أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

عقول بلا جبن

d8b9d982d984.gif

 

 

إلى متى نقبل أن تكون عقولنا مهمشة وكأنها في ذيل العقول بين الأمم؟ وإلى متى نخدع أنفسنا أننا أصحاب حضارة ودين يفوق كل الحضارات والأمم؟ نعم نحن ورثة ماضي مشرف ودين باق إلى الأبد، ولكننا نحتاج إلى التعامل مع حاضر لا يليق بنا .. وأن نقاوم مرض انعدام الرغبة في تغير المستقبل الذي يناسب مجتمعاتنا، وهنا تكمن المأساة والمعاناة. لا شك أن لدينا ما يميزنا عن الكثير من الأمم، ولكن هذا ليس الموضوع التي أعني هنا. الحضارة التي نحن في حاجة إلى إعادتها إلى واقعنا ترتبط بنا كأفراد ومجتمعات أكثر مما ترتبط بعلامات المدنية والتقنية والتصنيع في دولنا.  كيف يمكن أن ندعي أننا بخير .. وأكثر من 40% منا أفراد لا يقرأون ولا يكتبون .. 

دع عنك إتقان علوم العصر من الإنترنت والحواسب وغيرها من العلوم؟ كيف نتصور أننا على الطريق الصحيح وقد تفككت العلاقات الاجتماعية بيننا حتى أصبح معيار المادة والمال هو المعيار الأوحد للتفوق الاجتماعي وللعلاقات الأسرية والاجتماعية أيضاً. الحضارة هي إمكانية التقدم إلى الأمام مع الحفاظ على مكتسبات الماضي وتراث الأجداد .. إنها تعني أن تتحرر عقولنا من الجبن .. فالإنسان الجبان لا يمكن أن يكون من حملة شعلة الحضارة.  نحن في حاجة إلى عقول متحررة من عقدة الجبن لإنقاذ أمتنا ومجتمعاتنا .. وعندما تجتمع العقول المتحررة من الجبن معاً تنطلق المجتمعات إلى الأمام بعيون مفتوحة وقلوب واعية.

لن يتغير حالنا إلى أن نتغير نحن .. هذه سنه الخالق ولن تتبدل بالأمنيات والأحلام الكاذبة .. لن يتغير الواقع إلا إذا تغيرت النفوس التي تحيا هذا الواقع. لذا فنحن في حاجة إلى عقول بلا جبن.  إننا لا نعاني من نقص القدرات أو العقليات المتميزة، ولكننا نعاني من القيود الحقيقية والوهمية التي تحجم من قدرة العقول الجادة على الانطلاق بالأمة إلى الأمام.  لن نخطو إلى الأمام إلا إذا تحررت العقول من عقد التردد والتقاعس ومن قيود الأنظمة. لا أعني هنا بالتحرر من القيود الانفلات من ضوابط الأخلاق ..أو الانقلاب على العادات أو الحكومات .. ولكنني أعني التحرر من الجبن ومن التسليم بواقع مريض .. أعني التحرر من المجاملات الاجتماعية الزائفة والقاتلة .. التحرر من الرغبة في تقليد الأخر للتخلص من أعباء التفكير والتجديد .. التحرر من تسليم زمام الأمة إلى غير أبنائها بدعوى الاستفادة من خبرات الغرب أو الشرق أو الآخر .. التحرر من عقدة التسليم بالهزيمة .. وكأنها قدر لا يتغير .. التحرر من الرغبات الفردية القاتلة في التميز المادي والاجتماعي والحياة ضمن قطيع اللاهثين وراء السيارة الأفضل والمنزل الأكبر والهاتف الأحدث وكلها أمور تتمناها النفوس، ولكن لن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام إذا قبلنا أن نتنافس ونتهافت على فتات حسنات الغرب وديون الغرب وثقافة الغرب .. وكأننا لا نملك إلا الركوع للغرب .. هنا أيضاً نحن في حاجة ماسة وملحة لعقول بلا جبن فهل من مجيب لكي ينطلق قطار الشرق؟ نحن لسنا في حاجة إلى أن نحلم بجنة على طراز الغرب .. العقول التي لا تهاب المغامرة هي تلك العقول القادرة على صياغة حياة تستفيد من التقنيات وأدوات المدنية المعاصرة لإنتاج حضارة حقيقية نملكها نحن .. تمثلنا نحن .. تعبر عن ثقافتنا وأحلامنا نحن.  عقول بلا جبن هو الطريق إلى اليوم الذي لا ترتبط فيه أمتنا وديننا وحضارتنا بالفقر والجهل والمعاناة والاضطهاد والتطرف.  

عندها فقط يمكن لأجيال المستقبل أن تحيا حياة تجمع بين الحضارة الحقيقية، وبين الحفاظ على الثقافة والعادات والقيم المحلية .. ونحن بحاجة إليهم معاً لنحافظ على هويتنا ولنلحق بركب الأمم المتقدمة التي ترقى بالإنسان والمجتمع معاًً، وتحفظ كرامة الفرد .. وتقدم له غذاء العقل والروح والبدن.  الخطوة الأولى إلى هذا المستقبل الواعد تبدأ بالتخلص من الجبن والتحرر من القيود الوهمية التي تعوق انطلاق العقل إلى آفاق التجديد والتطوير. إن حرية العقل – في نظري – مقدمة على حرية البدن .. فإذا كنا نكره أن تقيد أبداننا لأي سبب .. فكذلك يجب أن نكره أن تقيد عقولنا لأي سبب وتحت أي مبرر .   

وكما أن الإنسان العاقل يدرك أن حرية بدنه مرتبطة بانضباط أخلاقه وعلاقته بالآخرين، فالإنسان العاقل يدرك أيضاً أن حرية عقله مرتبطة بحسن استخدامه لهذا العقل بما يفيد النفس والغير .. وعندما يتخلى الإنسان عن الانضباط الذاتي للعقل أو البدن فهو مهدد بفقدان حريتهما .. وهذا ما جاءت به الأديان والشرائع والقوانين العادلة أيضاً. أن نفترض أن أمل الخلاص هو أن يقيد العقل كما يرى البعض بحيث يصبح عقلاً جامداً خاملاً .. أو أن يكون بديل ذلك أن يتحرر ذلك العقل من كل قيد كما يدعي آخرون.. فهما نقيضان يميزان اليوم أبرز علامات تخلف مجتمعاتنا .. وليس نقص التقنية أو المدنية. 

إن العقل الحر هو فقط العقل القادر على الإبداع والتميز أما العقول المقيدة فهى كالأبدان المقيدة .. طاقات معطلة .. وأعباء على أصحابها ومجتمعاتها ولذلك فنحن في حاجة إلى عقول بلا جبن .. عقول حرة بحق.

 

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]