أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

معركة حول الإسلام

57.gif

“هناك في الحقيقة معركة واحدة تجري اليوم .. إنها المعركة حول الإسلام” هكذا أوضح توني بلير ــ رئيس الوزراء البريطاني السابق ــ في محاضره له في جامعة أنتونيو دي مانيلا في الفلبين في (22 مارس 2009م) في معرض تقديمه لرؤيته حول مشكلة الشرق الأوسط الحقيقية، وحول “الحقائق الكبرى” المحيطة بتلك المنطقة، وإجابة عن سؤال عن كيفيه اتخاذه للقرارات المصيرية.
ثم أكد بلير أن الطريق الصحيح للتعامل مع مشكلات الشرق الأوسط يبدأ من التعامل مع هذه المشكلة، وفهم طبيعة الصراعات في المنطقة من خلال العلاقة مع الإسلام. وذكر توني بلير أنه يرى عنصرين أو فريقين في الإسلام: الفريق الأول يريد أن يعمل مع الغرب، والفريق الثاني لا يريد ذلك. ثم بين أن الطريق الصحيح للسلام والتنمية في الشرق الأوسط هو أن “نتشارك مع الفريق المعتدل والمعاصر”، على حد قوله. ثم ذكر أن هناك صراع بين ذلك الفريق وبين من أسماهم بالمتشددين، وقال “أننا لابد أن نتأكد من أن هذا الفريق [المعتدل والمعاصر] سوف ينتصر في تلك المعركة”.
ليس هناك من العقلاء والمخلصين من لا يمقت الغلو والتنطع والتشدد الذي نهى عنه الله تعالى، والأنبياء وعلى رأسهم خير خلق الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وحاربته الأمة الإسلامية على مر العصور، ولكنني كنت دائماً أتساءل عما يقصد قادة الغرب عندما يتحدثون عن الاعتدال والمعاصرة .. هل يقصدون الوسطية التي نحبها وندعو لها، ونعمل من أجل ظهورها في مجتمعاتنا المسلمة، أم أن مفهوم الاعتدال والمعاصرة الذي يقصده الغرب مختلف عن مفهوم ومقاصد وصفات “الوسطية”.
أستغرب أن يجعل توني بلير من التعاون والعمل مع الغرب مقياساً للاعتدال والمعاصرة. فهل كل من يرفض لسبب أو آخر أن يعمل مع الغرب، أو أن يقبل برؤى الغرب في الحياة أو السياسة أو الحقوق .. هل من يرفض بعض ذلك أو كله فهو ليس معتدلاً وليس معاصراً. أظن أن هذا التعريف الذي يتبناه بعض الساسة الغربيين يجعل من معظم العالم متشددين وغير معتدلين .. فالإحصاءات العالمية واستطلاعات الرأي تجمع أن معظم شعوب العالم مستاءة من سياسات الغرب، وبالذات أمريكا وبريطانيا وحلفيهم الصهيوني كذلك. فهل يكون هذا الاستياء سبباً أن توصف تلك الشعوب والأمم الكثيرة بأنها متشددة وغير معتدلة؟ كيف يمكن أن يكون تعريف الاعتدال لديانة بعينها [الإسلام في هذه الحالة] مرتبطاً بقبول أبناء المسلمين التعامل مع الغرب .. والغرب تحديداً وفقط .. كي لا يوصفوا بالغلو؟
الأمر ليس جديدلً، وليس مقتصراً على توني بلير.. فقد أصدرت مؤسسة راند RAND Corporation الأمريكية في منتصف عام 2007م تقريراً بعنوان “بناء شبكات مسلمة معتدلة”، يقدم توصيات محددة وعملية للحكومة الأمريكية أن تعتمد على الخبرات السابقة أثناء الحرب الباردة في مواجهة المد الفكري الشيوعي، وأن تستفيد من تلك الخبرات في مواجهة المجتمع المسلم المعاصر. ويوصي ذلك التقرير الصادر عن أكبر مركز فكري أمريكي أن تدعم الإدارة الأمريكية قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني والليبرالي في العالم المسلم لكي تتصدى تلك الشبكات والجماعات لأفكار وأطروحات التيارات والرموز المسلمة التي يصنفها التقرير بالمجمل بأنها تيارات متطرفة.
الأعجب أن التقرير يؤكد على الحاجة لأن يكون مفهوم الاعتدال ومواصفاته مفاهيم أمريكية غربية، وليست مفاهيم إسلامية، وأن يكون هناك اختبار للاعتدال بالمفهوم الغربي يتم من خلاله تحديد من يمكن العمل معهم ودعمهم في مقابل من يجب محاربتهم وتحجيم نجاحاتهم. أي أن هذه الدراسة تقرر نفس ما ذهب إليه توني بلير مؤخراً من أن يتم تحديد مفهوم الاعتدال في الإسلام من خلال رؤية غربية له.
وقد ذهب التقرير المشار إليه إلى تحديد مجموعة من الأسئلة التي يعتبرها مقياساً للاعتدال، وأن الإجابة على هذه الأسئلة تحدد ما إذا كان الفرد أو الجماعة يمكن أن يوصف بالاعتدال أم لا. ويحذر ذلك التقرير أن التيار الإسلامي يدعي في بعض الأحيان أنه تيار معتدل ولكن وفق تفسير خاص به للاعتدال، وأن وجود قائمة من الأسئلة المختارة والمتفق عليها يمكن أن يحل هذه المشكلة، ويكشف حقيقة نوايا الأفراد والجماعات من التيار الإسلامي ممن يدعون الاعتدال أو يطالبون ان يعاملوا معاملة المعتدلين، وهو ما يجب أن يقتصر – حسب رؤية التقرير – على من يجتازون اختبار الاعتدال.
يضع التقرير 11 سؤالاً تشكل في مجملها المحددات الرئيسية لوصف الاعتدال المقترح. ولنقرأ هذه الأسئلة التي تحدد من وجهة نظر معدي التقرير صفات “المعتدل” في العالم المسلم .. الأسئلة هي:
1. هل يتقبل الفرد أو الجماعة العنف أو يمارسه؟ وإذا لم يتقبل أو يدعم العنف الآن، فهل مارسه أو تقبله في الماضي؟
2. هل تؤيد الديمقراطية؟ وإن كان كذلك، فهل يتم تعريف الديمقراطية بمعناها الواسع من حيث ارتباطها بحقوق الأفراد؟
3. هل تؤيد حقوق الإنسان المتفق عليها دولياً؟
4. هل هناك أية استثناءات في ذلك (مثال: ما يتعلق بحرية الدين)؟
5. هل تؤمن بأن تبديل الأديان من الحقوق الفردية؟
6. هل تؤمن أن على الدولة أن تفرض تطبيق الشريعة في الجزء الخاص بالتشريعات الجنائية؟
7. هل تؤمن أن على الدولة أن تفرض تطبيق الشريعة في الجزء الخاص بالتشريعات المدنية؟ وهل تؤمن بوجوب وجود خيارات لا تستند للشرعية بالنسبة لمن يفضلون الرجوع إلى القوانين المدنية ضمن نظام تشريع علماني؟
8. هل تؤمن بوجوب أن يحصل أعضاء الأقليات الدينية علي نفس حقوق المسلمين؟
9. هل تؤمن بإمكانية أن يتولى أحد الإفراد من الأقليات الدينية مناصب سياسية عليا في دولة ذات أغلبية مسلمة؟
10. هل تؤمن بحق أعضاء الأقليات الدينية في بناء وإدارة دور العبادة الخاصة بدينهم (كنائس أو معابد يهودية) في دول ذات أغلبية مسلمة؟
11. هل تقبل بنظام تشريع يقوم على مبادئ تشريعية غير مذهبية؟

