أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

أخلاقنا .. إلى أين !

ramadan-kareem-1.jpg

 

أخشى على أمتنا ودولنا ومجتمعاتنا من جرأتنا على الله تعالى .. ومن تردي الأخلاق في مجتمعاتنا .. رمضان لهذا العام مختلف كثيراً عن الأعوام الماضية .. المجاهرة بالفساد وانحطاط الأخلاق تتزايد بشكل لافت للأنظار .. والإعلام أصبح أكثر جرأة في التعدي على الشهر الكريم .. مسلسلات ذات عناوين مسفة .. وموضوعات لا تليق بالشهر الكريم .. وزيادة نسبة مشاهدة توحي أن أمتنا لا تسير في الطريق الصحيح .. أنحسار وانزواء للكثير من الدعاة والمصلحين ، وانشغال بعضهم في قضايا لا تناسب حال الأمة .. وبأسلوب خطاب لا يناسب العصر .. وبتجاوزات شخصية من بعضهم تطعن في مصداقية ما يقولون وتحرم العامة من الانتفاع بعلومهم.
أنفلونزا الخنازير توشك أن تتسبب في إيقاف عجلة الحياة والتعليم في بلداننا .. الأمراض والأوبئة تتالى وتتعاقب بشكل لم يسبق أن مرت به أمتنا في تاريخها المعاصر بهذه الوتيرة السريعة والمتتالية .. الأزمات المالية الخانقة تعصف بواقعنا .. والأزمات الأخلاقية توجع كل من يسير في شوارعنا .. وحتى النظافة والتعامل مع القمامة أصبحت مشكلة يومية لا نكاد نجد لها حلاً .. ولابد من وقفة نسأل فيها أنفسنا .. كيف يحدث لنا هذا ونحن أوتينا من عناصر النجاح ومقوماته الكثير .. هل المشكلة في الحكم أم المحكومين .. أم هي ظروف عالم اليوم .. أم هو انعدام الرؤية والهمة .. ما الذي يحدث لنا .. دعوني أجيب عن هذا السؤال بالعودة إلى التاريخ.
هناك علاقة وطيدة بين انهيار المجتمعات والمدن بسبب الأوبئة والأمراض والكوارث الطبيعية، وبين تهاوي الدول عندما تفقد عوامل البقاء الأخلاقية، وينهار البناء الاجتماعي الذي يحفظ تماسك المجنمع وعلاقة الأغنياء مع الفقراء، والأقوياء مع الضعفاء، وهو ما تظهره الأوبئة الكوارث الطبيعية والأزمات بشكل سريع ومفاجئ، وهو ما يلاحظه المراقبون لبلادنا.  ولنعد إلى التاريخ فقد نجد فيه عظة وخبرة يمكن أن تفيدنا في واقع اليوم.
هل سمعتم عن “بومبيي” .. إنها مدينة إيطالية كانت موجودة منذ ما يقارب من ألفي عام .. “بومبيي”  كانت ميناء تجارياً هاما في شمال إيطاليا على ضفاف نهر “السامو”، وكانت مدينة غنية ومترفة .. ولكنها أصيبت ذات يوم بكارثة مخيفة .. فقد انفجر بركان وتجمدت الحياة في تلك المدنية في ثوان معدودة .. وإلى الأبد.. ولكن بقيت “بوميي” حتى اليوم .. حفظتها الحمم البركانية كاملة بواقعها وفسادها وعهرها تحت الرماد لقرون طويلة ليعرف العالم بعد اكتشافها كيف كانت الأمبراطورية الرومانية تعيش ..سرعة تساقط الحمم جمد الناس في أماكنهم .. وحفظ ما كانوا يفعلون في حياتهم لحظة البركان .. وحفظ بيوتهم واللوحات التي كانت على حوائطها .. والممارسات الأخلاقية الدنيئة التي كانت منتشرة بين أبناء المدينة .. من شذوذ وفساد أخلاق .. وبقيت شاهدة حاضرة يمكن رؤية الكثير منها اليوم.
في دقائق معدودة من يوم 24 أغسطس من عام 79م بعد الميلاد دمر بركان ضخم مدينة “بومبيي” Pompeii الرومانية.. انطلقت الغازات السامة من فوهة البركان لتقتل السكان في نفس الوقت الذي اندفعت فيه الحمم البركانية لتوقف الحياة في المدينة وتجمد كل ما كان يحدث بها من فعاليات الحياة اليومية ليبقى شاهداً تاريخيا على حياة تلك المدينة.
