أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

مفكر لا نعرفه !

untitled.png
 
 
 
 
 
في عام 2008م، وعبر متابعة الإعلام الغربي، نقلت مجلة فورين بوليسي أنها اختارت أهم المفكرين في العالم من خلال استفتاء شعبي، وأن الفائز بالمركز الأول هو مفكر مسلم من تركيا اسمه “فتح الله جولن”.  كان الخبر وما تعلق به مفاجئاً ولافتاً للنظر لعدة أسباب.  أولها أن يكون على رأس قائمة مفكري العالم شخص مسلم .. ثم أن يكون من تركيا .. وليس من العالم العربي .. ثم أن يكون شخصية لا يعرفها العالم العربي .. ثم ألا يهتم العالم العربي لحظتها في التعرف على تلك الشخصية التركية التي يبدو وكأنها برزت فجأة إلى المقدمة، وهو بالطبع ليس تصوراً صحيحاً.
كان غريباً ألا نحاول فهم ارتباط وتأثير تلك الشخصية التركية الهامة في التغيرات المتلاحقة والمستمرة في الواقع التركي الذي ازداد اقتراباً وتعاطفاً ووضوحاً من العالم المسلم والقضايا العربية المسلمة كذلك.  لا شك أن تركيا كانت دائماً دولة مسلمة، ولكنها ابتعدت في القرن العشرين كثيراً عن تلك الهوية المسلمة، وتزامنت عودتها الظاهرة إلى الهوية المسلمة عبر الانتخابات التي أظهرت حزب العدالة والتنمية على الساحة التركية والدولية، وأظهرت بوضوح عاطفته الإسلامية .. تزامن ذلك مع فوز الأستاذ “فتح الله جولن” بلقب المفكر العالمي الأول .. ولم نهتم في عالمنا العربي والمسلم برصد ذلك الارتباط الزمني والجغرافي والفكري الواضح.
شكك الكثيرون في قيمة الاستفتاء الذي أجرته مجلة فورين بوليسي لأنه جعل من مفكر مسلم تركي .. الشخصية العالمية الأولى في الفكر، وتحدث آخرون أن استفتاءات الإنترنت يمكن التلاعب في نتائجها بسهولة، وقد يكون ذلك صحيحاً بدرجة ما .. ولكننا لم نهتم بدرجة كافية لأن نتعرف على الأستاذ “فتح الله جولن” .. من هو؟ ولماذا شعر محبوه ومناصروه أنه يستحق لقب المفكر الأول في العالم؟  لم نهتم أن نبحث عن سبب هذا الحب الجارف الذي يتمتع به هذا الرجل لدى أنصاره، واكتفينا بنقل الخبر أو التشكيك فيه أو الاهتمام بالأسماء الأخرى التي ظهرت على نفس القائمة وكنا نعرفها من قبل في العالم العربي.
كان عجيباً أننا احتفينا بالأسماء الأخرى التي حازت على مراكز تالية في نفس الاستفتاء، واعتبرنا أن فوزها مستحقاً ومشروعاً .. ولكننا تجاهلنا من حصل على المركز الأول، وكأننا اعتبرنا أن فوزه كان نتيجة تعاطف محبيه فقط، ولا أظن أنه موقف عادل، ولكنه حدث بالتأكيد، ويسهل التأكد منه بمراجعة أرشيف الإنترنت لتلك الفترة.  بقي فوز الأستاذ “فتح الله جولن” بالمركز الأول في نظر الكثيرين أقل أهمية من فوز شخصيات أخرى مسلمة بمراكز تالية في نفس الاستفتاء (المركز الثالث كان للشيخ يوسف القرضاوي .. والمركز السادس كان للأستاذ عمرو خالد) .. واحتفينا بالمراكز التالية، ولم نكلف أنفسنا عناء التعرف على الفائز بالمركز الأول، أو إنصافه بالاحتفاء به ــ حتى وإن كنا لا نعرفه نحن ــ ولم نرصد أو نحلل فكرة أن من أبناء المسلمين عدد كبير وضخم ممن شعر بقوة أن لهذا الشخص من الإمكانات والقدرات والفكر ما يؤهله لكي يحتل منصب المفكر الأهم في العالم .. حتى وإن كان الاستفتاء قد تم عبر الإنترنت، وحتى وإن كان تعاطفهم مبالغاً فيه .. كان الأمر يستحق وقفة ودراسة ولكنها لم تحدث ولم تنشر!