إن من يقرأ هذه اللائحة من الأسئلة يدرك على الفور أن تعريف الاعتدال بالمفهوم الغربي لا يعبر إلا عن مصالح هؤلاء الهادفة إلى النفاذ إلى قلب العالم المسلم، وتحويل المسلمين بعيداً عن الإسلام تحت دعوى الاعتدال العالمي. إننا أمام محاولة لإعادة تعريف مفهوم الاعتدال داخل المجتمع المسلم بحيث لا يستند التعريف من الآن فصاعداً إلى مبادئ الوسطية والتراحم التي حثت عليها الشريعة، وإنما أن تتحول هذه المبادئ إلى مجموعة من المسلمات الغربية التي تقدم للعالم على أنها مبادئ دولية.
ستشهد الأعوام القادمة محاولات متعددة لتمرير هذه التوجهات ودفعها في الساحات الفكرية الدولية، وأن تمنع شعوب العالم المسلم من رفضها أو حتى الاعتراض عليها بدعوى أن ذلك سيكون اعتراضاً على حقوق الإنسان الدولية أو الشرائع العالمية، كما حدث من قبل فيما يتعلق بما يسمى حقوق الإنسان التي أصبحت مؤخراً حقوقاً للشواذ وحقوقاً لمخالفة الأخلاق والقيم والعادات.
جميل أن يشاركنا العالم الرغبة في الاعتدال، ولكن ليس جميلاً أن يكون مفهوم الاعتدال مستورداً أولاً، وخادماً لمصالح خصوم الأمة ثانياً، وبعيداً عن أخلاق وتقاليد ودين الأمة ثالثاً، وأخيراً أن يرتبط ذلك الوهم بالاعتدال بالعلاقة مع الغرب تحديداً وفقط، وكأن الغرب هو مقياس الاعتدال أو الوسطية أو المعاصرة. من حق الأمة أن ترفض شيوع الفاحشة في المجتمعات تحت دعاوى المساواة، ومن حقنا أن نحب أن نحتكم إلى الدين في معاملاتنا وعلاقاتنا وشريعتنا، وليس عيباً ولا تطرفاً أن نرفض الظلم والاحتلال ومحاولات الهيمنة على ثرواتنا وشعوبنا، وليس خطأ أن نقدم للعالم مشروعاً آخر مختلف عن مشروع الغرب من أجل إسعاد البشرية ونجاحها، ولعل هذا هو سبب حرص بعض ساسة الغرب أن تعلن المعركة حول الإسلام .. أو ضد الإسلام.

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]