أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

ناس أحسن منا !

adia-2007-07-01-DSC-8541-shwedagon-pagoda-myanmar-yangon-cringel_com_-80x85.jpg
التقيت اليوم شابين لا يزيد عمر أي منهما عن العقد الثالث من العمر، ولكني شعرت أنني صغير بجانبهما .. شعرت أنهما أحسن مني بكثير .. بكثير بحق. الشابان أصولهما تركية، وكلاً منهما مدير لمدرسة .. الشاب الأول هو مدير لمدرسة في مينامار أو بورما سابقاً، وهي دولة مغلقة تماماً وتتخلف عن باقي العالم بعقود كثيرة .. أما الشاب الثاني فهو مدير لمدرسة أخرى في لاوس، وهي دولة صغيرة مغلقة على حدود الصين وفيتنام وكمبوديا، وهي كذلك تتخلف عن العالم بعقود.
سألتهما ما الذي ذهب بهما إلى تلك الديار البعيدة، فقالا إنهما يرغبان في خدمة المجتمع المسلم والإنساني على حد سواء .. ذهبا إلى تلك البلاد البعيدة لكي يشرفا على مدارس تعلم أبناء تلك البلاد العلوم الإنسانية وتعلمهم الفضيلة أيضاً .. مدارس ترتقي بالطلاب إلى أفضل آفاق العلم، وتسمو بأخلاقهم إلى أعلى درجات الفضيلة الممكنة، والمستمدة من الأديان السماوية. هي مدارس لا تدرس الإسلام .. ولكنها تعرف الإنسانية عن أخلاق وفضائل هذا الدين الكريم. لا تمارس المدارس التي يشرفون عليها أي محاولة لأن ترغم أحداً على دين بعينه رغم اعتزاز القائمين عليها الكبير بالإسلام، ورغبتهم في خدمة العالم من خلال التعليم، ولعل ذلك أحد الأسرار التي تساعد على نجاح تلك المدارس.
سألت الأول منهما .. عن خلفيته العلمية، فوجدته خريج لجامعة كبيرة، وعمل مهندساً، وأشرف على إدارة شركة كبيرة في نيويورك ميزانيتها السنوية كانت تتجاوز مائة مليون دولار أمريكي .. وترك هذا المنصب الهام لكي يذهب إلى لاوس ليتعرف على أوضاع التعليم فيها، وليبدأ محاولة إنشاء مدرسة متميزة تقوم على مبادئ الفضيلة للإسلام وتجمع معها أفضل أنظمة التعليم الدولي .. هناك في دولة لا يوجد بها أكثر من 400 مسلم على مستوى الدولة كاملة. وفي خلال خمس سنوات تنجح المدرسة في اجتذاب عدد من أولاد الوزراء وأحد أولاد رئيس الوزراء، وأكثر من 450 طالب وطالبة من خيرة أبناء لاوس لكي يتعلموا في تلك المدرسة .. العلم والفضيلة معاً .. ويستعد الآن لفتح مدرسة أخرى في لاوس أيضاً.
سألته لماذا تفعل هذا .. قال لأني أحب أن اخدم أمتي. توقفت طويلاً أمام الإجابة .. فهي أبسط مما أستطيع أن أتحمل .. وهي أبلغ من قدرتي على استيعاب كم هو جميل أن تكون شاباً ذا طموح يتجاوز أحلام السذج من أمثالي. سألته ما الذي يوقظك كل صباح .. ما هي أحلامك .. رد علي قائلاً .. يوقظني صباحاً رغبتي في صلاة الفجر .. فقلت له .. يمكنك أن تصلي الفجر في أي مكان .. ولا يحتاج أن تذهب إلى لاوس لذلك .. فابتسم وقال .. وما المانع أن أصلي الفجر في لاوس .. هناك أشعر أنني في بلدي. سألته هل تشتاق إلى تركيا .. رد علي بسرعة قائلاً .. عندما أكون في تركيا .. أشتاق إلى بيتي ومكاني في لاوس. شعرت أنني أمام قامة سامقة .. وشاب أحسن مني بكثير .. وأحسن من كثير منا بكثير .. وشعرت بفرحة وغصة في آن واحد. في عالم اليوم .. هناك ناس أحسن منا بكثير .. ولابد أن نغار.
تحدثت مع الشاب الثاني وهو أكبر سناً ويبدو أقرب إلى عمري وإلى طريقتي في التفكير .. ظننت ذلك على كل حال. سألته لماذا ذهب إلى مينامار .. أخبرني أنه كان يعمل في تركيا، وكان ناجحاً كرجل أعمال، وأنه استمع إلى الأستاذ فتح الله جولن، وهو الداعية التركي المسلم الأكثر شهرة وتأثيراً في الواقع التركي اليوم، وأنه تأثر به إلى الدرجة التي دعته إلى محاولة فهم كيف يمكن أن يحول حياته إلى خدمة الأمة، وأنه ظل يقاوم ويناقش لمدة أكثر من عام، ولكنه اقتنع في نهايتها أنه قادر على أن يكون في خدمة العالم المسلم، وأنه قادر على أن يصنع فارقاً عندما يعمل وفق هدف محدد، وهو “الخدمة” .. أي أن يلتزم بفكرة أن يكون في خدمة الأمة، وأنه اختار لذلك أن يأتي إلى مينامار، ويترك تركيا.