مجلة فورين بوليسي التي أجرت الاستفتاء بين القراء، وصفت الفائز بالمركز الأول بأنه “عالم إسلامي يقدر أتباعه في أرجاء العالم بالملايين، ويحظى بسمعة طيبة وأخرى سيئة في آن واحد”. وأوضحت “فورين بولسي” أن “جولن يعتبر قائدا روحيا لمن ينتمون لحركته، فهو يرشدهم إلى المبادئ الإسلامية المعتدلة.. أما من يحظى بينهم بسمعة سيئة، فيعتبرونه تهديدا للنظام العلماني التركي”.  ثم علقت المجلة على الاستفتاء بأن أوضحت للقراء أن مصداقية التقييم ليست علمية، ولكنها هامة كذلك، رغم أن بعض من شملهم التقييم قد قاموا بدعوة الناس إلى التصويت لهم ، كما في موقع الأستاذ عمرو خالد، وموقع الفائز الأول كأهم مثقف في العالم وهو المفكر التركي فتح الله جولن، فقد دخل محبوه إلى موقع المجلة وصوتوا له بعشرات الآلاف على حد قول المجلة، والتي ذكرت أيضاً أن من دخلوا إلى موقعها من خلال هذه المواقع للتصويت لمن يحبون قاموا أيضاً بالتصويت لمن يعرفون من أسماء على القائمة. هنا توضح المجلة للقراء طبيعة ما حدث، وأنه يعكس محبة البعض لمثقفيهم أو دعاتهم، ولا يعكس أي تقييم علمي أو عالمي في هذا الشأن بالتأكيد، ولكنه يكفي لإثارة الاهتمام بالطبع وهو ما لم يتم في عالمنا العربي.
ومضى عامان منذ ذلك الاستفتاء، وهي فترة كافية لتدارك الخطأ والتعرف على تلك الشخصية، وهو ما حدث في الغرب، والكثير من دول العالم الأخرى التي بدأت تبحث في تلك الظاهرة، وتتساءل عن فكر الأستاذ “فتح الله جولن” وعن ارتباط هذا الفكر بالنهضة المعاصرة لتركيا، وكذلك بالتوجه الإسلامي المعتدل الذي أصبح سمتاً لافتاً ومميزاً للحزب الحاكم بها، وهو حزب العدالة والتنمية.  بدأت الجامعات الأمريكية والغربية تصدر الدراسات والكتب عن الواقع التركي الجديد وارتباطه بشخصية الأستاذ “فتح الله جولن”، وعقدت العديد من المؤتمرات وورش العمل لمناقشة أفكاره وارتباطها بالواقع التركي الجديد، وبقينا نحن في العالم العربي على إصرارنا في عدم الاكتراث لما يحدث في بلد مسلم شقيق يستعيد عناصر نهضته ويحاول من جديد أن يعود إلى مصاف الدول المؤثرة والمهتمة بقضايا الإسلام والمسلمين.
اللافت للنظر أن الكتابات العربية والإسلامية عن “فتح الله جولن” لا تزال قليلة وليست دقيقة أو كافية للتعريف به.  الأعجب أن كثير من كتب الأستاذ فتح الله قد ترجمت إلى العربية، وهي متاحة أيضاً على شبكة الإنترنت عبر موقعه الإلكتروني، ومع ذلك لم تحظى هذه الكتابات بنصيبها المستحق من الدراسة والبحث والنقد أيضاً.
