أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

عد إلى التأمل !

عد الى التأمل.jpg

 

 

 

قبل أن يصل الإنسان إلى ما يراه الناس نجاحاً، يكون لديه في الغالب الكثير من الوقت ليتأمل ويفكر في مسيرة حياته وهو يلاحق متطلبات الوظيفة والأسرة والحياة ، ولكن بعد تحقيق النجاح ينشغل رجل الأعمال أو الشخص المتميز بتأكيد النجاح وتطويره ويتحول وقته من ملك خاص له إلى ملك مشاع لمن حوله من رفقاء العمل، والعملاء والجهات التي يتعامل معها.   

كما تصاحب هذه المرحلة في الغالب زيادة في الدخل المادي، ويصاحبها في الغالب استحداث وسائل جديدة للترفيه وقضاء وقت الفراغ، وغالباُ ما تكون تلك أنشطة مكلفة مالياً كالرحلات أو ممارسة الرياضات الجماعية مع رجال الأعمال الآخرين، أو المشاركة في الاجتماعات وحضور الاحتفالات وغير ذلك من التزامات وضريبة النجاح. تجتمع كل هذه المتغيرات لتحارب قدرة أي إنسان على توفير الوقت اللازم للتأمل والتفكير الهادئ فيما وصل إليه، وما هي خطواته التالية على طريق النجاح.  يبدأ بعض الناجحين في الاقتناع أن التأمل هو أمر ثانوي يمارسه العاطلون عن الأعمال، أو أنه ترف لم يعد يملكه لأنه أصبح من الناجحين، أو لأن طبيعة عمله تختلف عن الآخرين في أنه دائماً في اجتماعات وارتباطات، وكلها أعذار وحجج تريح النفس مما تطالب به، وهو أن يكون للإنسان وقت للتأمل والتفكير والحوار مع الذات ، القدرة على توفير الوقت والمناخ اللازم للحديث مع النفس بشكل دوري هي أحد الوسائل الضرورية للحفاظ على النجاح وتنميته. 

كثيراً ما نسمع من بعض من كانوا ناجحين يوماً ما .. أنه لم يكن لديهم الوقت الكافي عندما نجحوا كي يستمتعوا بالنجاح، ولم يكن لديهم الوقت الكافي كذلك لكي يخططوا آلية الحفاظ على هذا النجاح، وأظن أن كثير منهم لم يكن لديه فرصة كافية للتأمل قبل أن يضيع النجاح. ليس هناك تعريف محدد للتأمل، فالبعض يعرفه “أنه أسلوب لتغيير السلوك تجاه الحياة ينشأ من داخل قرارة الإنسان” .. 

 ويذكر دافيد هارب أن التأمل هو “فن السيطرة الذاتية الذهنية على العقل والأفكار وتدفق الصور أو منع تدفقها أو تغيير اتجاهها ونوعيتها”، ويري بعض علماء المسلمين أن “التأمل كان فرضا على الانبياء ولم يبعث نبي الا سبقت رسالته فترات تأمل طويلة كما حصل للنبي ابراهيم عليه السلام وهو يتامل النجوم والكواكب والافلاك ثم ابعد من ذلك كله . وما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم من التحنث الليالي الطوال أي الذهاب للغار في الجبال والتفكير ثم الاتصال الصحيح بالنفس والكون”.  لابد إذن أن يكون التأمل مهماً لمن يسيرون على درب النجاح.

