أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

تسليع الموت

004-300x248.jpg

الموت له حرمة، ويجب أن نقف أمام الموت وقفة مراجعة للنفس، واستحضار لقدرة الله جل جلاله وحكمته وتقديره، ونأخذ من حوادث الموت العظة والعبرة، وتترحم على أموات المسلمين، ونجتهد لهم قي الدعاء أن يرحمهم الله تعالى، ويتغمدهم برحمته وغفرانه، ولكن أن نحول الموت إلى سلعة وفرصة ووسيلة نفعية لإعلاء شأن النفس أو التقرب من الغير، فهو أمر مخزي للغاية. صدم الكثير منا في الأيام الأخيرة مع وفاة حفيد رئيس مصر ــ رحمه الله، وألهم أسرته الصبر ــ بمدى التردي الذي وصل إليه البعض في استغلال حدث جليل ــ كموت الفجأة لطفل ــ لكي يستغل ذلك ويتحول الموت في أيدي هؤلاء إلى سلعة ووسيلة انتفاع .. وعيب أن نفعل ذلك!
بعض الصحف خرجت بعناوين تحول الموت إلى سلعة وفرصة وشهادة تأمين للحفاظ على الوظيفة! كتب أحدهم “ليس كمثله حزن!” والبعض الآخر انتهز الفرصة لكي يتحدث عن مكانته الشخصية لدى والد الطفل المكلوم أو جده.. سارعت امرأة في أحد القنوات الفضائية لتعرف باسمها كاملاً .. ولتقول أن ابنها كان مع الفقيد في نفس الفصل الدراسي .. ذكر أحد رؤساء التحرير أن الشعب المصري بأكمله في حالة “فجيعة كاملة .. وأن شوارع مصر خالية!” .. أحد الدعاة الجدد اتصل ببرنامج فضائي لكي يخبر المشاهدين أنه أرسل برقية تعزية لأسرة الفقيد، وانتهز الفرصة ليتحدث عن كيف يمكن “العمل لتحسين مكانه في الجنة”، واتصل آخر ليقول أن الوجوم يعم شوارع الأقصر من هول الكارثة! أليس عيباً ان نبالغ هكذا لكي نظهر نحن، ونعلو حتى على أكتاف الموت.
تحزن الأمة دائماً على فقدان أي من أبنائها سواء كانوا من أبناء أو أحفاد القادة، أو من أبناء عموم الناس، فالموت موت .. ولكن الحياة تمضي .. حزنت الأمة الشهور الماضية وفجعت لموت مئات الأطفال في فلسطين موت فجأة برصاص غادر، ولكن الحياة تمضي، ونفجع في كل أسبوع في الفترة الأخيرة بحوادث مفجعة لمقتل أطفال أبرياء للثأر والانتقام والتسلي والسرعة والعبث، ونحزن لكل منهم، ولكن الحياة تمضي. أما في الأيام الماضية، فقد ظهر فريق لا يحترم الموت .. ولا يحترم الأموات .. ولا يحترم مشاعر ذويهم بل يعبث بها .. ولا يحترم عقول ووجدان شعب مصر .. كل ذلك من أجل الانتفاع من الموت، وانتهاز فرصة الفاجعة لتحقيق مكاسب نفعية مادية أو أدبية، وأقول لهم .. استحوا .. فحتى الموت حولتموه إلى “سلعة وفرصة”!
إن الحكمة الكبرى من الموت ــ والله تعالى أعلم ــ أن يتعظ منه الأحياء، ويعلمون أنه لا يبقى في النهاية إلا العمل للآخرة، ولكن أن نحول الموت نفسه إلى “سلعة” للنفعية والتملق، فهو فعل لا يليق، فحتى علماء الغرب يمقتون النفعية في مثل هذه الأمور.. أو سوء استخدامها في التعامل مع حدث جلل كالموت، فيرى باسكال مثلاً أنه حتى من الناحية النفعية البحتة يبقى الاقتناع باليوم الآخر أربح؟ ولكن فريق المستغلين والمسلعين للموت في مجتمعنا اليوم برون أن الاقتناع بالدنيا واستغلال الموت أربح!
