أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

البحث عن القاع

hwaml.com_1294359240_208.jpg

 

 

هناك منافسة غريبة ومحزنة تجري داخل المجتمع المصري خلال الأعوام الماضية.  إنها منافسة حول “البحث عن القاع”. 

ما أقصده أننا كلما ظننا أننا قد وصلنا إلى أدنى مستوى ممكن في أمر ما، نجد أن هناك من المبدعين من يراهنون على أنه “ليس بعد”، ويفاجئوننا بمستوى آخر وجديد من الهبوط والانحدار بحثاً عن قاع أبعد، وتدني أكثر، وانخفاض أكبر.  الغريب أن يكون هذا هو مجال المنافسة في وقت يتنافس العالم فيه على الرقي والانتقال إلى الأعلى والأفضل.  لا أقصد اتهام مجتمع يسعدني أن أكون منتمياً إليه، ولكني أحاول توصيف ظاهرة اجتماعية لافتة للنظر.

كنا نسمع عن المرتشين الذين يأخذون الآلاف من أجل تسهيل عمل ما أو صفقة ما في عالم السياسة والتجارة والأعمال .. كان المجرم في الغالب شخص مرتشي .. وشخص راشي .. أصحبنا بعد ذلك نسمع عن سرقات بالملايين يتشارك في صناعتها فريق كامل من موظفي بنوك مع موظفي دولة .. مع رجال أعمال .. مع محاسبين .. ومحامين أيضاً.  وانتشر أيضاً مؤخراً الحديث عن سرقات بالمليارات ينسقها ويعمل على تمريرها قيادات في المجتمع والسياسة مع شركات عابرة للقارات مع بعض من يسمون بكبار رجال الأعمال .. مع بعض المنحرفين من سلك القضاء أو المحاماة أو المحاسبة أيضاً.  ثم امتدت أيدي اللصوص إلى جيوب الفقراء والطبقات المتوسطة عبر حيل سوق المال، والتلاعب في أسهم الشركات، وخداع البسطاء بأوهام الثراء السريع من خلال خدع مالية تتظافر فيها وسائل الإعلام مع شبكات الإنترنت مع بعض كبار شركات الأوراق المالية مع عدد من رجال الأعمال ممن يتلاعبون في نتائج عمل الشركات، وإلى موظفين متنفذين يساهمون في حبك التحايل على البسطاء، وهكذا يتطور التدني في التلاعب والعبث بأقوات الناس، وكلما انخفضت معايير المسؤولية .. كلما بحث أحد المبتكرين عن قاع جديد .. ومستوى أدنى من التصرفات.

المنافسة بدأت في التجارة والصناعة، ولكنها تستشري وتمتد حتى إلى قيم المجتمع وفضائله.  هناك منافسة نحو التدني لا أدري كيف نقبل استمرارها، ولكننا نفعل.  انظروا معي كيف أصبحنا نتعامل مع الواجبات الاجتماعية مثلاً .. في القديم كان التزاور بين الناس هو أمر شائع، ولذلك اهتم المصريون أن يكون صالون المنزل أكبر وأجمل وأكثر أناقة من كل أرجاء البيت .. ذلك لأنهم كانوا دائماً يستقبلون فيه الضيوف، وكان هذا أمراً شائعاً ومتكرراً في حياة أي أسرة مصرية بصرف النظر عن الحالة الاجتماعية لها.  ثم بدأنا نكتفي بالمكالمات الهاتفية .. ونبتعد عن الزيارات لأنها مكلفة ومتعبة .. وأصبح من الشائع أن تكون خطوط الهاتف مشغولة في أيام المناسبات .. ثم ظهر الموبايل، وبدأنا نكتفي بالرسائل القصيرة نرسلها إلى المئات بضغطة زر، وينتهي العبء الاجتماعي في التواصل مع الأحباب، ولكن الرسائل أيضا مكلفة .. ولذا ظهرت موجة استخدام الإيميل في التواصل لأنه لا يكلف شيء تقريباً، وقريباً سنكتفي بالرنات في المناسبات إلى أن يبتكر أحد وسيلة أدنى في التعبير عن التواصل مع الآخرين.

