أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

زائر من أمريكا

زائر من امريكا.jpg

 

 تستعد القاهرة خلال الأيام القليلة القادمة لاستقبال الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ويتحدث الجميع عن قيمة وأهمية هذه الزيارة، ويلاحظ المراقب من كثرة الحديث عن هذه الزيارة، والهوس بالحديث عن القيمة السياسية والإعلامية لها، أننا نستصغر حجم مصر وقيمتها بشكل كبير. هذا الشعور – الذي أتحرج أن أصفه بالتدني – مسيطر على الخطاب العام في مصر بصرف النظر عن هوية من يكتب أو يتحدث في هذا الشأن. عندما نكثر من الحديث عن قيمة زائر ما، وأنه اختار بلدنا دون بلاد أخرى، ونجتمع على ذلك بشكل مبالغ فيه، فإننا بالتأكيد ننقص من قيمة البلد الذي تتم زيارته، ونقلل من شأنه ولا نعليه، وهذا ما حدث طوال الأيام الماضية.

إن الرئيس الأمريكي عندما يبحث عن مكان ليقدم من خلاله خطاباً له، فليس بالضرورة أن يكون المكان هو أفضل دولة، ولكن الأمر يرجع إلى عوامل كثيرة وهامة يمكن ان تشمل السياسات الدولية المحيطة بالمنطقة، ودرجة الأمان المتوفرة في تلك الدولة بالنسبة لرئيس أمريكي، وكذلك درجة الاهتمام الإعلامي التي يمكن أن تتحقق من الحديث عبر ذلك المكان. ولكن الأهم من كل ذلك أن نعي أن الرئيس الأمريكي يختار ما يناسبه هو، لا ما يناسبنا نحن. فلماذا لا يكون لنا أجندة خاصة بنا تعلي من شأن بلادنا، ولا تكتفي فقط بأن تفرح لاختيار رئيس دولة ما أن يتحدث للعالم المسلم عبر أثيرها أو من فوق منابرها. أعجب أن يتنادى البعض أن يكون خطابه إلى العالم الإسلامي من فوق منبر الأزهر؟ ألهذا الحد هان علينا الأزهر؟ من هو باراك أوباما ــ رغم تقديرنا لتغير المواقف الأمريكية تجاه أمتنا عقب انتخابه ــ لكي يتحدث من فوق منبر الأزهر، أو من أي بقعة من ذلك المسجد الكريم؟

إن أمريكا تدرك منذ فجر قيامها كدولة مستقلة أهمية مصر في العالم الإسلامي، ولكن مصر هي التي أصبحت لا تدرك أهمية مصر لاستقرار عالم الغد، وبالتالي أصبحت أقصى أمنياتنا أن يستخدم رئيس أمريكي بلادنا منصة يخطب من أرضها ود الشعوب الإسلامية والعربية. عندما كانت مصر تدرك حجمها وقيمتها، كان العالم يتعامل معها بشكل آخر مختلف تماماً عن مواقفنا وواقعنا اليوم، واسمحوا لي أن أنقل لكم بعض ما كان الأمريكيون يقولون عن مصر في عهود خلت.

كتب ريتشارد بيرد سلى، قنصل الولايات المتحدة في مصر، من القاهرة فى 9 نوفمبر عام 1872م ضمن رسائله الرسمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية متحدثاً عن العمران والمدنية في قاهرة تلك الأيام: “رأى إسماعيل ما يترتب من الفوائد على إنشاء مركز دائم لحكومته، تلتف حوله مختلف الوزارات، فقرر ألا يجعل القاهرة عاصمة ملكه فحسب، بل أن يجعلها عاصمة تليق بمصر، لذلك أنفق أموالاً كثيرة، وبدأ الجهود فى همة قلما يتحلى بها- أمير شرقى- فعكف على العمل فى الخمس سنوات الأخيرة لتجميل المدينة، التى يمكن تفضيلها اليوم على عدة عواصم أوروبية.. لقد بلغ التجميل والتغيير في القاهرة في بضع سنوات مدى يصعب على الأجنبي تقدير طبيعته ومداه حق التقدير .. وفي جميع المجالات نشاهد دلائل النشاط والتحديث، التي تذكرنا بمدنية الغرب أكثر مما تذكرنا بتقاليد الشرق”!(1).