كانت “بومبيي” مدينة تزهو بالأغنياء والترف والمجون والرفاهية من ناحية، ويكثر فيها الفقر والعبودية من ناحية أخرى.  كانت تلك المدينة تمثل الإمبراطورية الرومانية بكل تناقضاتها وقوتها وموبقاتها قبل أن تزول تلك الحضارة وتنزوي في عالم النسيان.  حفظت الحمم البركانية المدينة بحالها لحظة انفجار البركان لتصبح بعد اكتشافها مرة أخرى في القرن السادس عشر شاهداً على نمط الحياة في ذلك الوقت، وكيف اجتمع للرومان عناصر القوة ومظاهر الانحطاط والانهيار في مجتمع واحد وفي مدينة واحدة.
كانت منازل تلك المدينة مزينة بصور إباحية تعبر عن أنواع من الفساد والمجون شديدة الانحطاط. كانت “بومبيي” تعكس انغماس الرومان في الملذات المحرمة والولع بالمال والسلطة أيضاً. كتب على أحد مداخل منازل”بومبيي”  (منزل سييريكو Sirico) عبارة معروفة وهامة في ذلك الوقت تلخص حياة سكان المدينة قبل أن تدفن المدينة تحت الحمم البركانية، وقبل أن تدفن الحضارة الرومانية في مدافن التاريخ.  العبارة كانت تعكس رغبات الشعب وأسباب انحطاط الإمبراطوريات .. كتب على أرضية مدخل المنزل عبارة Salve, lucru ، وهي تعني “مرحباً .. أيها المال”.
كانت الصور على جدران المنازل تمثل أحد صور الحياة في المدينة وفي الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت، وكانت صوراً فاضحة مخزية كأغاني وكليبات اليوم التي تظهر على شاشات التلفاز في كثير من بيوتنا.  لم تكن هذه الصور والرسومات الفاضحة في الملاهي أو محلات بيع الرزيلة فقط، بل أنها كانت أيضاً مرسومة على حوائط بعض منازل العامة .. كما يحدث في حالنا اليوم .. وما يظهر على شاشات التلفاز في بيوتنا.  ولشدة فساد هذه الصور والرسومات الكثيرة التي احتفظ بها بركان عام 79م وحفظها لنا .. فقد رفض معظم حكام تلك المنطقة في إيطاليا طوال القرون الماضية وحتى أعوام قليلة مضت أن توضع هذه الصور والرسوم في متاحف عامة لشدة الفجور الذي تحتويه، ولم يسمح بذلك إلا في فترات محدودة للغاية طوال تلك القرون.  حفظت الحمم البركانية صور الحياة الداعرة والممارسات الشاذة لسكان تلك المدينة كما هي بكل بشاعتها وقذارتها لتصبح مزاراً سياحياً ضخماً يفد إليه ملايين البشر في كل عام للتعرف على نمط الحياة في تلك الإمبراطورية التي زالت.
قتل الفقراء في “بومبيي”، بينما فر الأغنياء مبكراً لأنهم عرفوا من جفاف الآبار أن البركان سينفجر، وكانوا أيضاً يملكون وسائل الانتقال التي مكنتهم من مغادرة “بومبيي” إلى القصور والمنتجعات المحيطة بتلك التلال الإيطالية بعيداً عن مسار الحمم البركانية، وتركوا خلفهم الفقراء والعبيد ليكونوا فريسة للبركان. فهل يفر أغنياء اليوم عندما تحل ببلادنا الكوارث التي يمكن أن نتسبب فيها جميعاً .. أغنياء وفقراء .. مثقفون وعامة .. حكاماً ومحكومين؟ وهل يمكن أن تصيبنا كوارث وأوبئة بسبب ما نفعله .. أم أنها أمراض وأحداث طبيعية لا علاقة لها بتردي الأخلاق؟
أن كل ما يحدث في الكون إنما يحدث بتدبير الخالق جل وعلا الذي يقول في كتابه الكريم: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [ القمر: 49]،  وأن كل قطرة ماء أو سحابة أو ريح أو فيروس أو ميكروي أو ما أشبه فإنها كلها تتحرك وتحدث بسبب ظواهر طبيعية يمكن معرفتها علمياً، ولكنها في النهاية تخضع لأوامر الخالق جل وعلا، فتصيب من يشاء سبحانه بالعقاب، وتأتي بالمنفعة أو تمطر الخير لمن يشاء.  لذلك فلا عجب أن يكون المطر خير لقوم، وعقاب لآخرين.