وإذا انتقلنا إلى الأخلاق في مجتمعنا، فأنا أعتذر أن أقول أن المنافسة أيضاً هي اليوم في التردي وليس في الارتقاء.  كلمة “ابن ناس محترمة” بدأت تختفي لكي تحل محلها كلمات من مثل “شاطر .. وفهلوي .. وداهية” .. ليس مهماً لدى البعض أن تكون محترماً .. الأهم أن تكون قوياً .. انظر إلينا عندما نقترب مع شخص لا نعرفه عند باب مثلاً .. تجد هناك مسابقة غير معلنة عمن يسبق الآخر إلى الباب .. رغم أن الأمر لا قيمة له .. إذا تزاحمت السيارات عند إشارة .. تجد من يصمم أن يتفوق على الآخرين بحيلة ما .. من أجل انتصار وهمي لا يهتم صاحبه باللياقة أو اللباقة أو حسن التعامل مع الآخرين .. عند أي زحام .. يتحول البعض إلى رعاع .. رغم أنهم من حيث المظهر قد لا يظهرون بشكل رعاع.

كنت أوصل ابني إلى امتحان في أحد الأيام، فسمعنا والد يحدث ولده وينصحه أن يبكي بحرقة ويتصنع ذلك في اللجنة حتى يسمح له المراقب بالغش إن ضاقت به السبل عن الاستفادة من الآخرين (أقصد الغش منهم) .. كان الأب يتحدث مع ولده بصوت عال .. فلا خجل مما يحاول ترسيخه من مبادئ لدى فلذة كبده في عالم البحث المستمر عن القاع.  أصبح من المعتاد أن يقف الآباء بجوار المدارس التي تجرى فيها امتحانات وبأيديهم ميكروفونات يذيعون من خلالها الإجابات على الأسئلة لأولادهم الجالسين في انتظار مساندة الآباء لهم في الغش تحت سمع وبصر الجميع .. كنا ذات يوم نستحي من الغش، فأصبح في زماننا أمراً يساهم في ترسيخه عناصر المنظومة التعليمية تحت ستار أن الأولاد غلابة والامتحانات صعبة، ونشأ جيل لا يرى في الغش جريمة، وإنما يستنكر أن يقوم مراقب بطرد طالب من امتحان للغش، ويوصف بأنه “عديم الرحمة”.  ولا زلنا نبحث عن قاع جديد في مسابقة التعليم.

كنت أقف في أحد الصفوف في واحد من بنوك الطبقة العليا في مجتمعنا، وأمامي رجل أعمال يتحدث في الموبايل بصوت عال ويقول لمحدثه على الطرف الآخر: “أعذرني فأنا أسوق الآن على الطريق الصحراوي .. نتكلم بعدين” .. نظرت حولي فلم أجد أي علامات اهتمام أو امتعاض أو تعجب بين الحضور لسماع الكذب بهذا الشكل العلني الفج.  رجل الأعمال أنهى المكالمة بهدوء فهو لا يفعل ما يمكن أن يستنكر اليوم.  وحكى لي صديق أنه كان في مرسى مطروح، وكان يصلي في جماعة، وبمجرد انتهاء الصلاة رن تليفون أحد المصلين، فرد المصلي على محدثه قائلاً .. ” إنه الآن في مأمورية في أسيوط” .. كان هذا وهو لا يزال جالساً بعد الصلاة .. لعله كان يكمل التسبيح عندما قاطعته المكالمة!

ما الذي يحدث في حياتنا ليجعل من البعض يسارعون إلى الحوادث عندما يسقط إنسان على الأرض لكي يسرقوا ساعته أو محفظته أو أي ممتلكات له؟  وكيف تجرؤ المستشفيات على رفض قبول من هم على وشك الموت إذا لم يتم تسديد فاتورة الإسعاف مقدماً.  لم يكن هذا يحدث في مصر من قبل أبداً.  لماذا يسرق البعض أغطية البالوعات من شوارعنا والتي تتسبب في حوادث مميتة على طرق مصر، ويتجاوز الأمر السرقة إلى القتل في إطار المنافسة في البحث عن القاع.  كيف أصبحت النظرة بين الناس في المجتمع هو إما أن تكون ذئباً أو تكون وجبة للذئاب، وليس هناك خيار ثالث في هذه الأيام؟  لم يكن في المجتمع المصري من قبل تقنين لهذه الأفكار أو قبول لها، ولماذا نتسابق اليوم في البحث عن قاع أدني نهوي إليه في تصرفاتنا وتعاملاتنا مع بعضنا البعض، وكأن هذا السباق مقبول أو مشروع أو مجدي لمستقبل بلدنا.

