابًا من القانون الدولي، وأكثر استعدادًا للتحرك خارج شباك هذا القانون، عندما يجدون ذلك ضروريًّا، أو حتى مفيدًا وحسب». ورغم أهمية معرفة واقع الشعوب من الداخل، من النواحي الاجتماعية والاقتصادية، فلا ينفي هذا أو يتعارض مع أهمية إدراك الدور الذي تقوم به النُّخَب السياسية الحاكمة، أيضًا، في توجيه السياسات الداخلية والخارجية للدول. ويذكر أحد المفكرين العرب ما يؤكد هذا المعنى قائلاً : «إن الشعوب ليست هي التي تتخذ القرارات، ولكنها النخب السياسية الحاكمة. وهذه النخب، بحكم مصادر القوة المتعددة التي تمتلكها، تسمح لها باتخاذ قرارات في السلم والحرب، مضادّة تمامًا لمصالح شعوبها؛ تحقيقًا لمصالحها الطبقية، أو للمصلحة الاستراتيجية للدولة كما تتبلور في إدراك هذه النخبة في لحظة تاريخيةٍ ما، وقد يكون هذا سوء إدراك، وليس إدراكًا موضوعيًّا لتوازن القوى في لحظةٍ ما… ولو نظرنا مليًّا إلى حالة الولايات المتحدة الأمريكية لوجدنا الإدارات الأمريكية المختلفة، جمهورية كانت أو ديمقراطية، في مجال السياسة الداخلية تخضع لتأثير جماعات الضغط وجماعات المصالح، وتُصدر تشريعات لمصلحة الأقلية من كبار رجال الأعمال، الذين يمثلون الشركات العملاقة، مما من شأنه أن يضر ضررًا بليغًا بمصالح الجماهير العريضة.. ولو ولينا وجهنا إلى القرارات في مجال الحرب لوجدنا أن الإدارة الأمريكية سبق أن اتخذت قرارًا خطيرًا أدى إلى تورط الولايات المتحدة في حرب فيتنام، بزعم مكافحة الشيوعية والحدّ من توسعها، مما أدى في النهاية إلى ثورة الجماهير الأمريكية ضد الحرب، بعد ما تساقط الآلاف من الجنود الأمريكيين، وظهرت الهزيمة الأمريكية الساحقة في الحرب للعيان… أين كانت الجماهير المتعلمة الأمريكية حين اتُّخِذَ قرار الحرب ؟» يؤكد كل ما سبق حاجتنا الماسّة إلى دراسة الغرب، والولايات المتحدة تحديدًا ؛ بهدف فهم جميع القوى المؤثرة على قراراتها السياسية المتعلقة بأمتنا، وأفكارها ومدّها الثقافي، الذي يحاول التأثير على مجتمعاتنا وهويتنا، وكذلك اقتصادها الذي يسعى للسيطرة والنهب، واستغلال موارد العالم أجمع. وبدون فهمٍ صحيح ومتجدد لواقع الغرب، لن نُجيد التعامل معه، ولن نُحسن فهم أسباب تراجعه الوشيكة، أو كيف يمكن الاستفادة من ذلك التراجع. إننا في عالم تحاول أمريكا بأشكال متعددة إفسادَه من ناحية، وتأخير إدراكه لتراجعها من ناحية أخرى. ولنتتبع تسلسل المنطق لهذه الخطة، كما عبَّر عنه المفكر فيجاي براشاد، لنرى مدى عمق تورط الولايات المتحدة في إفساد العالم، ومدى تدخُّل العوامل الداخلية الاجتماعية والاقتصادية بالقرارات الدولية الخارجية، التي تحاول أمريكا فرضها على العالم. يقول فيجاي براشاد: «يمول دافعو الضرائب الأمريكيون الجيش، ثم يفوِّض البنتاجون مقاولين لبيع أسلحة للعراق في الثمانينيات، وبعد ذلك توحي سفيرة بوش، بمساندة من البنتاجون، إلى صدام أن لديه ضوءًا أخضر لغزو الكويت، ثم يهاجم بوش العراق، وتوجد حالة حرب مستمرة، وبعد ذلك يموِّل دافعُ الضرائب المسكين، مرة أخرى، حرب الخليج، ونشر القوات الهائل الذي ما فتئ يخلق اختناقًا في الجزيرة العربية ومحيطها. وتضطر الكويت للاستجابة لهذا بأن تمنح جائزة الطاقة، ليس لدافع الضرائب الأمريكي، بل للشركات الخاصة غير القومية. وبعدها يتحمل دافعو الضرائب نفقات الحرب، وتجني الشركات الخاصة الأرباح».

