أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

أريد أن أكون رئيساً لمصر

395441_223608031055765_100002197089508_506101_554409482_n.jpg

 

 كانت مقدمة برنامج الأطفال على شاشة التلفزيون المصري تحاور مجموعة من الأطفال عن أمنياتهم للمستقبل.  أحدهم قال إنه يريد أن يصبح طبيباً، وكانت المقدمة سعيدة باختياره وتهنئه عليه، وقالت فتاة أنها تريد أن تصبح رائدة فضاء، وأعجبت مقدمة البرنامج بهذا الاختيار الطموح رغم أننا في مصر ليس لدينا برنامج فضاء، ثم قال أحد الأطفال أنه يريد أن يصبح رئيس جمهورية.  ضحكت المقدمة ضحكة خجل وقلق، وقالت على الفور للطفل “ما ينفعش يا حبيبي .. ما ينفعش” .. واحتار الطفل ولم يرد، وهو ينظر للفتاة التي قبله، والتي كان ممكناً لها أن تحلم بأن تكون رائدة فضاء بمصر، وهو لا يستطيع أن يحلم أن يكون رئيس جمهورية في نفس المكان.  تحولت مقدمة البرنامج مباشرة إلى نوع آخر من الأسئلة، وتوقفت أنا عن مشاهدة البرنامج لأسأل نفسي عن سبب أنه “ما ينفعش” أن يفكر طفل في بلدي أن يصبح يوماً ما رئيس جمهورية؟
 
شاهدت هذا البرنامج منذ فترة، ولكنني قرأت منذ أسابيع أن أحد قادة الحزب الوطني، وقف في أحد الاجتماعات الخاصة بالحزب في محافظة الجيزة ليبدأ كلامه قائلاً: “اللي حا يسألني النهاردة عمن هو رئيس مصر القادم سيكون “قليل الأدب” ..!”  وبعد دقائق رفعت سيدة يدها وقالت له: “يا ريس .. أنا قليلة الأدب .. بس ممكن تقول لي لو سمحت .. من هو رئيس مصر القادم؟” .. أحرج القيادي تماماً، ورد عليها قائلاً .. “ما يصحش يا بنتي .. البلد فيها ريس” .. القصة الأولى كان بطلها طفل يحلم أن يكون رئيساً وكان الحلم غير مرغوب فيه، والقصة الثانية بطلتها امرأة من الحزب الوطني تريد فقط أن تعرف مرشح الحزب للعام القادم، وكان السؤال غير مرغوب فيه أيضاً.  ما الذي أوصلنا إلى أن التفكير فيمن سيحكم مصر “قلة أدب” .. وأن الطموح في هذا المنصب .. حتى لطفل .. “عمل غير مشروع”.
 
هل يعني التفكير فيمن سيحكم مصر للأعوام القادمة أننا نتنكر للرئيس الحالي، أو أننا نقلل من عطائه أو إنجازاته على مدار ثلاثة عقود؟  من الذي يقول بهذا، ولماذا نريد أن نجعل من التغيير الذي هو أمر طبيعي يحدث في كل الأمم والشعوب والحضارات .. لماذا نجعل التفكير فيه مستنكرا، أو أنه عمل من أعمال المعارضة أو ممن لا يريدون الخير لبلدنا؟ً .. الرئيس تحدث عن ترشيح نفسه مقابل خصوم من المتوقع أنهم يريدون نفس المنصب .. وأن هذا أمر مشروع وطبيعي .. إلا أن من قياداتنا من يصر أن يجعل الأمر غير ذلك.  ما هو الخطأ أن يحدث حوار مجتمعي حول مواصفات وأجندة وأهداف الرئيس القادم، وماذا يريد المصريون من رئيسهم؟  أليس هذا هو ما يتمناه من يشغل أي منصب عام .. وهو أن يعرف ماذا يريد منه من انتخبوه .. أو من ظنوا أنهم انتخبوه .. أو حتى من قيل لهم وله أنهم انتخبوه.  هل نحن من يصنع من قادتنا آلهة؟  .. ثم هل نحن أيضاً من ينزعج إذا صدقوا هم .. ما أردناه منهم ولهم ودفعناهم إليه دفعاً.. أن يصبحوا آلهة؟
 