يروي لي موظف كبير على قمة هرم التعليم في مصر أن رجلاً تقدم للزواج من ابنته، وعندما جلس معه لاحظ أنه جاء وليس معه والده، وعندما سأل عن الوالد أشارت زوجة الموظف له أن يسكت، ووافق الموظف على السكوت لحظتها ليستوضح منها لاحقاً عن ظروف والد الشاب المتقدم للزواج من ابنته.  أخبرته زوجته أنه في السجن بسبب تهم قروض البنوك، والتهرب من سدادها، فتعجب الموظف، وقال لزوجته، وكيف نزوج ابنتنا لشاب والده في السجن لهذا السبب، فكان رد الزوجة عليه، وما هي المشكلة، “ومعظم الكبار في مصر في السجن الآن”.  سألني الموظف الكبير وهو محتار .. هل هو على حق في تخوفه أم أن الزوجة محقة في ملاحظتها ورغبتها في قبول الشاب زوجاً لابنتها.  واحترت بماذا أجيبه في واقع يتسارع نحو قاع جديد.

إذا كنت من المترددين على المطاعم المتميزة في مصر، فستذهل لما يحدث فيها من تردي سريع في مستوى الخدمات والتعامل مع العملاء.  يبدأ المطعم بأطباق فاخرة وخدمة لائقة وطاقم متميز.  وبعد فترة تبدأ الأطباق الفاخرة في الاختفاء لتحل محلها أطباق عادية، وتستبدل المفارش اللائقة لتظهر مفارش المطاعم البسيطة، وتتحول المقاعد الوثيرة إلى كراسي بلاستيك، وهكذا، وإذا سألت عما يجري تكتشف دائماً أن المنافسة مع المطاعم المجاورة تحولت إلى التنافس حول الأدنى، ولكن الأسعار تستمر في الارتفاع، وهذا شكل آخر من البحث عن القاع في التعامل بين المطعم وبين رواده.  يتكرر نفس الأمر في قطاعات السياحة والفنادق الأخرى، وتعجب كيف أننا نحول السائح الزائر إلى بلدنا إلى هدف يتنافس الكثيرون على إقناعه أن زيارته لمصر كانت غلطة لا يجب أن تتكرر.

أعلم أن الكلمات قاسية وجارحة ولكن لابد من إيقاف هذا الحلزون المتحرك دائماً نحو الأسفل في تسارع غريب نتشارك فيه جميعاً بشكل أو آخر، وحتى عندما نسكت تماماً ونمتعض داخلياً، ونتأفف مما يفعله البعض دون أن نحاول إيقاف مسلسل البحث عن القاع، فنحن بشكل أو آخر نساهم في استمرار هذا الحلزون في التحرك نحو الأدنى والأقل والأسوأ.  مصر بحاجة إلى حلزون اجتماعي آخر مواز أو بديل يتحرك إلى أعلى يتبناه المصلحون يرفع من شأن القيم والأخلاق .. ويؤكد معنى النهوض وليس المسابقة نحو الانحدار.  مصر بحاجة إلى من يرفضون المشاركة في الانهيار، ويساهمون في حمل راية “كفى .. مصر يمكن أن تكون أفضل من هذا بكثير” .. مصر بحاجة إلى من يحمل راية استعادة الفضيلة ومعنى العيب والرغبة في خدمة الآخرين والحرص على سمعة بلد لا يليق أن يجتمع أبناؤه حول البحث عن القاع .. فهمتهم يمكن أن تطاول قمم الجبال، وقدراتهم لا يجب أن توظف في ابتكار الحيل، وإنما يجب أن توجه إلى الإبداع في النجاح.  لا يصح أن تنافس مصر حول الهروب من القاع أو الوصول إليه .. أو البحث عن قاع جديد .. وهي تملك أن تتصدر الأمم والشعوب.  عيب .. أن نستمر في مسابقة البحث عن القاع.

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]