أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

كيف نكتب الماضي!

16469_186059262491_776542491_2884622_1491210_n.jpg

 

 

يكثر في بلادنا، ومع قسوة الأوضاع، وتقدم العمر، والحنين إلى عالم أفضل .. يكثر الحديث عن الماضي، وعما كان فيه، وكل منا يحمل صورة خاصة به عن ذلك الماضي، وهو ما دفعني إلى التفكير في مسألة هامة، وهي عن كنه علاقتنا بالماضي، وكيف نسجله وندون أحداثه، ونحن نفعل ذلك طوال الوقت؟ سؤال يبدو للوهلة الأولى سؤلاً ساذجاً ولكن الإجابة على هذا السؤال تحمل في طياتها بذور الحفاظ على الحاضر وبناء المستقبل للأفراد والمجتمعات والحضارات. ولنعد إلى السؤال عن علاقتنا بالماضي، ونعني بذلك الماضي الشخصي لكل منا: ما هي هذه العلاقة: هل هي علاقة صداقة وصراحة، أم هي علاقة بغض وكراهية .. هل نحن في سلام مع الماضي .. أم أننا لا زلنا نحارب معارك الأمس .. ونعيد إلى الذاكرة تجارب أليمة .. ليس من أجل العبرة، ولكن من أجل عقاب النفس. إننا لا نجيد التعامل مع الماضي أحياناً، وفي حاجه إلى التوازن في استدعائه أحياناً أخرى. وأظن أن معرفة الطريق الأمثل للتعامل مع الماضي هو الذخيرة التي يتسلح بها الفرد والمجتمع للتعامل مع الواقع والتقدم نحو المستقبل. 

ومع أن الماضي يصعب إخفاؤه أو تغييره، وما ذهب لن يعود مرة أخرى، فهناك من يبذل السنين من العمر من أجل تعديل هذه الحقيقة الكونية البسيطة، وهي أن ما مضى لن يعود .. نحن بحاجه إلى الحكمة في التعامل مع الماضي، وليس التهرب منه أو طمس أو إخفاء أو تغيير معالمه، كما أننا لسنا بحاجة إلى الابتذال في التغني به، أو التباكي على فقدانه، أو حتى تمنى عودته، فهذا كله من بذل الجهد في غير النافع. أفكر في جدوى التوازن في العلاقة مع الماضي. فكثير من الناس على طرفي نقيض عند التعامل مع أحداث الماضي الشخصي لهم. 

البعض مصاب بفقدان الذاكرة تجاه تجارب الماضي ورصيدها من الخبرة .. والبعض يحيا في ذاكرة هذا الماضي ويضخمها إلى أن تحتل الواقع والمستقبل معاً .. والبعض الأخر له ذاكرة انتقائية تجمع بين فقدان الذاكرة الاختياري لكل ما لا يروق له، وبين الذاكرة الحية لكل ما يعجبه مرحلياً من تاريخه الشخصي. أحياناً نسعى إلى إخفاء الماضي ليس فقط عن الأهل والأقارب والأصدقاء، بل حتى على أنفسنا .. وإذا فشلنا في إخفاء الماضي سعينا إلى تغيير معالمه وإعادته كتابته بصورة تتفق مع رغباتنا الحالية والمرحلية. نظن أحياناً أننا قد نجحنا في ذلك إلى أن تصفعنا أحداث الحياة بالحقيقة التي لا مفر منها، وهى أن الماضي لا يغير ولا يختفي ولا يعود أيضاً.

 أظن من المهم أن نحذر من مجموعة من السلبيات التي تعوق التوازن في العلاقة مع الماضي ومنها: المبالغة: المبالغة في التعامل مع الماضي تنحى بالإنسان بعيداً عن التوازن فليس هناك من هو بلا خطأ، وليس منا من لم يفعل الخير أيضاً .. الاعتدال هو سمت الصالحين والناجحين كذلك .. فلا تبالغ في القسوة على النفس عند محاكمة تجارب الماضي، ولا تبالغ في مدحها بحيث تعظم في أنفسنا صغائر الأعمال. كلما اقترب الإنسان من الواقعية في التعامل مع ماضيه، كلما سهل عليه الاستفادة من الأخطاء السابقة، والحفاظ على التجارب الناجحة. 