من الممكن أن نقول أن هذا الأمر غير مستغرب لأن اهتمام المفكرين العرب تحديداً والإسلاميين منهم ينصب بالدرجة الأولى على المنطقة العربية، وعلى الفكر العربي الإسلامي إن جاز لنا استخدام هذا التعبير، ولكن الإشكالية تكمن في أننا في نفس الوقت أصبحنا نهتم بالتغيرات الحادثة على الساحة التركية، ونربط بينها وبين الإسلام، وأصبح المفكرون العرب سواء منهم من يتعاطفون مع الإسلام أو من يميلون إلى التيارات القومية أو اليسارية .. أصبح الجميع مولعاً بالحديث عن تركيا .. وعن مواقف تركيا .. بل وعن الاعتدال في تجربة حزب العدالة والتنمية التركي المتعاطف مع الإسلام بكل وضوح.
نحن بحاجة إلى التعرف على شخصية الأستاذ “فتح الله جولن” عن قرب لنفهم ما يحدث اليوم في تركيا.  إننا أيضاً بحاجة إلى فهم طبيعة الأفكار والمشروع الحضاري الذي يقدمه الأستاذ جولن، ليس فقط على الإطار النظري، بل من خلال الممارسة العملية لأفكار هذا المشروع، الذي يعتبر تغير الواقع التركي اليوم هو أحد ثمار هذه الأفكار وذلك المشروع الحضاري.
أهمية التعرف على فكر وشخصية الأستاذ “فتح الله جولن” لا تتوقف عند حدود معرفة ما يحدث اليوم في تركيا، فهذا هو الشق الأسهل لأن الكثير من الأفكار قد تحول إلى ممارسات ومشروعات وأعمال يمكن التعرف عليها ودراستها.  الجانب الأهم في محاولة التعرف على أبعاد وحدود المشروع الحضاري والفكري للأستاذ “فتح الله جولن” هو في مدى تأثير هذه الأفكار على العالم الإسلامي، وعلى مستقبل الأمة المسلمة.
إننا أمام مشروع حضاري يرى في تركيا نقطة انطلاق وليس محطة وصول، وامتداد هذا المشروع الحضاري لا يتوقف عند المجال الحيوي لتركيا، أو حتى حدود الأمة المسلمة، بل إنه يرى نفسه مشروعاً لعمارة الكون على أسسه الصحيحة، ويسعى إلى تقديم تصور حضاري متكامل لسعادة الإنسان.  هكذا يرى الأستاذ “فتح الله جولن” ووفق هذا الفكر يعمل محبوه ومناصروه.
قد يحتاج هذا المشروع من علماء الأمة ومثقفيها ومفكريها أن يتعرفوا عليه ليساندوه أو ليقوموا ما قد يعتريه من نقص أو خلل، وأن يناصروه أيضاً ما دام يخدم الأمة ويدافع عنها عبر وسطية لا خلل فيها، واعتدال لا تنازل فيه.
المشاريع الحضارية تحتاج إلى التكاتف حولها .. والمساهمة في ترشيد مسيرتها، ومدها بالعون والدعم اللازم لتحقيق أكبر نجاح ممكن لها .. ألا يكفي كل ذلك مبرراً للتعرف على فكر وعطاء .. ومشروع .. الأستاذ “فتح الله جولن” بصفته مفكر مسلم .. أحبه طلابه بشده .. حتى جعلوه المفكر الأول في العالم .. واهتمت به دوائر الفكر والدراسات والأبحاث العالمية .. ومع ذلك .. يحزنني أن أقول أننا حتى الآن .. لا نعرفه!

عن محرر

شاهد أيضاً

ما يحدث فى العراق !

– هل ما يحدث بالعراق يتم بمواققة ضمنية من الكل .. لتنشأ دولة كردية .. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]