أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

مزايا دبي !

60956_149523035082010_149501251750855_278586_679066_n-300x196.jpg

بي ظاهرة مستفزة للكثير منا .. هي مبهرة .. وهي ماجنة .. تتحدى باستفزاز تقاليد منطقتنا .. ولكنها ترسخ وجود تقاليدنا في نفوس خصومنا أيضاً .. نتحدث عن أنها بالونة توشك أن تنفجر .. ومن داخلنا يتمنى كثيرون ألا يحدث هذا .. ونراه في نفس الوقت منطقياً أن يحدث .. بل نظن أحياناً أنه لابد أن يحدث.

يسخر البعض من دبي، ولكنه يقضي عطلاته فيها .. نفزع من جرأتها على القيم أحياناً .. ولكننا في نفس الوقت لا نملك إلا الانبهار من جسارة مشروعاتها.. نرى فيها مزيج غريب عجيب صارخ من التناقضات، ولكن .. لعلها تستفزنا جداً لأنها أكثر صراحة وجرأة ــ تصل أحياناً إلى القبح ــ في التعبير عنا .. عن تناقضات تحيا في مجتمعاتنا .. بل في نفوس الكثير منا .. وليست تناقضات فئة بعينها في المجتمع .. بل تكاد تلمس تلك التناقضات في المتدين والعلماني على حد سواء .. في الكبار والصغار .. الرجال والنساء .. وكأن دبي تفاجئنا في أنها تعبر بوضوح عن مشكلاتنا ومصائبنا وأحلامنا في نفس الوقت.
دبي ظاهرة اجتماعية أكثر بكثير من مجرد كونها طفرة اقتصادية أو حلم شخص أو أسرة مالكة .. أو حتى دولة .. هي ظاهرة لابد من الوقوف عندها .. للفهم أولاً .. فهي ليست ظاهرة بسيطة سطحية يمكن أن تختزل فقط في العمران والإبهار .. أو في إشاعة الفساد أو السماح بالمجون .. دبي ظاهرة ليس من الممكن أن تختزل في قبول أو رفض .. وليس من المنطق أن نسعى لكي نكون رأي مطلق حولها أيضاً .. إنها أعقد من ذلك بكثير.
أتأمل حفل افتتاح برج دبي (أو برج خليفة كما سمي يوم الإعلان عن افتتاحه) .. برج مستفز للغاية .. 1.5 مليار دولار في إمارة على شفا كارثة اقتصادية .. ولكنه أيضاً مشروع جميل .. وحلم لابد أن نزهو به .. ليس لأنه برج مرتفع شاهق الارتفاع فقط .. ولكنه برج بنته شركة عربية .. صحيح أنها استخدمت كل خبرات العالم في ذلك، ولكن هذا يحسب لها ولا يحسب عليها .. برج دبي مستفز أيضاً لأنه لا يتفوق على الأبراج المنافسة بأمتار كالعادة في هذا المجال .. وإنما بعشرات الأمتار .. (أكثر من 200 متر أعلى من أعلى الناطحات التي سبقته) .. وهو أمر مستفز للغاية ومبهر أيضاً .. ويذهب البعض إلى أنه يمثل طفرة حقيقية في بناء ناطحات السحاب .. أذكر أن صاحب شركة إعمار قدم فكرة برج ارتفاعه 55 طابقاً منذ عدة أعوام إلى حكومة دبي وقتها .. فما كان من الحاكم إلا أن طوى الرسوم .. وأخبر صاحب الشركة أنه لو أراد أن يبني برجاً فلماذا يبني فقط مبنى مرتفعاً .. لم لا يبني أعلى الناطحات! إنه تفكير مستفز ولكنه في هذه الجزئية مثير للإعجاب.
