أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

أخلاقيات منتصف الليل !

bald_eagle_head_and_american_flag1-300x225.jpg

يظن البعض أن الحضارة الغربية تعاني مؤخراً من تردي للأخلاق والقيم بشكل لافت للنظر خصوصاً مع تقنين بعض مظاهر الفاحشة سواء في مجالات تناول المخدرات أو العلاقات الشاذة أو المحرمة. ولكن الواقع أن مظاهر التراجع في الغرب الأوربي وفي المجتمع الأمريكي بشكل واضح أيضاً قد بدأت في الظهور على المستوى الاجتماعي والأخلاقي والفكري مبكرًا ، وقبل ظهور التراجع الاقتصادي والعسكري الحالي بفترات طويلة .
لقد بدأ التردي الأخلاقي والاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عقود طويلة ، ومن المهم أن نتفهم أثر ذلك التردي ليس فقط على النظم الاجتماعية الغربية وإنما أيضاً على السياسات الخارجية والدولية، وعلاقة ذلك بالعالم العربي والإسلامي . لقد ذكر داعية حقوق الإنسان الأمريكي الشهير مارتن لوثر كينج العبارة التالية، التي تلخص واقع الولايات المتحدة الأمريكية، الذي بدأ في التدهور الأخلاقي منذ عقود طويلة، عندما تحدث عن «أخلاقيات منتصف الليل »، كما أسماها في عام 1963م (أي منذ أكثر من 45 عاماً) قائلاً: «إن منتصف الليل هي الساعة التي يسعى فيها رجال أمريكا بهمة إلى العمل بالوصية الحادية عشرة (محاكيا الوصايا العشر لمكارم الأخلاق في صحف نبي الله موسى) .. وهي «لن تُضْبَط متلبسًا» . إن الخطيئة الكبرى – وفق أخلاقيات منتصف الليل – هي أن تُضبط متلبسًا، وفي المقابل فإن الفضيلة العظمى هي الإفلات. الكذب مستباح، إلا أن عليك أن تكذب بلباقة وحرفية .. لقد حلت فلسفة البقاء للأكثر دهاءً محل مفهوم داروين عن البقاء للأصلح . وقد عملت هذه العقلية على انهيار المعايير الأخلاقية ، وازدياد عمق الانحلال الأخلاقي».
إن الأحداث التي مرت بها أمريكا خلال السنوات الماضية أظهرت الخلل الكبير والكارثي الذي يمر به المجتمع الأمريكي. ويعبِّر عن ذلك أحد الكتاب الأمريكيين قائلاً: «هناك جميع أنواع المساومات التي يتباحث حولها الأغنياء، أو ذوو النفوذ في أي مجتمع مع الفقراء .. من خلال الخبز أو السيرك أو الصدقة، أو الوعد بأن الجميع سينجون. الصفقة هي: لا تسبِّبوا لنا أية مشاكل، وسنعتني بكم. ولكن تنهار الإمبراطوريات عندما يصبح العرض خاويًا، وكأنه يقول: لن نعتني بكم، أو: لا نستطيع أن نعتني بكم .. أو: نحن لم نعد بحاجة لكم، ولم نعُدْ نخشاكم، وقد بلغنا هذه النقطة هنا». إنها عبارة قاسية وتظهر مدى دقتها عندما نتأمل كيف أن المشرع الأمريكي سارع ببساطة إلى تأمين أكثر من 800 مليار دولار لإنقاذ الأسواق المالية Wall Street دون أي تباطؤ، ولكن نفس هذا المشرع الآن يتلكأ ويجادل ويتملص أو يحاول أن يتملص من تأمين نفس هذا المبلغ لإنقاذ الشارع الأمريكي Main Street بأكمله، والذي يوشك على الانهيار الفعلي
هناك من يرى أن الولايات المتحدة قد انقسمت فعليًّا إلى أمريكيتين: الأولى هي بلد العالم الأول الذي يرفل في ثوب الرفاهية، أما البلد الثانية فإنها تلك التي تنتمي إلى العالم الثالث؛ حيث المعاناة من شظف العيش والأوضاع المُزْرِية التي تتوارى عن أعين وأقلام الصحفيين . وتبقى الحقيقة أن غضّ الطرف عن الواقع لا يعني مطلقًا أنه غير موجود، وإهمال المشكلة ليس مرادفًا لحلها، كما يرى أحد المفكرين.
لقد اكتشف كثير من المفكرين في الولايات المتحدة الأمريكية في الأعوام الأخيرة، وعقب الكثير من الحوادث والكوارث الطبيعية، مدى هشاشة وضعف البنية الاجتماعية الأمريكية، وهو ما يعيق بقوة أيّ مشروع حضاري حقيقي تدِّعي الولايات المتحدة زعامته. يعبر فيليب كينيكوت – وهو ناقد ثقافي في الواشنطن بوست – عن حقيقة تلك المأساة قائلاً: « إن الكوارث لا تعلمنا أبدًا أيّ شيء جديد، بل هي مجرد دروس قديمة يتم تقليبها. إننا ضعفاء .. وعالمنا هو اتفاق أو تسوية مبرمة مع قوة يمكنها أن تمزقه من وقت لآخر. تكشف الكارثة عن الطبيعة البشرية، ولذلك فإنها غالبًا ما تُظْهر الصالح والطالح في الطبيعة البشرية التي تكون مستورة».