لا يملك أحد أن يقطع بحكمة الله فيما أصاب تلك المدينة منذ ألفي عام فهذا أمر الله، وهو أعلم بحكمته، ونحن لا نستطيع أن نجزم بأن هذا عقاب الله، فنحن لا نحيط بقدرته ولا بقوته سبحانه وتعالى، ولكننا جازمين بأن كل ما يجري في هذا الكون خاضع لله القدير الحكيم، وهو الذي أخبرنا عن عقابه لمن يستكبرون في الأرض، ويظلمون الخلق: “فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ” [ سورة فصلت – سورة 41 – آية 15 ]
وكما أننا لا نستطيع أن نجزم أن ما حدث كان عقاباً إلهياً، فنحن بالمقابل لا نستطيع ان نجزم أنه لم يكن كذلك.  ما المانع أن يعاقب الله تعالى أقواماً بالريح أو ما دونها إن أراد ذلك لسبب يعلمه هو سبحانه وتعالى.  كيف نجرؤ على القطع بمعرفتنا بحكمة الله سواء عند توقيع العقاب، أو عند ابتلاء الشعوب.
إن من المهم أيضاً ألا يقع العقلاء فيما يحاول أنصار ودعاة التحرر من الأديان أن يجبروا الشعوب على قبوله أو يخيفوها من الجهر بما يخالفه، ألا وهو إنكار أن ما يحدث من أحداث الكون يمكن أن يكون عقاباً او مكافأة إلهية.  يسعى هؤلاء إلى الهجوم الشديد على كل من يطرح فكرة ان بلادنا أو غيرها من الدول أو الشعوب يمكن ان تعاقب عقاباً إلهياً بالمطر أو الريح أو البراكين أو الأمراض أو الأوبئة أو الأزمات المالية أو ما أشبه.  ولسان حال هؤلاء هو نفس موقف الإنكار الذي ذكره الله تعالى عن قوم عاد عندما شاهدوا السحب تتجمع في السماء فلم يصدقوا أنها يمكن أن تكون عقاباً لهم: “فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ” [سورة الأحقاف: 24]
لقد كانت الريح عبارة عن عذاب أليم لهم ولغيرهم من الأمم التي خلت، فلماذا نستكثر على الله تعالى أن يعاقب شعباً ما أو دولة ما بعقاب ما لعلهم يرجعون، أم أن النفوس قد انشغلت بالانبهار بالعقل أو الخوف منه حتى أصبحت لا تقدر على تخيل أن يعاقبها الله تعالى.  لقد جاءت الآيات التالية من السورة لتشرح أن الفهم والسمع والأبصار قد لا تعين أصحابها إذا أصروا على الاستكبار والمعاندة.  فيقول الله تعالى: “وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون [سورة الأحقاف: 26]
مجتمعاتنا ليست معصومة عندما تتخلى عن الأخلاق .. والمدن ليست أبدية. فهي كائنات تتطلب توازنًا مناسبًا من العناصر المكونة لها كما يقول الكاتب الأمريكي جوناثان آلتر. والتاريخ مليء بركام المجتمعات والمدن البائدة، وإن كانت “بومبيي” الرومانية هي من بين المدن الكبرى التي زالت بفعل كارثة طبيعية، فإن أغلب تلك المدن الأخرى قد فنت لأن الحضارات التي كانت تقطنها فقدت بوصلتها الأخلاقية – فقدت روحها – ومعها تلاشت قدرتها على أن تبدع وتجدد وتعيد البناء. يقول المؤرخ لويس ممفورد في رائعته “المدينة عبر التاريخ”  The City in History  إنه “عندما تتراكم عوامل الفناء العفوية فإن مدينة الموتى تكون قريبة، وإن لم يسقط أي حجر”.  لنحذر أن نحول مجتمعاتنا ومدننا إلى مدن موتى تتراكم عليها اللعنات بسبب كثرة الخبث .. وشيوع الفساد .. وسيادة انفلات الأخلاق .. فكلها عوامل تؤدي إلى الكوارث .. ولندع الله في أيام رمضان المباركة أن يقي بلادنا شرور فساد أخلاق البعض منا .. أو كثير منا!
 

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]