مستفز أيضاً كان التناقض الذي قدمه حفل الافتتاح الذي كان يحاول أن يقدم دبي كأنها كيان غربي مولع بتقليد الغرب .. وفي نفس الوقت كان حكامها وكبار ضيوف احتفالها بملابس تقليدية ووجوه كان واضحاً أنها ليست متآلفة مع أساليب الاحتفال الغربية.. ولكنها مضطرة إلى المشاركة فيه .. هكذا شعرت وأنا أنظر إلى كبار الضيوف في حفل افتتاح برج دبي .. تحفة معمارية عالمية بكل المقاييس، وإبهار غربي على أعلى مستوى .. ولكن يقف على رأس المشاهدين .. بل والمفكرين للمشروع مجموعة من الرجال بثياب عربية .. ووجوه تحتفل على الطريقة العربية البحتة .. بتجهم غير مفهوم ولا يتفق مع نمط الاحتفال الغربي .. التناقض كان يخيم على الاحتفال .. ليس تناقض في جو الاحتفال .. ولكنه تناقض في المزاج العام المحيط به .. وفي الإطار الاجتماعي والزماني والاقتصادي الذي يظهر فيه برج دبي .. وهو أيضاً يصفع الغرب بشدة وبحق .. الغرب لا يستطيع أن يتقبل فكرة أن تنتقل ساحات المنافسة والإبهار إلى عالمنا.
نجحت دبي في أمر لابد أن نقر لها به .. لقد أثبتت دبي بما لا يقبل مجالاً للشك .. أن التقدم المدني يمكن أن ينتقل من أي مكان لأي مكان دون أن يعبر ذلك عن تفوق حضاري بالضرورة .. أثبتت أيضاً أن الغرب الذي احتكر بعض علامات ومظاهر التقدم المدني والعمراني .. يمكن أن يبيع نفس تلك العلامات والمظاهر لمن يدفع أكثر .. وفي المقابل فإنه من السذاجة أن نعتبر أن برج شاهق يمكن أن ينقل دولة من مصاف الدول النامية إلى مصاف الدول الكبرى .. الأمر ليس بهذه البساطة التي يحاول البعض ترويجها.
نجحت دبي أن تقنع الكثيرين في الغرب أن هناك فرص ضخمة في المنطقة العربية، واستطاعت دبي أن تجذب الكثير من العقول الغربية إليها .. ثم إلى الدول المجاورة لها، والتي بدأت تسابقها في اختطاف تلك العقول وتوظيفها محلياً. أصبح الكثيرون في الغرب مهتمون بالتعرف على دبي .. وعلى تلك المنطقة من العالم التي أصبحت وكأنها تمثل هوساً للغرب .. ولا شك أن دبي قد ساهمت في تشكيل هذا الهوس ودفعه أيضاً. وظهر في المقابل سباق محموم لتقليد مظاهر المدنية الغربية وليس جوهرها .. وتزعمت دبي هذا السباق المحموم في المظاهر وليس في الجوهر.. وظهر على الفور واقع لافت للنظر .. فالجوهر لا ينتقل بسهولة انتقال الهندسة والبنيان. تسائلنا جميعاً وراقبنا .. كيف ستتعامل دبي مع الجوهر العلماني الغربي للمشروع الحضاري الذي تحاول دبي أن تتقمص مظاهره .. وتتبعها على استحياء معظم دولنا أيضاً. الفارق في دبي أنها كانت دائماً أكثر صراحة وجراءة في المحاولة.
للأسف .. لم تنجح دبي أن تحافظ على جوهرها وتقاليدها .. ولم تنجح أيضاً في تقمص شخصية الغرب فهي مناقضة تماماً للمزاج الاجتماعي المحلي .. تحول التقمص إلى الولع بالقشور والمظاهر .. وأصبح السباق المحموم في منطقتنا .. هو سباق تقمص مظاهر التقدم العمراني .. أختزلت الحضارة في مباني جميلة شاهقة .. وأسواق كبيرة مبهرة .. وشوارع واسعة منسقة .. وكل ذلك جميل .. ولكنه ليس الحضارة ..
يمكن أن نقيس الحضارة بسهولة إذا سألنا عن المشروع الفكري الذي يحمله الأفراد ويدافعون عنه ويكتبون حوله .. عن عدد المبدعين أو براءات الاختراع في نفس تلك الدول التي تتسابق على التطاول في البنيان .. ماذا لو سألنا عن مستوى طلبة المدارس مقارنة بطلاب الدول الأخرى .. ماذا لو تساءلنا على القدرة على التصدير .. ليس فقط تصدير الأغذية .. وإنما تصدير نمط متميز للحياة .. أسلوب جديد للتعامل مع الواقع .. الحضارة هي نقلة في التفكير .. فهل نقدم للعالم انتقالة مميزة تجعلنا أهلاً لأن نكون دولاً متقدمة بحق! البنيان لن يكفي أبداً مهما ارتفع .. ودبي تحاصرنا بأنها تعبر عن هذا التناقض الماثل في نفوس الكثير منا .. وهي تقدم هذا التناقض بشكل صارخ يزعجنا فيه أنه انعكاس لما تخفيه بعض نفوسنا .. أو كثير منها.
