أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

كفانا استهتاراً ببيوت الله !

1268096327.jpg
حدثني صديق أنه تزوج حديثاً من سيدة غير عربية أسلمت حديثاً في مصر، وأحبت أن تزور المساجد بعد إسلامها. الصديق وجد معاناة في أن يجد مسجداً مناسباً نظيفاً لائقاً لكي يكون أول مسجد تدخله السيدة التي أسلمت لتوها .. لم يهتم صديقي بالمساجد الأثرية والتي أصبحت مزارات سياحية .. أراد أن يريها مسجداً من مساجدنا نحن .. مساجد أبناء مصر القرن الحادي والعشرين .. واحتار الرجل .. وحزنت وأنا أستمع إليه .. ألهذا الحد هانت علينا بيوت الله!
نظرت إلى المساجد التي أصبحنا نقيمها في بدرومات العمارات .. وإلى المساجد التي تنشأ على جوانب المباني .. وأطراف الأسواق .. إلى الزوايا التي لا تمتد لها يد الرعاية رغم وجودها في أحياء راقية .. إلى السجاد الذي أصبحت رائحته منفرة حتى قبل أن تقترب منه في السجود .. إلى المصليات التي لا يوجد بها مراوح أو تكييفات تقي الناس حر صيف القاهرة، وغيرها من مدن مصر، رغم أن تلك المصليات تكون في عمارات لا تكاد تخلو غرفة في أي شقة منها من جهاز تكييف. بحثت حولي فوجدت أكثر المساجد لا يوجد بها مكان لائق لصلاة النساء .. ولا يوجد بها مكتبة تفيد المصلين .. ولا حتى مكتب للإمام ليقابل فيه أصحاب الحاجات. وأما النظافة العامة فهي كارثة في مساجد مصر .. وهي حقيقة لا مفر من مواجهتها.
لا أدري .. ولا أعقل .. ولا أقبل .. أن يكون المسجد أقل نظافة أو جمالاً أو رعاية من أي بيت حوله أو فوقه أو بجانبه، ومع ذلك فإن بيوتنا أجمل من مساجدنا، ولا أطيق فكرة أن تكون بيوتنا فوق المساجد .. بمطابخها ودورات المياه فيها، وشاشات التلفاز التي تعرض ما يليق وما لا يليق في تلك المنازل .. بل أنني أشعر بالحزن عندما نصف عناوين بيوتنا أحياناً فنقول .. “فوق مسجد كذا “.. كم هي عبارة غير مناسبة .. والمؤسف أنها تكون صحيحة!
قد لا يكون هناك مانع شرعي من أن يبنى منزل فوق مسجد، ولكن محبتنا لبيوت الله واحترامنا لها يجب أن تمنعنا من أن نقيم عمارات بأكملها فوقها .. ما دمنا نملك من المال والموارد ما نستطيع به أن ننشيء مساجد كبيرة تليق برسالة تلك المساجد وقدر محبتنا واحترامنا لدين الله. الأغرب .. أن نبني العمارة أولاً .. ونبيعها ثم نبحث عن بدروم أو محل لم يؤجر لنجعله مسجداً. لو لم يعد لدينا من الموارد المالية ما نملك أن نبني به مساجد لائقة .لكان الأمر مفهوماً .. ولكننا نبني ناطحات سحاب فارهة .. ونبني أسواق لا مثيل لها .. ونبني منتجعات للتصييف تنافس كل دول العالم .. ونبني قصوراً لأنفسنا لا يحلم بها الكثير من أغنياء الدول المجاورة .. ولكننا عندما نبني مساجد .. تخور الهمم وتضعف .. ونبحث عن الأسهل والأسرع .. ونقبل بأي مكان .. وأي مساحة .. ونعتذر لأنفسنا أن “شيء .. أفضل من لا شيء” .. ولكننا لا نقبل نفس العذر لبيوتنا ومنتجعاتنا ومكاتبنا وحتى أسواقنا.
