أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

تناقضات أمريكية

800px-USA_Flag_Map_svg_norm-90x65.jpg

مع نجاح أوباما في أن يكون أول رئيس من أصل إفريقي للولايات المتحدة، وما صاحب ذلك من دعوات لإعادة النظر في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط من ناحية، والبحث من طرف العالم المسلم في الدور الجديد الذي سيقوم به هذا الرئيس القادم من أوساط الفقراء والأقليات في صورة أمريكا لدى شعوب العالم. وكثر الحديث مؤخراً مع أول زيارة لأوباما إلى دول العالم في أوربا ثم تركيا عن الصفات الشخصية للرئيس والمتوقع أنها التي ستلعب دوراُ هاماً في سياسات الإدارة الأمريكية القادمة. وأغلب الظن أن الرئيس باراك أوباما سيجمع بين صفتين رئيستين من الصفات المهمة في الشخصية الأمريكية بالعموم، وهما البراجماتية أو النفعية، وكذلك الجمع بين التناقضات. وهاتان الصفتان تمثلان ركائز مؤثرة في الحياة الأمريكية، وستظهران بقوة في الرئاسة الأمريكية الحالية.
البراجماتية صفة أمريكية بامتياز. فقد بدأ الأمريكي رحلته في العالم الجديد بفكرة أن كل وسيلة تصل به إلى غايته فهي له ومن حقه أن يستخدمها. وشمل ذلك سرقة الأطفال وبيعهم في سوق الرقيق واتخاذهم عمالاً أو قل عبيداً، وقتل أهل البلد الأصليين وسلخ جلودهم. كان البديل عن ذلك في نظر الأمريكي هو الخسارة التامة والموت لمشروعاته وله، وهذا هو عين الشر. وتهاوت في العالم الجديد قيمة الأنساب والأحساب إلا أن تكون القيمة كل القيمة في عمل يتيه المرء بنفسه متحملاً تبعاته نجاحاً أو فشلاً.

وأصبحت السياسة الأمريكية أيضاً إنعكاساً لهذه الشخصية الأمريكية التى تقدم مصالحها على كل أحداث العالم ومصالح الدول الأخرى. كتب جورج كينان الذي كان يشغل منصب رئاسة إدارة الدولة للتخطيط عام 1948 : “نحن نملك 50 % من ثروات العالم، ولكننا لا نشكل أكثر من 6.3% من سكان الأرض، وفي مثل هذا الوضع يبدو أنه لا مناص من أن نكون موضع غيرة وحسد الآخرين.. علينا التوقف عن الحديث عن مواضيع غامضة أو غير ممكنة التحقيق، تتعلق بالشرق الأقصى، مثل حقوق الإنسان، أو تحسين مستوى المعيشة، أو إحلال النظام الديمقراطي. ولن يكون بعيدا اليوم الذي سنجد فيه أنفسنا مضطرين للتحرك بصراحة من خلال علاقات القوة. وبقدر ما يكون ارتباكنا بسبب الشعارات المثالية أقل، بقدر ما يكون ذلك أفضل”.
وعبر عن هذا الفكر النفعي الرئيس الأمريكي جورج بوش عندما قال: “لا يجب أن نتدخل في كل حالات العنف الإجرامي… إن أيديولجيات الأمة لا يجب أن تتعارض مع مصالحها”. واليوم من المتوقع ان تكون البراجماتية صفة مؤثرة وهامة في إدارة أوباما، فقد عرف بذلك طوال فترة عمله السياسي القصيرة.
وأما التناقض فهو من ناحية أخرى أمر مزمن في تاريخ الشخصية الأمريكية، وقد ركز عليه الكاتب الفرنسي توكفيل في نقده للنموذج الأمريكي للديمقراطية. وكما وصفها سيرجيو ليون، فإن أمريكا كانت دائماً طيبة وسيئة وقبيحة.. مثالية منافقة وواقعية في الوقت نفسه. فهي خليط غجيب من المتناقضات تحيا معاً في نفس واحدة ومجتمع واحد.
إن السياسة الأمريكية في بعض الأحيان تعكس التناقض في الشخصية الأمريكية، أو محاولة الجمع بين المتناقضات في الحياة. وإلا فكيف يمكن تفسير حيازة الأسلحة النووية، ثم العمل على الحد منها حتى في أمريكا نفسها. وكيف أنها أمة تؤمن بالتنوع، ثم تسعى إلى فرض قيمها على العالم. كيف أنها أمة تسعى إلى قيادة العالم، ولكنها تظهر وكأنها غير مكترثة لهذا العالم وتأمل أن يبتعد هذا العالم الذي تريد أن تقوده عنها. كيف يمكن الجمع بين فخر الأمريكي بمثاليته وإصراره في الوقت نفسه على نفعيته .. كل ذلك لا يجتمع إلا في الشخصية الأمريكية التي تتصارع داخلها المتناقضات.
باراك أوباما أيضاً سيمثل خلال الفترة القادمة هذا المزيج العجيب بين المبادئ من ناحية وبين المصالح والرغبة في استغلال الآخر من ناحية. ولكي نجيد التعامل مع الإدارة الأمريكية القادمة، فلابد أن يكون حاضراً في أذهان من يتعاملون معها، أو من يحاولون تقييمها، أو فهمها، أن أهم ما سيميزها سيكون النفعية من ناحية، والقدرة العالية على الجمع بين المتناقضات من ناحية أخرى، وهما أمران شاقان في التعامل معهما، ومع الإدارة التي تتمثل هاتان الصفتان، ولكنها تبقى في النهاية صفات أفضل من العداء والكراهية والحمق الذي ميز الإدارة الأمريكية السابقة، وهنا قد يكون مثار وسبب التفاؤل لدي الكثير من المراقبين، وهم محقون في ذلك بالطبع.

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]