لو كتبت سفيرة أمريكا في مصر اليوم رسالة إلى الرئيس باراك أوباما تحدثه فيها عن القاهرة قبل وصوله إليها، فهل ستكون كتلك الرسالة التي أرسلها ريتشارد بيرد سلى في عام 1872م، أم ستكون مختلفة تماماً عندما تصف القاهرة أو من يحكمونها! بالتأكيد لم تكن تلك الأيام كلها أيام خير أو سعادة على شعب مصر، ولكن المهم في هذا المقال هو نقل انطباعات من زاروا مصر وكيف كتبوا عن أحوالها في ذلك الوقت، ومقارنتها بما نتوقع أن يسجل في التاريخ القادم عن زيارة الرئيس الأمريكي لمصر، وعن أحوال أهلها وعاصمتها في عام 2009م.

لقد جاء بعد بيرد سلي قنصل آخر في عام 1867م، وكان لا يرقى إلى مرتبة سفير لأن مصر كانت نظرياً ودبلوماسياً لا تزال جزءاً من الدولة العثمانية، وبالتالي فإن أعلى شخصية أمريكية في مصر كان القنصل الأمريكي، وكان اسمه “ألبرت فارمان”، وبقي في مصر خمس سنوات، وكتب كتاباً عن مصر عنوانه “مصر .. وكيف غدر بها” حول مصر والأحداث السياسية التي أحاطت بها. ومرة أخرى أتساءل عن نوع الكتب التي يمكن أن يكتبها سفراء أمريكا عن مصر في العقود الأخيرة .. هل ستكون كتباً تشيع فيها روح الإعجاب بمصر وقياداتها وسياساتها أم غير ذلك؟ المقارنة ليست ظالمة .. ولكنها بالتأكيد مؤلمة، ولهذا أردت أن أؤكد أننا نحن من ينقص قيمة مصر بما نفعله بها قادة وحكومة وأفراد كذلك.

كان مما كتبه ألبرت فارمان عن القاهرة ما يلي: “هيأ لي الصباح مشاهدة أول منظر لمدينة القاهرة .. حقاً إن الزائر الذي يملك وقت فراغ كاف يستطيع ان يقضي الساعات والأيام في هذا المكان ينعم بمشاهدة مناظر متجددة تتكشف أمام ناظريه على الدوام”.. واستمر في وصف أنواع الناس والخدمات والحدائق وتنوع البشر، فيقول “تسمع وقع الأقدام لا ينقطع من اليهود والأقباط والمسلمين والعرب والأتراك والسوريين والأرمن والعجم والأوروبيين وكل منهم فى زيه الذى يتميز به، هذه هى المناظر اليومية لذلك الشريط الذى لا ينتهى من المناظر الخلابة التى تجرى فى شوارع القاهرة”. ثم يعقد مقارنة بين بلاده (أمريكا) وبين مصر وهو في طريقه لمقابلة الخديوي لأول مرة فيقول: “وفى آخر هذا الطريق المتسع يقع قصر الجزيرة، وهو قصر صغير نسبياً، ولكنه مسكن رائع منيف، بدأ بناؤه أثناء حرب الاستقلال التى اشتعلت فى بلادنا، بينما كانت مصر منتشية بسبب ثروتها المفاجئة الناشئة عن ارتفاع ثمن القطن”. كان يقارن بين حياة الحروب في بلاده، وبين الغنى والثراء الذي تنعم به مصر!

وفي مكان آخر من مذكراته يتحدث القنصل الأمريكي عن فقر ملابسه مقارنة بملابس غيره من المصريين في ذلك الوقت أو الدبلوماسيين فيصف احد الاحتفالات الرسمية قائلا: “فى الساعة المحددة وصلنا إلى السراى حيث استقبلنا سمو الخديو، وكان الجميع بملابسهم الرسمية عدا ممثل الولايات المتحدة الذى كان مضطراً إلى الظهور فى هذه المناسبة كما هو الحال فى المناسبات السياسية الأخرى، مرتدياً حلة بسيطة، وقد أدى إفتقار أعضاء مجلس الكونجرس إلى المعلومات الخاصة بعادات الدول الأخرى، ورغبتهم فى تطبيق أفكارهم بالإكراه على العالم كله إلى حرمان ممثليهم فى الدول الأجنبيه من حق ارتداء الملابس الرسمية التى تقضى بها العادات الدبلوماسية العالمية”! كان يشعر بالخجل من حال ملابسه مقارنة بملابس من استضافوه من قادة مصر في ذلك الوقت!