أصبحنا نستهتر ببيوت الله .. رغم تديننا .. وورع الكثير منا .. وحب البعض أيضاً للإنفاق في بناء المساجد،. لقد حولنا بناء المساجد إلى البحث عن أي قطعة أرض فارغة لنحولها إلى مسجد .. ونبحث عن أي أثاث لنضعه في بيت الله .. ثم نوفر له أدنى درجات الرعاية والنظافة .. ونأتي له من منازلنا بالأثاث الذي يفيض عن حاجتنا .. وابتدعنا قولة ومثل لا يستقيم ولا يليق أن “ما يحتاجه البيت .. يحرم على الجامع” .. نفعل كل ذلك .. ثم نقول إننا قد أنشأنا “مسجدا” .. إننا لا نبني مساجد هذه الأيام .. وإنما نبني أماكن للصلاة .. ولسان حالنا بديننا أننا نستهتر ببيوت الله .. أو أننا غافلين عما نفعل .. أو لم نعد نكثرث ونتأمل .. وآسفاه! .. أنا أثق أن نية من أقاموا تلك المساجد نية فاضلة ونبيلة وأنهم يبحثون عن الأجر والرضا والمثوبة من الله تعالى، وأنهم جميعاً أفضل من كاتب هذه السطور بالتأكيد .. فهو لم يبن مسجداً .. ولكن لنتواصى بالحق .. أليس من الجميل أن نقيم أفضل مساجد بدلاً من أن نقيم “أي مساجد” .. لم لا تكون همتنا أكبر من مجرد أن يكون لدينا مكان للصلاة؟ لماذا لا نبين صروحاً شامخة يعبد فيها دين الله، وتشهد على عظمته ومحبتنا له؟ أهل الخير لا ينقصهم المال .. ولا تنقصهم الإرادة والعزيمة والهمة .. ولا يزايد عليهم أحد في محبتهم لدين الله .. وقد يكون الأمر فقط بحاجة إلى تنبيه واستدراك وتواصي بالحق.
هناك من سيتحركون على الفور للرد علي هذه الفكرة، بل وحتى الهجوم على ما كتبته يد صاحب المقال، واتهامه أيضاً بما لا يليق، وليكن كل هذا، وسيجتهد المحبون والمترفقون بحال صاحب المقال لإقناعه أنه متجني ومتحامل وغير مدرك لظروف الناس وحاجتها إلى المساجد للصلاة في كل مكان، ولهؤلاء أقول ابتداء .. قد تكونوا محقين .. ولكن ألا توافقوني أننا نملك أن نجعل مساجدنا أجمل وأكبر وأليق مما هو عليه الحال في هذه الأيام؟ افتحوا أعينكم وأنتم تدخلون المساجد غداً وبعد الغد وفي صلاة الجمعة القادمة، وانظروا إلى الحوائط التي تبكي حال من تحيطهم ولا يرعونها .. وأنظروا إلى الأرفف القديمة التي تحيط بحوائط المسجد، والمصاحف الممزقة وغير المرتبة .. والكتب غير المصنفة والقديمة التي لا تمتد إليها يد العناية والرعاية منذ أمد طويل .. انظروا إلى الأسقف لتروا أنواعاً مختلفة من الإضاءة المتهالكة .. والرخيصة .. والمختلفة دائماً ولا أدري لم؟ .. أسقف لم تمتد لها يد التنظيف منذ فترات طويلة .. وبها من التشققات والنتوئات ما الله به عليم .. نوافذ وشبابيك يعلوها التراب والصدأ والإهمال .. تأملوا في حال السجاد الذي تقفون عليه .. وفي حال دورة المياه التي توضئتم بها .. أو تخافون من فكرة الوضوء بها .. انظروا كيف تلقى الأحذية على الأبواب .. وكيف نتدافع عند الخروج من المسجد فندوس بأحذيتنا .. أحذية من تأخروا في الخروج من المسجد .. تأملوا في الحوائط المجاورة للمنبر، وفي حال المنبر، وفي اللوحات والملصقات والدعايات التي لا يجمع بينها إلا عدم الجمال وعدم النظام وقلة الترتيب .. ومع كل ذلك سيقول البعض .. أننا لا نستهتر ببيوت الله!
كنت في زيارة منذ فترة إلى تركيا .. ولفت نظري أن معظم المساجد هناك لها مآذن سامقة، ولا أتحدث عن المساجد التاريخية، وإنما عن المساجد التي بنيت في العقود الماضية. رأيت أنه في الغالب لا يوجد أي مبني أعلى من مئذنة المسجد في المكان الذي يوجد فيه بيت الله .. لفت نظري أن مكان الوضوء دائماً خارج المسجد بعيداً عنه كي لا يلحق المسجد أي نجس .. أو المشكلات المرتبطة بالماء والسجاد .. استرعى انتباهي أن المساجد الجديدة في تركيا ذات عمارة جميلة .. وينفق عليها بسخاء .. ويسعى أصحابها إلى أن تكون أجمل المباني في تلك الأحياء التي تقام فيها هذه المساجد، وليس في البدرومات أو على جوانب الأسوار كما يحدث في الأحياء الراقية في مصر .. بلد الإسلام.
أنا لا أتحدث عن أحياء الفقراء أو أحياء البسطاء في القاهرة مثلاً .. فقد يلتمس البعض العذر لهم أن المال غير موجود .. ولكن اذهبوا إلى أحياء الطبقة المتوسطة أو العليا في القاهرة وقارنوا بين بيوت الله .. وبيوت عباد الله .. لماذا اختفت المآذن أو أصبحت كالأقزام في مساجدنا الجديدة .. لماذا تتوارى المساجد وتئن بجوار العمارات الفاخرة، وكأنها غير مرحب بها في تلك الأحياء .. لماذا يتهرب البعض من الذهاب إلى المساجد بحجة أنها غير نظيفة، ولا نستطيع أن نقول لهم أنكم تكذبون .. رغم أننا نعرف أنها حجة .. ولكنها جارحة وصحيحة في كثير من الأحيان.
