أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

حافظوا على الدمار!

5899001232280723.jpg

 

عندما هاجم الصهاينة لبنان منذ عامين، كتبت منادياً بالحفاظ على الدمار، واليوم أكرر النداء: الدمار الذي حَلَّ بغزة على أيدي منفذي المشروع الصهيوأمريكي للشرق الأوسط الجديد لا ينبغي أن يُمحَى من ذاكرة البشرية ببساطة؛ حتى بعد صدور قرار وقف إطلاق النار وبدء الإعمار. إنني أعرف هِمة الإنسان الفلسطيني وقدرته العالية على سرعة وكفاءة الإنجاز وإزالة آثار الدمار التي خلفتها الهمجية الصهيونية خلال شهر من الانتقام. لذلك أكتب اليوم إلى قيادات غزة الشعبية والرسمية والمقاومة وإلى مهندسي الأرض المباركة أيضاً قائلاً: رويدكم!!.. لنحافظ على جزء من الدمار ليبقى شاهداً حيّاً لأجيال المستقبل على مدى الإجرام الصهيوأمريكي المتخفي تحت شعارات الديمقراطية والتغيير!

إن جدار برلين لا يزال جزءٌ منه قائماً في العاصمة الألمانية مؤرِّخاً لعاقبة من تصدوا لحريات الشعوب بالقهر والتسلط. والنُّصُب التذكارية لضحايا المحرقة النازية منتشرة في عواصم أوروبا لتُذكِّر العالم الغربي بهمجيته في التعامل مع الأقليات حتى ولو كانوا من اليهود. وفي أحد أهم مناطق العاصمة الأمريكية بالقرب من البيت الأبيض يوجد المتحف القومي للمحرقة رغم أن أمريكا لم تشارك فيها بشكل علني [!]، ولكنها تريد أن يبقى العالم أجمع أسيراً لفكرة ظلم الصهاينة. ولا تزال الكاتدرائية المحترقة تقف في وسط العاصمة الألمانية برلين لتذكر شباب الحاضر والمستقبل بمعنى ومغبة الحروب الظالمة.

 