الرئاسة منصب شاق في أي بلد من بلدان العالم، ولا توجد أي مزايا شريفة أو حوافز حقيقية تجعل من هذا المنصب أملاً لأحد إلا إن كان يريد خدمة بلاده بصدق، ولا مانع من أن يصاحب ذلك طموح شخصي مشروع أن يدخل المرء تاريخ بلاده كأحد من ساهموا في نهضتها. أما من يطمع في الرئاسة لمال أو جاه .. فكثير من المناصب الأدنى في عالم الأعمال وعالم التجارة في كل دول العالم توفر من المال والجاه ما لا يتوفر في منصب الرئاسة إن أراد من سيشغل هذا المنصب أن يحمل أمانته بحق. وإذا كان هذا هو حال منصب الرئاسة بالعموم، فإن الرئاسة في مصر أصعب بكثير ممن حولها من دول أو شعوب، فهي وظيفة متخمة بالمشكلات .. في بلد محاطة بمن يتربصون بها .. يتطلع العالم إلى نهوضها من كبوتها .. بلد تعاني في مجالات متعددة .. تحتضر فيها بقية باقية من القيم .. تتعثر على أعتابها مشروعات متعددة .. أحلامها تسابق زيادة سكانها .. وطاقاتها المعطلة توشك أن تخنق اقتصادها الذي لا يزال يقوم على الزراعة وقليل من الصناعة في عالم تشعبت فيه مصادر الدخل والتنمية والانتاج.  الرئاسة في مصر منصب صعب بحق لمن يريد إنقاذ البلد أو تطويرها أو النهوض بها.
 
ومع كل ما سبق فلا يزال .. ويجب .. أن يبقى حق التفكير في الرئاسة حقاً ندافع عنه للجميع .. طفلاً كان أو شاباً .. عالماً في الفيمتوثانية أو مديراً سابقاً لوكالة دولية .. أو وزيراً سابقاً .. أو رئيساً خدم بلاده لعقود ويريد أن يستمر في ذلك .. أو أي مواطن من شعب مصر يطمح في خدمة بلده .. من يريد أن يساعد مصر لا يجب أن نمنعه من أن يفكر في ذلك، ولكل منصب في العالم مؤهلات لمن يرشحون له، ولذلك لا بأس أن ينتقل الحوار المجتمعي إلى مواصفات من يريدون شغل هذا المنصب، ولا أرى أي إشكال أن يتعدل الدستور ليسمح للأكفاء سواء من داخل الأحزاب أو من خارجها أن يتقدموا لهذا المنصب وأن يقدموا ما يفيد أنهم أهل له .. وللشعب في النهاية أن يختار من يريد لحكم مصر.  الطريق طويل في كل خطواته .. ولكننا لابد أن نبدأ السير فيه .. فليس لدينا مواصفات واضحة أو عادلة لاجتذاب أفضل العقول والقدرات لمناصب الدولة التنفيذية، وأهمها منصب الرئاسة، وليس لدينا آلية حزبية أو مجتمعية قادرة على إفراز وتنقية وإخراج هذه الكفاءات، وليس لدينا وعي شعبي كاف يفصل بين التعاطف مع شخص وبين دراسة برنامجه الانتخابي، وليس لدينا انتخابات حرة نزيهة تسمح للكفاءات أن تحصل على المناصب التي يختارها لها الشعب، وأخيراً ليس لدينا حتى الآن الوعي الانتخابي الكافي الذي يستشعر فيه المواطن قيمة صوته وأهميته في صناديق الانتخاب.
 
قد تلام الدولة تاريخياً على كل ما سبق، وأظن أنها مسئولة بدرجة كبيرة، ولكن هذا لا يغير من واقع أننا بحاجة إلى نهضة كاملة في تناول موضوع الانتخابات وتبادل السلطة وربط ذلك بمصالح مصر، وليس بصراع بين معارضة ونظام حكم، أو بين تيارات دينية وتيارات علمانية، أو بين شعب وجهاز أمن.  تبادل السلطة في حد ذاته لا يكفي لكي تحل مشكلات مصر .. السؤال المشروع هو عن أجندة وبرنامج من يرغب في أن يتولى أي منصب أو سلطة عبر الانتخاب:  هل هو قادم لحل مشكلاتنا أم للاستفادة من مزايا منصب أو سلطة؟  الرئاسة هي أخطر منصب في مصر، ومن حق كل مؤهل لها أن يكون له فرصة أن يقدم نفسه للشعب، ولابد أن ندافع عن هذا الحق لكل المؤهلين، والأهم من أن يكون لهؤلاء حق تقديم أوراق اعتمادهم لشعب مصر .. هو أن نحسن نحن اختيار من سيقود مصر، وأن يتاح لنا بعدل وبحق أن نختار لأنفسنا دون وصاية أو تزوير لإرادتنا .. وبعدها من المهم ألا نحول من يحكم مصر إلى إله أو نطمع أن يكون إلهاً (تعالى الله)، فالآلهة لا تحكم الشعوب، ومصر ليست بحاجة إلى آلهة لحكمها، وإنما هي بحاجة إلى جنود مخلصين، ورجال يضعون أحلام مصر قبل طموحاتهم، ولذا فلا عيب ولا ضرر ولا خطأ لأن يحلم أي منا .. حتى لو كان طفلاً يافعاً .. أن يصبح رئيساً لمصر!
 

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]