أنظروا كيف نجهز صالونات بيوتنا لاستقبال ضيوفنا نحن عباد الله .. وكيف نجهز قاعات مساجدنا ونرعاها لكي تستقبل ضيوف الرحمن .. المصلون! أليس في بيتك يا من تقرأ هذه الكلمات صالون لاستقبال الضيوف؟ أهو أنظف أو أجمل من بيت الله الذي تصلي فيه؟ دع هذا المقال جانباً .. وتذكر المكانين .. وقارن بينهما أيها القارئ الكريم؟ أقول لكل من يقرأ هذه الكلمات غنياً كان أم فقيراً .. متعلماً كان أم جاهلاً .. إذا كان صالون بيتك أجمل أو أنظف أو أليق من مكان الصلاة في المسجد الذي تصلي فيه .. فتوقف أخي الكريم .. وأختى القارئة .. فما هكذا يجب أن نعامل بيوت الله!
إذا كنت محقاً فيما أقول .. فما هو العلاج؟ لماذا لا يكون شهر رمضان في هذا العام هو الشهر الذي نطلق فيه مبادرة شعبية جديدة .. فكرة نرعاها نحن المسلمون .. لم لا نقوم بإنشاء “وقف عمارة بيوت الله” ليكون وقفاً نتكاتف جميعاً حوله يعنى أولاً بتحسين وتجميل وتنظيف بيوت الله القائمة، والتي تعاني من الإهمال والاستهتار للأسف الشديد، ثم يعنى ثانياً بإنشاء مساجد كبيرة جميلة في أحياء مصر المختلفة تليق بعظمة هذا الدين، وهمة من يحملون أمانته ورسالته في هذه الأزمنة المعاصرة، وثالثاُ لكي يتم توفير نظام مستمر ومستقر للحفاظ على نظافة المساجد ورعايتها والعناية بها بشكل دائم وعملي ومفيد، ورابعاً لكي يوفر لكل مسجد قائم ما يحتاجه من نظافة أو من أجهزة تكييف أو مراوح أو احتياجات أخرى ترغب المصلين في البقاء بالمسجد والراحة فيه، والعناية به. أليس هذا مشروعاً يناسب قدوم شهر رمضان الفضيل على أمة الإسلام، ويناسب رغبتنا في النهوض بأمتنا، ويحسن من تلك الصورة التي نتنادى أن نقدمها عن ديننا .. وتعبر عن علاقتنا واحترامنا وتقديرنا لبيوت الله!
لقد ترك لنا من سبقونا منارات ومساجد تدل على أنهم كانوا يحبون هذا الدين، وأنهم أحبوا أن تعرف الدنيا كلها عنهم ذلك .. فلو قبضنا اليوم .. فماذا سيقول من يأتي بعدنا عن المساجد التي سنتركها لهم .. وعن التراث الذي تركه لنا الأجداد .. من أراد أن يعرف سوء الحال الذي نحن عليه .. فليذهب إلى الأزهر .. منارة مساجد مصر .. ولينظر إلى مسجد الحسين المقابل له وليرى حالهما من الداخل .. ولينظر إلى حوائطهما الخارجية وقد تحولت إلى تكايا يستند عليها من يجلسون في مقاهي تلك المنطقة .. من أراد أن يعرف ما وصلنا إليه من استهتار بمساجدنا .. فيدخل المسجد الذي يصلي فيه .. وليقارنه بصالون منزله أو درجة نظافة البيوت المحيطة بهذا المسجد. ما سنتركه خلفنا .. سيدل بالتأكيد على حالنا، وعلى علاقتنا ببيوت الله!
عجبت واستوقفتني مقالة ذكرها لي مرشد سياحي في اسطنبول أن مساجد السلاطين العثمانيين كانت دائماً أجمل من قصورهم، وسألت نفسي هل مساجد أغنياء مصر أجمل من قصورهم .. وهل مساجد الطبقة الوسطى بمصر .. أجمل من بيوت أفرادها .. وهل مساجد البسطاء والفقراء في أرض الكنانة أنظف وأجمل من بيوت بسطائها .. الأجابة أننا بحاجة إلى وقفة .. وبجاجة إلى وقف .. الوقفة هي مع النفس .. والوقف هو “وقف عمارة بيوت الله” .. وهذا نداء لنتشارك في شهر رمضان في مشروع قومي للنهوض بمساجد مصر لتعود منارات تدل على تقديرنا لبيوت الله، وإدراكنا لقيمة تلك البيوت في حضارة أمتنا، ورغبتنا أن نبني بيوتاً لله في الأرض .. لتبنى لنا .. برحمة الله .. قصوراً في السماء .. فهل من مجيب .. وهل من مناصر لفكرة “وقف عمارة بيوت الله”؟

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]