وقد تنبأ العديد من المفكرين الغربيين بزوال الحضارة الغربية، وأرجعوا ذلك في المقام الأول لأمور مرتبطة بالواقع الداخلي الأمريكي والغربي، وليس لقوًى خارجية أو هزائم عسكرية، رغم وجود هذه العوامل أيضًا. ومن بين هؤلاء المفكر الأمريكي الجمهوري المحافظ «بات بيوكانن»، والذي كتب كتابًا أسماه «موت الغرب» ، ذكر فيه مؤشرات مهمة لبداية النهاية في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب بشكل عام، وأرجعها إلى انخفاض معدلات المواليد، وذوبان العائلة، واندثارها كوحدة اجتماعية، وعزوف النساء عن الحياة الطبيعية التقليدية؛ مثل: الزواج، وإنجاب الأطفال ورعايتهم، وعزوف الشباب عن مؤسسة الزواج وشيوع الجنس، والشذوذ، والحماية القانونية لهذه النَّزَعَات غير السوية.
هناك أيضًا من ينتمي إلى مدرسة الديمقراطيين الليبراليين ، ولكنه يرى نفس المستقبل من ناحية التراجع الأمريكي ، ومثال ذلك المفكر الأمريكي «بول كنيدي» الذي قدَّم في كتابه، صعود وهبوط الدول الكبرى، تحليلاً علميًّا تاريخيًّا لتكوُّن الإمبراطورية، وتنبأ بانهيار الإمبريالية الأمريكية بفعل الامتداد الجغرافي المفرط بمناطق سيطرتها، وعجز الموارد الاقتصادية الأمريكية عن سدّ متطلبات حماية هذه الإمبراطورية.
أما مانويل فارلشتاين، الباحث في جامعة ييل الأمريكية، ومؤلف كتاب «نهاية العالم كما نعرفه: السلام الأمريكي انتهى»، فيقول في مقال له كتب العام الماضي: « إن توجهات الصقور المحافظين الأمريكيين الراهنة؛ لفرض الهيمنة الأمريكية بالقوة، ستفشل لأسباب عسكرية واقتصادية وأيديولوجية، فأمريكا لن تستطيع تحمل الخسائر البشرية والمادية الباهظة لأدوارها العسكرية» ، ويضيف : « السؤال الآن هو: هل تخبو الولايات المتحدة بهدوء، أم سيقاوم المحافظون الأمريكيون ذلك، ويحوِّلون الانحدار التدريجي إلى سقوط خطر وسريع؟» الفارق في نظر الكاتب هو في سرعة الانحدار وليس في احتمال حدوثه!
كما يعتقد المفكر موريس بيرمان في كتابه «غروب الثقافة الأمريكية» أن موارد أمريكا الثقافية مُجْهَدَة، أو تم استهلاكها، وما هذا الازدهار للوحدة الثقافية في أعقاب الحادي عشر من‏ سبتمبر إلا شهقة النفس الأخيرة، ربما شهقة مجتمع مستنفَد يتشظى تشظيًّا متسارعًا، على حد قوله. فما موقفنا من كل ذلك؟ هل نستمر في محاولة تقليد المرضى، واتباع طريقهم الذي لم يؤدي إلا إلى الكوارث الحقيقية اقتصادياً واجتماعياً وقيمياً.
إن من يتأمل انتشار الإعلام الهابط في حياتنا والكم الضخم من قنوات الأغاني، وقنوات الخلاعة، وقنوات الأفلام الأمريكية والأوربية التي تعرض دون ضابط أو رقيب، ليعجب كيف وصلنا إلى هذه المرحلة من تقليد المرضى، رغم اعترافهم بأنفسهم، وبشهادات العديد من مفكريهم أنهم يتحركون نحو الهاوية.
ألم يحن أوان أن نقدم للعالم خياراً حقيقياً بديلاً للسعادة والرضى والطمأنينة التي تكمن في اتباع الله، والقبول بدور القيم في الحفاظ على المجتمعات؟ ألم يحن أوان أن نقدم مشروعاً متكاملاً للعالم، وليس فقط أن ننادي أن الإسلام هو الحل .. أو أن النصر من نصيب أمتنا .. أو أننا نحن خير الأمم؟ ألم يحن أوان الكثير من العمل والقليل من الكلام؟ أظن أن الفرصة مواتية لهذه الانتقالة الهامة والضرورية من الحديث إلى الممارسة، ولن يصدقنا العالم عندما نتحدث عن سماحة الإسلام، أو قوة الحق، ولكنهم بالتأكيد سيصدقوننا عندما نمارس تلك السماحة، وتلك القوة .. كل في موضعه .. وعندما نتوقف عن الحديث ونبدأ في العمل والممارسة، وهذه هي الخطوة اللازمة لهذه المرحلة، وللحديث بقية

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]