التأمل ضروري للناجحين، وفقدان القدرة أو نقص الوقت اللازم للتأمل ينقص من قدرة وكفاءة أي إنسان، فما بالك بالناجحين الذين هم في أمس الحاجة إلى التأمل لكي يحافظوا على النجاح ولكي يطوروه أيضاً.  يقول الباحث الغربي دايفيد هارت حول أهمية التأمل “إن العقل إن تُرك لحاله ، عاملاً حسب قوانينه الذاتية فإنه سيظل يطحن نفس الأفكار ونفس الصور وانعكاسات الحواس وبالتالي ينتج نفس المشاعر، سواءً المحزنة الكئيبة المملة منها أو السارة المفرحة زائفة السرور والتي قد تعقبها في النهاية خيبة موجعة .. هنا يلعب التأمل الدور الأخطر في أن يسلمك قيادة العقل وبدلاً من أن يتحول عقلك إلى دكتاتور كريه ومزعج ومهيمن يقلب شؤون حياتك ويديرها بحريته ، فإنه عبر التأمل يمكن أن يتحول إلى جهازٍ منضبطٍ مفيدٍ توجهه أنت ذاتك حيث تريد وبالاتجاه الذي تريده”. إتاحة الفرصة للنفس لكي تتأمل ما حولها .. هي بذاتها خطوة تجارية وعملية بناءة وهامة.   ينقل عن جيف بوزيس، رئيس مجلس إدارة شركة أمازون دوت كوم الشهيرة في مجالات التجارة الإلكترونية وبيع الكتب عبر الإنترنت أنه لا يعمل يوم الأربعاء من كل أسبوع، وأنه يمضي هذا اليوم كل أسبوع في التجول بحرية ودون هدف محدد في الأسواق ليتأمل كيف يقوم الناس بالشراء .. وليتعرف على طبائع المجتمع حوله .. ولكي يتيح لنفسه فرصة التخلص من كل أعباء العمل ويستبد ذلك بالتفكير الحر فيما يقوم به من مشروعات.  

والتأمل الصحي يختلف عن أحلام أو كوابيس اليقظة في أنه يركز على تكثيف اللحظة الراهنة وليس العودة إلى مشكلات الماضي أو السباحة في أحلام المستقبل.  اهمية التأمل هو في مسانده لكل منا على إدراك قيمة ومتعة وأهمية اللحظة الراهنة .. وأعني بذلك “الآن” في مقابل الأمس أو الغد.. كثير من رجال الأعمال المتميزين والمحافظين على النجاح يعطون للتامل مساحة هامة من حياتهم وأوقاتهم لما له من فوائد ومزايا لا يعرفها إلا من يمارس التأمل بانتظام. للتأمل أربعة فوائد هامة وأساسية لمن يريدون استمرار التفوق والتميز في الحياة.  أولا: يعطيك التأمل من الناحية العملية القدرة على أن تقيم وتحاسب نفسك على أفعالها، وقديماً قيل: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا” كيف يمكن لأي إنسان أن يحاسب نفسه إذا لم يتح لها الفرصة لكي تحدثه وتتناقش معه، ويسألها عما تفعل، لا يمكن أن يحدث هذا عندما يحرم الإنسان .. أو يحرم نفسه من فرص التأمل والتفكير الحر.  وأما الفائدة الثانية من تخصيص الوقت اللازم للتأمل  فهي تكمن في أن الحفاظ على النجاح لا يقتصر على محاسبة النفس فيما يتعلق بتقييم القرارات العملية والعلاقات التجارية فقط. هناك بعد ثاني هام للتأمل، وهو المرتبط بالقيم والأخلاق والمعتقدات وارتباطها بالأعمال.

 أحياناً تتسبب القرارات التجارية في تكون نوع من التصادم بين ما هو لائق تجارياً .. وبين ما هو مقبول لأصحاب القيم والمبادئ والأخلاق .. ولا تتضح طبيعة تلك المصادمات وموقف الإنسان منها إلا عندما تتاح له الفرصة الكافية لتأمل مسيرته العملية وتصرفاته التجارية.  أحياناً يختفي التأمل من حياتنا ليس لأننا لم يعد لدينا وقت، ولكن لأننا نحاول الهروب من تلك اللحظة القاسية التي علينا فيها أن نواجه أنفسنا أو ننظر في المرآة لكي نتعرف على ذلك الإنسان الذي يظهر أمامنا في المرآة .. وكيف حوله النجاح .. أو كيف دمره.  أحياناً يكون الهروب من التأمل هو هروب من المواجهة.  وكما يقول دافيد هارت حول أهمية التأمل “هناك قيمٌ كثيرةٌ تحتاج منّا بين الفترة والأخرى التركيز عليها بشكل خاص ، لما لها من أهمية كبيرة في تعزيز صحتنا النفسية وتعميق التوازن السيكولوجي”. والفائدة الثالثة للتأمل هو أنه يتيح الفرصة الضرورية لاستيعاب الدروس من التجارب والأعمال والعلاقات.  كم من مرة مررت بتجربة هامة في حياتك، وكنت تشعر بالحاجة لأن تتعلم منها الكثير، ولكن بسبب كثرة انشغالاتك بعد تلك التجربة لم تدونها، ولم تتأمل فيها، ولم تستطع أن تختزن الخبرات التي يمكن أن تكون مفيدة لك في المستقبل من تلك التجربة .. وبمجرد مرور فترة من الزمن يصعب عليك حتى تذكر تلك الدروس والخبرات.  