تحليل الماضي في ضوء الحاضر: وهذه آفة كبيرة يعاني منها الكثير من الناس، وخاصة أصحاب الضمائر الحية .. فهم يعودون دائماً لتجارب الماضي، ويعيدون محاكمتها على ضوء الحاضر، وهى مشكلة متعددة الأبعاد، وغير مجدية النتائج. فلا نحن نملك إعادة هذه التجارب السالفة، ولن نستفيد من إخضاع تجربة إلى معطيات غير واقعية، أو ظروف لم تكن لدينا في ذلك الوقت، أو علم وخبرة وفهم للحياة لم نكن نتمتع به في تلك المرحلة من ماضي أعمارنا. المهم أن نتعلم من تجارب الماضي لا أن نحاكم هذه التجارب.

 لا بأس من محاكمة النفس، وقد قيل “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا” ولكنها يجب أن تكون محاكمة إيجابية بناءة، وعلينا إذن أن نبتعد عن محاكمة التجارب .. فقط نتعلم منها. الخلط بين الفعل والحدث والقدر: عند النظر في تجارب الماضي, لابد أن نميز ونفرق بين الأفعال التي كان لدينا الخيار في القيام بها، وبين الأحداث التي صاحبت هذه الأفعال، وبين الأقدار التي أجبرتنا على مواجهه مواقف بعينها دون اختيار من قبل الإنسان. أما الأفعال فتتكرر، ولذا علينا أن نتأملها .. ونعتبر منها، ونصلح من أنفسنا بقدر ما نستطيع. أما الأحداث فتتغير بتغير المكان والزمان والأشخاص، وبالتالي فلا فائدة ترجى من إعادة إحيائها، خاصة إن كانت أحداثاً قاسية مؤلمة .. وأما الأقدار فلا مهرب منها ولا مفر، وليس لها من دواء إلا الدعاء وحسن النية والصبر. ظلم الآخرين: الماضي الشخصي لكل منا مليء بالشخصيات المحورية التي ساهمت في صياغة هذا الماضي، وعندما نسترجع تجارب وأحداث الماضي ـ وخاصة التجارب السلبية ـ فقد ننحى إلى تجنب لوم الذات، وذلك بإلقاء تبعة كل أخطاء الماضي على من كانوا حولنا، وبالتالي نتخلص من الشعور بالذنب تجاه الأخطاء التي حدثت في ماضي كل منا. مشكلة ظلم الآخرين عند تقييم الماضي لا تكمن فقط في انعدام النظرة العادلة للماضي. ولكن أيضاً تتحول إلى مبرر واقعي لارتكاب مزيد من الأخطاء طالما أننا سنتخلص من ذنوب هذه الأخطاء فور ارتكابها من خلال لوم الآخرين مستقبلاً عندما تتحول هذه الأحداث إلى ماضي ..

 وبالتالي فإن المشكلة تنتقل من تقيم الماضي إلى صياغة المستقبل أيضاً. والمشكلة الأخرى عند ظلم الآخرين تكمن في خداع النفس وهو – في رأيي – أخطر بمراحل من خداع الغير .. لأن الآثار السلبية للقبول بخداع النفس تدمر التوازن الشخصي، وتفقد الإنسان أهم معيار للتحكم في الأخلاق والتصرفات الشخصية، وهذا المعيار هو الصدق مع النفس. كراهية الماضي: كره الذات صفة بغيضة حتى وإن ارتبط بتجارب أليمة في الماضي. فالكرة لا يولد إلا المزيد من الكره للذات وللغير .. لذلك فلابد من الترفق في علاقتنا بالماضي الشخصي لكل منا .. حتى وإن كان هذا الماضي حافل بالتجارب السيئة أو الأليمة .. لا يعني ذلك تبرير الخطأ أو استمرار ظلم النفس أو الغير .. إنما يعني ذلك تحويل الغضب الشخصي الناتج عن آلام أحداث الماضي إلى قوة بناء وليس عامل هدم. 