الأمر الآخر المزعج أن هؤلاء المتسلقين على أكتاف حزن أسرة الفقيد، يبالغون في العويل والمساندة الوهمية التي تشعر من يقرأ كلماتهم أن رئيس مصر ليس شخصاً قوياً مقاتلاً عرك الحياة وعركته، والمبالغة في الشيء تقلب الأثر المرجو من المبالغة إلى عكسه. انظر إلى المبالغة عندما يكتب رئيس تحرير مصري قائلاً لنا: “الرؤساء بشر لو تعلمون، ويحزنون، حزنا نبيلا، واعر الحزن العميق لما يسكن براح القلب، يحتله” هكذا كتب ولم أفهم حتى درجة المبالغة في الشطر الأخير من عبارته فهذا يفوق قدراتي اللغوية، وأظن أنه كان يخاطب نفسه لأنه من القلائل الذين يحتاجون أن يتم التأكيد لهم أن الرئيس بشر! وكتبت أخرى تقول: “أرجوكم اتركوه يحزن.. اسمحوا له أن يحزن، ولا تحاصروه بالينبغيات وأصفاد السياسة.. اتركوه يحزن” عمن تتحدثون؟
انتهز البعض الفرصة للمبالغة الإعلامية في العويل، ويصعب تخيل تلك المبالغة في الحزن، ليس إنقاصاً من فاجعة الأسرة بفقيدها، ولكن لأن طبائع البشر لا تقبل بهذا. كتبت كاتبة معروفة تريد أن تؤكد قربها من أسرة الرئيس، وذكرت كيف أن قريباتها اتصلن بها للاطمئنان على الأسرة، وقالت إحداهن لها – كما نقلت لنا: “بلا أمريكا بلا سفر.. معقولة الريس يسافر وإحنا فى كارثة زى دى”! وكأن حزن الرئيس على فقدان حفيده سيمنعه بعد أسبوع من ممارسة أعماله، والحفاظ على مصالح شعبه. لا تقللوا من شأن رئيس مصر لكي تقفزوا على ظهر أحزانه، فليس هكذا يتم التعامل مع الرجال وقت المصاعب والأزمات.
لقد ترك الفراعنة في مصر من المقابر أكثر مما تركوا من القصور، وورثنا عنهم صناعة الاحتفاء والمبالغة في التعامل مع الموت. لقد صنع شعب مصر يوما ما من الموت هرماً جعله العالم من عجائبه، وأظن أن شعب مصر يعطي للموت درجة من القداسة تتجاوز في أحيان كثيرة حدود الشرع والعقل، ولكني لم أعهد في شعب مصر أن يحول البعض منه الموت إلى “سلعة” للتملق والنفاق إلا مؤخراً، وأتمنى مواجهة هذه الظاهرة المخزية. قرأت عبارة جميلة أستوقفتني بالأمس .. يذكر كاتبها منتقداً الإعلام في سياق مماثل قائلاً: “إن المبادئ المهنية والأخلاقية المتعارف عليها في أماكن مختلفة من العالم تحد من حرية البعض في تسليع الدماء والدموع ثانياً”.
قام البعض في الأيام الماضية بتسليع الموت والدموع، وعبثوا بمشاعر أسرة الفقيد، ووجدان المجتمع المصري من أجل منافع لا أظن أنهم سيحصلوا منها إلا على المزيد من نقص أقدارهم ومقامهم لدى السلطة، فالحزن لا يفقد العاقل بصيرته، ولا يحول الشخصيات النفعية البرجماتية إلى فرسان، ولكنهم يؤكدون وجودهم في المجتمع نباتات متسلقة لا يستقيم لها عود إلا بحائط ترتكن إليه وتتسلقه .. وخاب من فعل ذلك مع الموت، وكفي به واعظاً.

 

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]