أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

انحطاط المشهد أم الكلمات

16.jpg

 

 

كانت الطائرة تحلق ليلاً في سماء البحر الأحمر متجهة شرقاً .. وأضواء الأراضي المقدسة وخير بقاع الأرض تكاد تلمحها في الأفق البعيد .. نحن نقترب من المطار وبعد قليل ستبدأ الطائرة في الهبوط .. كانت شاشة التلفاز أمامي تعرض أحد الأفلام الأجنبية، والذي اشتهر في العامين الأخيرين.  لفت نظري أن الفيلم قد تم تعديله بحيث تظهر غلالة إلكترونية رقيقة وشفافة لكي تظلل أو تخفي قليلاً بعض مظاهر العري والملابس غير اللائقة التي يرتديها بعض الممثلين والممثلات في الفيلم.  تساءلت عما يجبرنا أن نختار أفلاماً لا تناسب قيمنا لنعرضها على مئات المسافرين في طائرة واحدة، ثم نحاول أن نخفي ما لا نراه مقبولاً، ولكننا نخفيه على استحياء كذلك وكأننا نخجل مما نفعل.

أليس هذا في ذاته سوء اختيار أو طريقة غير مناسبة للالتحاق بمظاهر الحضارة الغربية حتى فيما لا يناسب حياتنا؟  الأفلام الغربية بحق شيقة ومحبوكة .. وتعالج أفكاراً متنوعة، ولكنها في مجملها غربية وغريبة أيضاً.  لعل عدم وجود أفلام عربية لائقة هو سبب اختيار شركة الطيران لتلك النوعية من الأفلام الغربية غير المناسبة لا في موضوعها ولا في ملابس ممثليها ولا في الفكرة التي تطرحها لكي نشاهدها ونحن في طريقنا إلى خير البقاع!  حدثت نفسي: ومن أنت لتحكم على فيلم غربي .. أو لتقيم اختيار شركة طيران كبرى  .. أو لتهتم بما سيشاهده 300 راكب على الأقل في كل رحلة من رحلات تلك الشركة، كحال ركاب الطائرة التي أنا على متنها.  ولعلي لا أكون ذا قيمة لأحكم أو أقيم .. ولكني أهتم.  كان هذا الحوار يدور في ذهني وأنا أنظر في الأفق البعيد .. فأرى أضواء مكة هناك تعانق أبصار الحالمين بزيارتها والمتيمين بالشوق إليها.

عدت لأنتبه لهذا الفيلم الغربي على الشاشات أمامي .. وفاجأتني عبارة مترجمة ظهرت بالعربية على الشاشة لحوار يجري بين رجل وامرأة في غرفة نوم .. الرجل يبدو أنه سيتزوج المرأة عما قريب .. وهما يتحدثان عن حياتهما فيما سبق، وتقول المرأة للرجل .. زوج المستقبل .. العبارة التالية التي أعتذر عن نقلها فهي غير لائقة .. تقول للرجل .. “أتصدق أنني لم أعاشر رجلاً طوال الثمانية عشر شهراً الماضية؟” .. هكذا كانت العبارة العربية على الشاشة .. كان رد زوج المستقبل .. “غريب .. لا أصدق .. لماذا حدث لك هذا؟” وترد عليه المرأة .. زوجة المستقبل .. وكأن عينها تدمع: “شغلني العمل كثيراً .. حتى عن هذا” .. الكاميرا تنتقل لتركز على وجه الرجل .. زوج المستقبل .. وهو يعجب لما تقول وكأنه يرثى لحالها أيضاً.  تابعت المشهد لأكتشف أنهما معاً في نفس الغرفة في بيت أسرة الرجل .. البيت الكبير للأسرة .. وأن أم الرجل هي من أصرت أن يتشارك الرجل والمرأة في غرفة النوم .. فهما سيتزوجان عما قريب .. فلا بأس أن يتشاركا الغرفة .. ينام ابنها مع خطيبته في نفس الغرفة .. على اعتبار أنهما بالتأكيد يعيشان معاً من قبل كالأزواج .. أو هكذا قالت لهما وهي تبتسم مغادرة الغرفة لتتركهما معا.

عدت لأنظر إلى أضواء الأراضي المقدسة التي أصبحت أقرب كثيراً من قبل .. وتتدافع الأسئلة وتتسابق إلى مخيلتي .. هل مناظر العري التي يتم إخفاء بعض ملامحها أسوأ من العبارات التي تترجم بكل وضوح على شاشاتنا لنقرأها ونسمعها باللغة الإنجليزية أيضاً لمن يفهمها، وهم كثير؟  هل المشاهد هي فقط التي تجرح القيم أم أن الكلمات قد تكون أكثر خطورة وأشد تخريباً من المشاهد في بعض ما يعرض علينا؟  ليس من العدل بالقطع أن نقول أن الغرب بأكمله قد فقد معاني العفة والفضيلة، وليس من الإنصاف أن نعتقد أن الأديان السماوية الأخرى لا تدعو إلى القيم النبيلة، ولكن هناك في الإعلام الغربي والشرقي أيضاً محاولات مستميتة ومتكررة ومركزة ترغب في قتل معاني الشرف والخير من مجتمعات البشر.  ولننظر إلى عشرات الأغاني ذات المشاهد والكلمات المخجلة التي تتراقص على الكثير من شاشات القنوات الفضائية العربية، وكأن العرب لم يعد لهم هم إلا الرقص أو مشاهدة الراقصات.  المشاهد والكلمات في تلك الأغاني لا تعبر بالتأكيد عن حال مجتمعاتنا، ولكنها تؤكد بوضوح أن هناك منا من يقبل على مشاهدتها وشرائها وتبادلها وحفظ كلماتها.  وهناك من يتمنون أن تتحول مشاهد وكلمات الأغاني إلى واقع نحياه ليحاكي الفيلم أو الأغنية الهابطة والقصة المجردة من القيم، ولا يجب أن نسمح لهم بتحقيق ذلك.