ولكن عندما تتيح لنفسك فرصة كافية للتأمل بعد المرور من تجربة هامة أو الانتهاء من مشروع مرهق، فقط حينها يمكن للعقل أن يعيد ترتيب الدروس المستفادة من تلك التجربة أو المشروع، ويمكن أيضاً أن يسمح لهذه الدروس أن تعيد تشكيل القناعات من اجل نجاح أكبر في المستقبل.  التأمل هو الطريق الوحيد لتحصيل تلك الفوائد من التجارب السابقة. وأما الفائدة الرابعة من التأمل فهي تكمن في إتاحة الفرصة للعقل ليتمازج مع القلب والوجدان في انطلاقة حرة متأملة في الكون، وهذا أحد أهم مصادر الإبداع ونشأة الأفكار الجديدة وغير المسبوقة.  يلاحظ كثير من الناجحين أن أفكاراً رائعة تنبثق من أذهانهم عندما يسافرون بالطائرة وحدهم مثلاً .. وسبب ذلك بالتأكيد هو أنه السفر بالطائرة يجبر المرء في أحيان كثيرة على التأمل لمدد طويلة. أما كيف نوفر الجو المناسب للتأمل، فلابد أن تكون البداية من النية والرغبة .. ثم توفير الوقت بشكل دوري للتأمل .. وكذلك توفير المكان الملائم والمريح والخالي من المنغصات لكي تتاح للإنسان الفرصة اللازمة للاستفادة من التأمل. 

أعرف البعض ممن يعشقون الجلوس أمام البحر للتأمل، وهناك من يترك منزله، ويذهب إلى فندق لكي يمضي ليلة أو أكثر وحده متأملاً في تجاربه وقيمه ومشروعاته .. وهناك من يحب التأمل وهو في مكتبه .. اختر لنفسك البيئة الملائمة لها والوقت الكافي للتأمل والتفكير .. واجعل بجانبك ورقة وقلم .. لتصطاد الأفكار التي ستتدفق فور أن تسمح للتأمل أن يسري في جسدك وعقلك وقلبك ويمزج بينهم لمساعدتك على التقدم في مسيرة الحياة. ولابد أن نفر ق بين التأمل والتفكير .. التأمل سباحة حرة يتمازج فيها العقل والعاطفة والوجدان والكون وآثار من يحيطون بنا من أشخاص .. التأمل هو إطلاق قدرات العقل دون أن يبحث عن وجهة بعينها أو نقطة وصول .. أما التفكير فهو عملية ذهنية تقاس بمقاييس الربح والخسارة والمخدلات والمخرجات، ولها بداية ونهاية ووسائل وغايات .. التأمل أظنه فناً .. بينما التفكير علم .. وبين الفنون والعلوم من الفوارق الكثير. التأمل يمكن أن يساعد أي إنسان متميز في تقييم أدائه .. ومراجعة قيمه ومبادئه .. والاحتفاظ بالدروس والعبر من تجاربه .. وأخيراً ابتكار الأفكار الجديدة المساندة للمزيد من النجاح .. التأمل ليس فقط محاسبة داخلية على الأفعال .. ولكنه أيضاً أرقى صور محاسبة للنفس على أنماط وطرق التفكير .. 

أي أنه يمكن أن يشار إليه فلسفياً على أنه التفكير في طرق وأنماط وكفاءة التفكير .. أو هو “التفكير .. حول التفكير”. ألا يكفي كل ما سبق لأن يحرص الناجحون على وقاية أنفسهم من مرض “فقدان القدرة أو الوقت أو الرغبة في التأمل والتفكير” .. وهو مرض عضال يصاب به الناجحون أكثر من غيرهم؟

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]