ثم تحدث ألبرت فارمان عن ظروف الأمريكيين في مصر، وجمع بينها وبين رأي الأمريكيين في قيادات مصر فقال: “حسب العرف الجارى فى البلاد لم يكن فى مقدور أى أمريكي أن يتقدم إلى الخديو إلا عن طريق ممثله الدبلوماسي. وقد أتيحت لى الفرصة أن أقوم بهذا الواجب مراراً أثناء السنوات الخمس التى أقمتها فى القاهرة، وكثيراً ما كان يدهش الزائر لما كان يلمس من ذكاء الخديو النادر. فعندما قدم له قائد إحدى البوارج الأمريكية، أخذ الخديو يوجه إليه سلسلة من الأسئلة التى تخص سفينته، ولم يستطع القائد أن يجيب على بعضها، ثم تطرق إلى وصف سفنه الخاصة وصفاً تفصيلياً. وقد عبر القبطان وغيره من الضباط الذين كانوا برفقته عن بالغ دهشتهم بعد أن انصرفوا من حضرة سموه، نظراً لما لمسوه منه من معلومات حربية وكان القول نفسه ينطبق على غير ذلك من الشئون. ولذا كان العسكريون والمدنيون على السواء يدهشون من معلوماته المفصلة. أضف إلى ذلك أنه كان يملك القدرة النادرة على أن يكتسب ثقة زائرة بأن يزيح عن كاهله كل حرج ممكن ويجعله على طبيعته تماماً”.

أما خطاب تعيين ألبرت فارمان، والذي كتبه الرئيس الأمريكي، فهو يشير كيف كان الرئيس الأمريكي حينها ينظر إلى مصر، وهذا نص الخطاب إلى رئيس مصر في ذلك الوقت: “من يوليسيس س. جرانت، رئيس جمهورية الولايات المتحدة إلى سمو خديوي مصر .. صديقى العظيم البار .. لقد وقع اختيارى على البرت .أ. فارمان، من مواطنى الولايات المتحدة كمعتمد وقنصل عام للولايات المتحدة الأمريكية فى مصر، لكى يقيم فى القاهرة ويشرف على مصالحنا ويبذل كل ما فى وسعه من وسائل شريفة كى ينمى ويحافظ على الألفة والنية الصادقة بينا. ولذا ألتمس من سموكم أن تعامله على هذه الأساس وان تمنحه الاحترام اللازم، وأن تواليه بالثقة التامة فى كل ما يمثله من قبل حكومته ،وعلى الأخص عندما يؤكد لسموكم توافر الصداقة الخالصة بيننا. حرر فى واشنطن فى 13 من أبريل سنة 1876م”.

وكان مما كتب فارمان عن القاهرة في وصفها في ذلك الزمان: “مصر بلد العجائب، والقاهرة مدينة ساحرة فاتنة، من أجمل مدن العالم، وقلما تجد مدينة تضاهيها فى بهجتها وقلما تجد مملكة حديثة العهد فى مظاهرها وروعتها كمصر، بل قلما يجد الباحث وراء اللذة أو الباحث وراء العلم ما يضاهيها. ففى كل زاوية من زوايا البندر أو الريف تجد المدهش العجيب والجديد اللذيذ .. لقد نقشت هذه المناظر على الذاكرة أثراً لا يبلى، وذلك أنه بعد مضى سنين عديدة على تلك المناظر يشتاق “الإنسان الذى شرب من ماء النيل مرة” أن يمرح ثانية فى طقس مصر الجميل ويعود إلى مسراتها وملذاتها التى تظهر له حينما يسرح الطرف فيها وكأنها حلم لذيذ عن أرض عجيبة تضيئها أشعة مصباح علاء الدين السحرية!”. هذه هي مصر من وجهة نظر زائر أمريكي قدم إليها من 135 عاماًَ .. فماذا ستكون انطباعات الزائر القادم إلى مصر في الأيام القادمة من أمريكا أيضاً. هل سيكتب في مذكراته ما يمكن أن ينقله كاتب محب لمصر بعد 135 عاماً من اليوم؟ أتمنى ذلك .. وأشك كثيراً في إمكانية حدوثه .. ليس لأن الرئيس الأمريكي لن يكتب عن مصر .. ولكن لأننا نحن فقدنا الرغبة الحقيقية أن نجعل مصر بلداً يكتب عنها .. ويتغنى الزائرون بها.

من نلوم سوى أبناء مصر .. ومن سيعيد البناء سوى شعب مصر. أتمنى أن نجعل من الزيارة القادمة للرئيس الأمريكي نقطة انطلاق لكي نقول “كفى ما فعلناه بمصر .. ولنبدأ في البناء مرة أخرى” .. ولعل ذلك هو أفضل ما يمكن أن يكتبه الرئيس الأمريكي في مذكراته للأجيال القادمة .. أن زيارته قد تزامنت مع انطلاقة نهضة مصر .. فهل هذا حلم صعب المنال .. أم أمل يمكن أن نتقدم نحوه بعزم؟ الإجابة لن يحملها لنا زائر لمصر .. ولكننا نحن من يمكن أن ننقلها إلى كل يهتمون بمصر وبشأن مصر ومكانتها، وهنا يكمن الأمل .. والمسؤولية أيضاً.

 

 

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]