قبل سفري بليلة واحدة كنت أشاهد أحد البرامج الحوارية الهامة في الفضاء العربي، وكان المحاور ومقدم البرنامج يقدم فقرة تشاركه فيها فنانة عربية معروفة، ويطرح في الفقرة السؤال الاستفزازي المقصود التالي: “هل الأفضل للفتاة المحجبة أن تخلع الحجاب لتحظى بفرصة أفضل في الزواج”؟  الفنانة العربية لا تلبس الحجاب، ولكنها كانت تدافع بشدة وحرقة أن السؤال استفزازي وأنه غير صحيح وغير مقبول أيضاً.  المشاركات الهاتفية في أغلبها كانت تقول أن الفرضية نفسها خطأ، وأن الحقيقة هي العكس .. ففرص المرأة المحجبة في الزواج أكبر.  ومع ذلك يصر المقدم أن فكرته أصح .. تقول له الفنانة المعروفة .. كيف تقول ذلك .. وتستمر لتصف الفتاة المحجبة عن دين واقتناع أنها “قمر .. وملاك” ويعترض مقدم البرنامج ويصر على طرح الفكرة من جديد.  تتصل به امرأة تقول له إن لديها بنات غير محجبات، وأنها تظن أن فرصتهن في الزواج ستزداد لو ارتدين الحجاب، ولكن المحاور يرفض رأي الأم التي تبحث عن الخير لبناتها.  تعود الفنانة العربية لتقول له “كيف تخلع الفتاة المحجبة حجابها وتخسر آخرتها .. وقد لا تكسب الدنيا” يتجاهل المقدم كلام الفنانة العاقلة ويصر أن الفرصة ستكون أفضل للمرأة بدون حجاب فهي ستستطيع أن تظهر جمالها كما يقول .. وستتمكن من الخروج مع زوج المستقبل دون قيود أيضاً قبل أن يتزوجا، وستملك من وسائل الجذب ما لا تملكه ذات الحجاب (!).. هكذا كانت مبررات المحاور ومقدم البرنامج.

ما الذي يدفع هذا المحاور الذكي واللبق والمعروف بدعواته المتكررة إلى أعمال الخير في المجتمع، ولا يبدو لجمهور مشاهديه أنه معاد للدين والقيم .. ما الذي يدفعه إلى كل هذا الجهد في إنكار قيمة الحجاب أو دعوة البنات إلى التخلص منه؟   هل السبب هو الرغبة في زيادة المشاهدين أو المعلنين، أم البحث عن رضى آخرين في السلطة، أم أنها قناعات داخلية تحاول أن تقفز إلى السطح لتغير سمات مجتمع لا يرتاح مقدم البرنامج لوجود المحجبات فيه؟  لماذا نحاول الانقلاب على قيم مجتمعاتنا، وكأنها عبء علينا، وهي في الحقيقة مصدر رئيس لقوتنا.  أرى أن الأمر لا يرتبط فقط بالدين الإسلامي .. فحتى قادة الأديان الأخرى في مجتمعنا وغيره من المجتمعات يؤكدون على جدوى وأهمية القيم في حياة المجتمع، فلماذا نحاول الانقلاب عليها، ولصالح من يفعلون ذلك!

أرى أن فكرة الغلالة الإلكترونية فوق مشاهد العري على طائراتنا العربية مهزلة، وأظن أن الكلمات والأفكار في بعض وسائل إعلامنا أكبر خطورة وأشد بشاعة من المشاهد غير اللائقة في بعض القنوات وكلا الأمرين خطر لابد أن نقاوم انتشاره.  ليس كافياً أن نعترض ونحذر من أغنيات الفيديو كليب غير اللائقة أو مشاهد العري في بعض الأفلام عربية والغربية التي تسوق بقوة في المجتمعات العربية والمسلمة في الآونة الأخيرة.  من المهم كذلك أن نرصد انحطاط مستوى الحوار أو الأفكار في بعض وسائل الإعلام .. واستخدام الحريات المتاحة لنشر السموم عبر الفكر والحوار.  لقد صدق خير خلق الله عندما أخبر أصحابه أن حصائد الألسن .. من الكلمات والأفكار التي تعكسها الكلمات .. يمكن أن تتسبب في أن يكب الناس على وجوههم في جهنم.  فهل هذا ما نريد لآخرتنا؟  وهل هذا طريق صحيح لكي نقود إليه مجتمعاتنا؟  الكلمة أمانة وليس من الأمانة أن تتحول المشاهد أو الكلمات إلى طعنات تصيب قيم المجتمع في مقتل .. وليس لمن يحبون بلدانهم ويغارون عليها أن يساهموا في ذلك أو يدعمونه أو يسكتون على شيوعه كما يحدث في إعلامنا اليوم

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]