قدم الشاب يحمل هذا الطموح النبيل في عام 1997م .. إلى بلد قمعي عسكري ديكتاتوري، ومتخلف عن باقي العالم بعقود كثيرة .. شعب متدين جداً بالبوذية .. ولا يعرف إلا القليل عن تركيا أو الإسلام أو التعليم المتميز أيضاً. قدم الشاب إلى دولة لا يوجد بها إلا أقل من 10% من المسلمين، ومع ذلك فقد بدأ في إنشاء مدرسة تجمع بين أفضل طرق تدريس العلوم، وأفضل مبادئ الفضيلة والأخلاق .. كان ذلك منذ أكثر من 13 عاماً، ومرت الأعوام، وهو اليوم يشرف على إدارة سبع مدارس في مينامار وليس مدرسة واحدة، وتجمع هذه المدارس اليوم أكثر من ألف طالب وطالبة من أبناء النخبة في تلك الدولة العسكرية. المدارس مستقلة مالياً ومربحة، وتقدم أفضل تعليم في الدولة بشهادة وزارات التعليم والهيئات العلمية في مينامار، وسألته أيضاً .. ما الذي يدفعك للبقاء هناك .. فكانت الإجابة هي .. لكي أخدم الأمة، ولأنني تعلمت وتأثرت بكتابات وفكر الأستاذ فتح الله جولان.
تعودت أن أسمع أن يحب الناس السماع إلى شيخ أو واعظ أو مفكر، والتأثر بدرجة ما بالفكر الذي يسمعونه، ولكن أن يتحول تفكير عدد كبير من المتعلمين والمثقفين إلى الدرجة التي تجعلهم يغيرون حياتهم تماماً، لكي يصبحوا جنوداً لخدمة الأمة والفضيلة والإنسانية .. فهو أمر ليس معتاداً في بلادنا اليوم.. سألته كيف يمكن أن تتأثر بمفكر إلى الدرجة التي تجعلك تترك تركيا .. وتبدأ حياتك في مكان آخر تماماً دون أن يكون هناك حافز مادي يكفي .. فأجاب بسرعة .. المهم ليس فقط الحافز المادي، ولكن أن تكون إنساناً يصنع فارقاً، وأن تتذكر تضحيات من سبقونا لكي يعرف العالم عن الفضيلة والأخلاق التي يقدمها الإسلام للعالم.. أخبرني أنه قد وجد قدوته .. وأنه يحاول أن يقتدي بها. سألته كيف يحافظ على دينه في بلاد غريبة عنه، ولا يوجد بها إلا القليل من الالتزام بالدين، فأخبرني أنه يعتمد على الله في ذلك، وأنه يقرأ القرآن ويستمع إلى المواعظ التي تساعده، شعرت أنني أمام قدوة .. وشاب آخر أحسن مني بكثير .. انتابني نفس الشعور بالفرحة والغصة في آن واحد.
أفكر الآن .. كيف أصبح غيرنا أحسن منا كثيراً إلى هذه الدرجة. كيف تدنى الطموح لدينا ليصبح دنيوي بحت وفج إلا القليل من العطاء الذي يعظم في أعيننا، ونظن أننا بهذا القليل من العطاء نستحق مفاتيح الجنان؟ كيف تدنت أحلامنا في الخير لتصبح هزيلة وفقيرة وضامرة ولا تتناسب مع الهمة التي منحنا الله، والتي تظهر في سعينا الدؤوب خلف الحياة المادية. ليس عيباً أن نعمل ونسعى نحو النجاح المادي، ولكن قد يكون من العيب أن تنحصر اهتماماتنا في ذلك، وأن نظن أن النجاح هو فقط في التفوق المهني أو المادي أو المزيج بينهما فقط. أتمنى أن نتوقف وننظر حولنا .. فشعوب الأمة المسلمة تسابقنا إلى الجنان، ولنا نحن أن نختار أن ندعهم يسبقوننا، وأن نرضى بفتات الخير .. أو أن نتعلم ممن حولنا، وترتفع مع ذلك همتنا لتنافس على أفضل وأبرك الخير، وحولنا من يفعلون ذلك .. وقد يكونوا أحسن منا كثيراً ولنا أن ندعو لهم وأن نحاول أيضاً أن نتعلم منهم، فالسباق لا يزال قائماً وساحات العطاء لا تنتهي

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]