إنني أدعو إلى اختيار أحد مناطق غزة أو شوارعها ليبقى رمزاً للدمار. وأرى إبقاء الدمار في ذلك الشارع على حاله، كخطوةٍ أولى في مشروعٍ متكامل يهدف إلى إبقاء ذاكرة العدوان والهمجية حيةً، ليس فقط لأبناء الشعب العربي والإسلامي، ولكن لتكون أيضاً صفعة دائمة تقابل من يزور فلسطين من أبناء الغرب ومسؤوليه ليعرفوا أن حروب دولهم ورؤسائهم من أجل حقوق الإنسان ومشاريع الإصلاح المتوهمة هي حروب استعمارية همجية تختفي تحت تلك الشعارات. الإبقاء على شارع واحد مُدمَّر في غزة يمكن أن يوضع ضمن تصميمات إعادة الإعمار. ليس المقام مقام تفصيل لِما يمكن أن يحتويه هذا المشروع، ولكن من المهم أن يبقى الدمار حاضراً ماثلاً بضخامته وبشاعته دون أن تلمسه يد الإعمار، وأن تبقى كآبة الموت والقتل حاضرة للعيان.  لنجمع مخلفات الأسلحة والقنابل الأمريكية والغربية التي اُستخدمت في قصف غزة لتكون شاهداً حياً على المشاركة الأمريكية في الهمجية الصهيونية. إن هذا الشارع ـ أي شارع يتم اختياره ـ كان غالباً شارعاً مليئاً بالحياة والأطفال والعائلات والمتاجر، فلابد أن نُبقِي على ذكراهم كنموذج للتضحيات من طرف غزة، ونموذج للحماقة والصَّلَف من قِبَل الصهاينة.. لنبحث عن صورهم التي بقيت بين المخلفات.. ولعب الأطفال.. وكراسات المدارس.. ومذكرات البشر، ونحفظ ذلك لمن يريدون معرفة الحقيقة. إن الحروب ليست ألعاب فيديو مثيرة تجري على شاشات التلفاز، وذلك الشارع يمكن أن يحفظ تلك الحقيقة من أن تذهب إلى ملفات النسيان. أقترح أيضاً ان يُنشَأ في ذلك الشارع متحف عالمي يؤرِّخ للتجاوزات والانتهاكات التي مارسها الكيان الصهيوني تجاه الشعوب العربية خلال 60 عاماً حتى الآن. ويمكن للمتحف أن يُوَثِّق تجارب المقاومة وانتصاراتها، وأن يصدر سلاسل وثائقية حول ضحايا الهمجية ومن نجا منها. إن وجود نصب تذكاري يزوره من يأتي إلى غزة ليتعرف ـ من وجهة نظرنا ـ على ما حدث في مطلع عام 2009م هو أمر مهم في حد ذاته. إننا لا يجب أن نسمح للصهاينة ـ ومن ورائهم الغرب الذي اجتمع مؤخراً لما أسموه بإعادة الإعمار ـ أن يقوموا بدفن فظائعهم، والمسارعة في طمس ما حدث من مجازر، أو أن نشارك نحن في دفن تلك المجازر، ونحن نسارع من أجل التعمير وإعادة البناء. إن إعمار غزة هو واجب الأمة العربية والإسلامية تجاه من تعرَّض من المعاصرين للوحشية الصهيونية، وأرى أن الحفاظ على جزء من الدمار هو واجب غزة تجاه أجيال المستقبل من كل أنحاء العالم، ولا تعارُض أو تناقُض بين الهدفين، وكلاهما يجب أن يبدأ اليوم. إن من المحزن ألا يوجد في عالمنا العربي أجمع مزارٌ عالميٌّ محترم يوثِّق رؤيتنا ـ نحن العرب والمسلمين ـ للصراع مع الصهاينة عبر أكثر من نصف قرن. أليس اليوم هو أوان التفكير في تلك الخطوة الاستراتيجية المهمة. أنا لا أدعو إلى أية طقوسٍ وثنية، فالخالق أبقى لنا شواهد أُممٍ دُمِّرت لكي نتدبرها ونعرف منها ماذا يعني العقاب الرباني. الحفاظ على الدمار هو دعوة إلى مواجهة الظالم بظلمه ليس اليوم فقط، ولكن في المستقبل أيضاً. إن ثقافة الوجبات السريعة جعلت الذاكرة الجماعية للشعوب قصيرة  للغاية، لذا لابد من شواهد حيةٍ قائمة تعيد إلى الذاكرة ما قد يُنسَى في ظل الأحداث القادمة. إن هذه المنطقة من العالم هي ـ حقاً ـ نقطة انطلاق التغيير، وأصابت أمريكا والغرب في تصورهم هذا؛ إذ يظن أصحاب المشروعات الصهيونية في الإدارة الأمريكية والإسرائيلية أنهم سينجحون في تغيير الشرق الأوسط، والانطلاق منه إلى سيادة العالم ونهبه. وما سيحدث هو أن هذا الشرق الأوسط سيصبح نقطة الانطلاق لمشروع إزالة الهمجية الصهيوأمريكية وإعادتها إلى الحجم الطبيعي الذي احتفظ به التاريخ للهمج والظلمة.  نعم! هذه المنطقة هي منطقة التغيير؛ ولكنها ـ عبر التاريخ ـ غيَّرت ولم تتغير، وهو ما سيتأكد مرة أخرى عن قريب. يومها.. سيصبح شارع الضاحية الجنوبية الذي كتبتُ عنه من قبل .. أو شارع غزة الذي أنادي به اليوم هو الشاهد التاريخي على التحول من تغيير الشرق الأوسط إلى تغيير الغرب. إنني أنظر إلى الجدار الحاجز الذي يُبنَى حول المقاومين من شعبنا الفلسطيني، وأُحَدِّث نفسي أنني قريباً ـ إن شاء الله ـ سأكتب مقالاً آخر أدعو فيه إلى الإبقاء على جزء من ذلك الجدار لتبقى الذاكرة حية. إن من يبني جداراً عالياً حول نفسه هو كيان حكم على نفسه بالفناء، فلنختر من اليوم ذلك الجزء من الجدار الذي سنبقيه رمزاً لمصير “إسرائيل الكبرى.. من الجدار إلى الجدار!”. أعود إلى شارع غزة الذي آمل أن نحافظ فيه على الدمار من أجل المستقبل، وأحب أن أختار له اسماً مُعبِّراً. وأقترح أن يكون ذلك الاسم هو “الشرق الأوسط الجديد”!

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]