سياسة الإفساد الدولي هذه ليست جديدة، وإنما كانت دائمًا جزءًا مكوِّنًا ورئيسًا من السياسات الأمريكية نحو العالم. فقبيل حرب كوريا في عام 1950م، أبرز التقرير الذي حدَّد الخط السياسي للولايات المتحدة الأمريكية هذه النية في الإفساد، من خلال المذكـرة السياسية لمجلس الأمن القومي (68 NSC)، المحرَّرة من قِبل بول نيتز، والذي خلف أحد أهم الشخصيات السياسية في الحياة الأمريكية وهو جورج كينان الذي ترأس إدارة الدولة لفريق التخطيط. وقد استُبعد جورج كينان هذا ؛ لأنه عُدَّ شغوفًا أكثر مما يجب بالسلطة ؛ ولأنه قد كتب في عام 1948م: «نحن نملك حوالي 50% من ثروة العالم، غير أننا نمثل 6.3% من سكانه فقط.. وفي مثل هذا الوضع، لا يمكن تجنب أن نكون هدفًا للضغينة والغيرة. فمهمتنا الحقيقية، في الفترة القادمة، هي تطوير نظام للعلاقات يسمح لنا بالحفاظ على هذه المكانة، دون تعريض أمننا القومي للخطر. ولتحقيق هذا ؛ علينا أن نتخلص من أيّ عاطفة، وأن نَكُفّ عن الحلم، وأن نبقى متيقظين. ويتعين أن يكون كل تركيزنا مُنْصَبًّا على أهدافنا القومية المباشرة والفورية، وألا يصيبنا الغرور. ولا يمكن أن نسمح لأنفسنا اليوم باتباع رفاهية حب الغير والخير على الصعيد العالمي. وينبغي أن نتوقف عن الحديث عن أهداف كبيرة غير محددة، فيما يخص الشرق الأقصى، فهو غير قابل للتنفيذ، وكذلك حقوق الإنسان، ورفع مستوى المعيشة، وإرساء الديمقراطية. ولن يكون بعيدًا اليوم الذي سيكون علينا فيه استخدام القوة».

ومع كل ما سبق، فإن محاولات الإفساد والتدخل في شئون العالم، والسعي إلى نهبه، والسيطرة عليه، لم تؤدِّ في مجموعها إلا إلى انتقال تدريجي بطيء نحو تراجع القدرة على السيطرة خارجيًّا، وبروز معالم الانهيار الاجتماعي الداخلي تدريجيًّا أيضًا، ثم ظهور ضعف الآلة العسكرية الهائلة عن تحقيق انتصارات إستراتجية، رغم التفوق العسكري، وأخيرًا تحول الاقتصاد الأمريكي من اقتصاد مستقل قوي يقود العالم إلى اقتصاد استهلاكي تابع يستغل العالم من أجل الموارد، ويحتاجه أيضًا من أجل أن يبيع له ما ينتجه، وقد اجتمعت كل هذه الدلائل والمؤشرات معًا ؛ لتشير إلى حالة من التراجع الدائم للقوة الأمريكية في عالم الغد.

 

عن محرر

شاهد أيضاً

فلنعد للقلب مكانه!

    – لإي أي لحظة من اللحظات الحرجة في الحياة .. يتوارى العقل خلف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]