الكراهية لا تبني الشخصية وإنما تهدمها .. والكره يحب ألا يكون إلا كرهاً منضبطاً، وإلا تحول إلى قاتل خطر على الذات وعلى العلاقة مع الآخرين، وعلى النجاح في الدارين (الدنيا والآخرة). النقد العادل والهادئ لتصرفات الماضي .. والعزم على تجاوزها هو الطريق الأسلم لبناء العلاقة السوية مع الماضي. تجاهل الماضي: تناسي الماضي لا ينجح مع أغلب الشخصيات السوية، بل يتسبب في أعراض جانبية أشد إيلاماً وإزعاجاً مقارنة بعبء التعامل مع ذلك الماضي بكل أحواله وظروفه. إن العقل البشري بما أودع الله فيه من صفات وخصائص وقدرات لا يسمح للإنسان بتجاهل أو تناسي تجارب الماضي، وكل ما نجنيه عندما نحاول ذلك هو أننا نحول هذه التجارب إلى فيروسات تعبث بالتوازن الفكري بل والصحي للإنسان في كثير من الأحيان. 

الأفضل أن نقيم هذه التجارب التي عشناها في الماضي ولا نتجاهلها ولا نحاول تناسيها .. وعندها فقط تأخذ هذه التجارب حجمها وسماتها الطبيعية من ذاكرة الإنسان وخبراته وتجاربه. إذن .. كيف نكتب ماضينا: نحن لا نملك إيقاف عجلة الزمن، ولذلك فالحاضر يتفلت منا دائماً ويتحول بمجرد ملامستنا له إلى ماضينا .. وهذه فكرة هامة ولابد من التوقف عندها .. نحن شئنا أم أبينا نكتب ماضينا في كل لحظة .. والإدراك الدائم لحقيقة أن أفعالنا في كل لحظة تتحول تلقائياً إلى الماضي الذي لا يغير ولا يتبدل ولا يختفي أيضاً .. يمكن أن يصبح قوة فاعلة إيجابية لكل منا لكي يصبح هذا الماضي مقبولاً لنا ومرغوباً لأنفسنا. إن نجاحنا في المستقبل لا يحدث رغم الماضي وإنما يحدث بسبب الماضي. كل تجربة مؤلمة ترفع من رصيد الخبرة وتصقل من الشخصية .. كل خطأ نقع فيه يمكن أن يصبح درساً لا ينسى وبالتالي يقوي من قدرتنا على تحدي المستقبل .. حتى الأقدار التي ظننا يوماً ما أنها لم تكن منصفة لنا ستظهر لنا الأيام أنها لم تكن كذلك فالخالق لا يظلم أحداً.

 بدلاً من تجاهل الماضي أو محاولة تغييره، علينا أن نحاول الاستفادة منه واستثماره .. فكما أن كل ابن أدم خطاء .. فإن الخطأ قد يكون طريق للتوبة وباب للمعرفة .. ونبراس للنجاح .. إن أسلوب تعاملنا مع الماضي هو الذي يحدد القيمة الحقيقية لهذا الماضي .. نحن من يملك رفع هذه القيمة، والتي بها ترتفع قيمتنا وقيمنا، وننجح في تجاوز تجربة الحياة تجاوزاً يليق بما حبانا الله به من قدرات وطاقات .. فليس هناك من أسلوب أفضل من الصراحة والصداقة عند التعامل مع الماضي والاستفادة منه واستثماره كذلك. ولنتذكر أننا في كل لحظة سيتفلت منا الحاضر .. وسيتحول بملامستنا له إلى ماض لا يتغير .. فلنحرص في حاضرنا أن نكتب ذلك الماضي الذي يليق بنا.

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]