لا أحاول في هذا المقال أن أمدح دبي أو أن أذمها .. ولكن أن ألفت النظر إلى تعقيد مشروعها العمراني وصعوبة تخيل أنه يعبر عن تقدم حضاري. وفي نفس الوقت أنا أظن أن هناك مزايا ضخمة من تجربة دبي .. وأننا بحاجة إلى دراسة هذه التجربة من منظور فكري وثقافي واجتماعي أيضاً .. قد تكون دبي هي شمعة .. أو جمرة تحترق لكي يستفيد آخرون منها .. وقد تكون شعاع أمل للبعض أن العالم العربي والإسلامي قادر على المنافسة في نفس تلك المجالات التي كان الغرب دائماً يباهي بها .. وقد تكون انعكاساً للتخبط المرافق دائماً لمراحل الانتقال الحضاري .. أو لمراحل المراهقة الحضارية.
وأخيراً فليس مهماً أن نصل إلى قناعة بأن تلك التجربة سلبية أو إيجابية .. ولكن الأهم أن نتعلم منها .. وأن ندرس أبعادها .. وأن نحسن الاستفادة من دروسها .. وفي هذه السياقات التي تجعل من دبي شعلة وجمرة .. والتي تجعل منها ممثلاً لعالمنا العربي والمسلم في بعض الطموحات .. وتجعلها كذلك نموذجاً غير مقبول للتنازلات التي تقدم من أجل الالتحاق بالغرب.
دبي التي تحمل كل ذلك ضمن مشروعها المعاصر يمكن أن تقدم للباحث الجاد الكثير عن مستقبل أمتنا وواقعها. بقاء دبي على حالها الراهن أمر أجد صعوبة في تصوره وسيثير بقاء دبي على حالها ارتباكاً كبيراً للبعض .. أما انهيارها فإنه سيكون صدمة مدوية للكثيرين في العالم وفي دولنا أيضاً .. وإذا اقتربت دبي أكثر من جوهرها وتقاليدها، وبدات تحاول مزج التقاليد العريقة والقيم النبيلة مع مظاهر التقدم المدني والعمراني فلن يقبل منها البعض ذلك، وسينبذها الغرب بقوة مدوية، وبأسلوب لا رحمة فيه كما علمنا الغرب دائماًَ .. وستجر منطقتنا معها أقرب إلى مواجهة حقيقية مع بعض القوى الكارهة لأمتنا في الغرب، وهو أمر يراه كثيرون مستبعد ولكنه أيضاً يدخل في دائرة احتمالات مستقبل دبي ..
ستبقى دبي في الأعوام القادمة مستفزة للجميع .. تحفظ البعض على التفكير في ما كنا نظنه غير ممكناً في منطقتنا .. تدفع علاقتنا بالغرب إلى آفاق متنوعة وخطيرة أيضاً .. تتجرأ في المزج بين ثقافة الغرب وبين قيم الشرق .. وتقع في أخطاء كارثية في هذا الشأن .. ولكنها مع ذلك تستمر في دفع ذلك المزج إلى الأمام .. وهي بسبب كل ذلك وبسبب استفزازها لنا جميعاً ملهمة للباحثين .. ولذلك فإن دبي بحاجة إلى العديد من الدراسات التي تساعد أمتنا في فهم ظاهرة التمدن التي أتمنى أن نحسن استخدمها بصرف النظر عن تقييمنا لتجربة دبي ذاتها، فهي دولة من كيان ضخم يحاول أن ينهض، ويتعثر من أجل ذلك كثيراً، ولكن المستقبل له بإذن الله .. وأرجو في ذلك المستقبل أن تكون دبي شعلة وليست جمرة .. وأن تكون ضياء مستمراً .. وليست شمعة تخبو عن قريب وتحترق لأنها لم تضع لنفسها ولم تراعي سنن الله في بقاء الأمم والحضارات

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]