أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

شرم .. بلا شيخ !

imagesCA5FJM01.jpg
دعيت إلى مؤتمر دولي يعقد كل سنة في شرم الشيخ، وكان حضور المؤتمر هو سبب زيارتي الأولى في حياتي لهذه المدينة، فقد تجنبت طوال الأعوام الماضية زيارتها، ولم أنجح هذه المرة. إليكم انطباعات مواطن مصري محافظ يزور “شرم” لأول مرة. كنت أسمع من البعض أنها مدينة متحررة، ومن آخرين أنها جميلة وبديعة، ومن البعض أنها ليست مدينة، وإنما منتجع كبير، ومن غيرهم أنها ليست إلا مكان لهو لغير المصريين، وكان موعدي الأيام الماضية مع “شرم”.
أمضيت ثلاثة أيام في شرم. المدينة بلا شك ليست كمدن مصر .. فهي نظيفة ومرتبة وغير مزدحمة، وبها من الأجانب أكثر مما بها من المصريين. أغلب أبناء مصر في هذه المدينة يقومون على خدمة زوارها .. ومعظم زوارها من الأجانب الذين قدموا لمصر للسياحة والسباحة والسهر والاستمتاع بجمال الطبيعة في المدينة وخلجانها وشعبها المرجانية. الطبيعة جميلة ولا تملك إلا أن تقول دائماً .. سبحان الخالق المبدع. ولكن شرم الشيخ كئيبة بسبب أفعال زوارها.
لوحة كبيرة تقابلك عند الوصول من الخارج على باب المطار تقول بالانجليزية “مرحبا بك في مدينة الحفلات بالبحر الأحمر” .. وتحتها عبارة أخرى تقول “ارقص تحت النجوم مع أفضل فرق العالم” .. تتجول في المدينة فلا تكاد ترى إلا المنتجعات السياحية التي تتنافس على اجتذاب الأجانب بشتى الطرق. المصريون يعملون في خدمة الأجانب .. هذا ما رأيت في أغلب الوقت .. وهم غير سعداء .. يقول أحدهم: “شرم تعمل فيها فلوس كثير .. بس بلد وحشة .. كل حاجة بنعملها غلط .. بس بنعمل فلوس كثير .. مافيش اصحاب ..مافيش حاجة حلوة .. كلها شغل وبس .. وأنا مش مرتاح” .. ويقول آخر: “البلد دي عذاب .. بس أكل العيش .. حانعمل إيه”. لماذا يشتكون وأغلب شباب مصر يبحثون عن العمل، ولا يجدوه .. إنهم يتحدثون عن بيئة شرم الشيخ.
عجبت أن الخمور تقدم في المحلات العادية للطعام، وهو ممنوع في باقي مصر .. عجبت للعري المنتشر في المدينة بشكل لافت للنظر، وكأن هناك مسابقة للتخفف من الملابس تجري على قدم وساق، ولا يوجد أي حد لهذا التخفف من الملابس كما رأيت في الفندق الذي عقد فيه المؤتمر، وفي أسواق شرم وشوارعها .. وكأنه لا توجد قوانين للفعل الفاضح تطبق في هذه المدينة .. فهل هي تخضع لقوانين مصر؟ عجبت أن الأجانب يتصرفون دون أي مراعاة لتقاليد أو قوانين مصر وبجرأة يحسدون عليها.
في الطائرة العائدة للقاهرة بالأمس من شرم الشيخ قرأت خبراً أن وزير العدل في فرنسا يقرر منع المنقبات من السير في الشوارع الفرنسية بالنقاب، سواء من المقيمات في فرنسا أو من يزورونها من الخارج، ويقول لتبرير ذلك: “من يزور فرنسا فعليه أن يتفهم ويلتزم بالقوانين الفرنسية والتقاليد الخاصة بفرنسا”. وأتمنى أن نستخدم العرف الدبلوماسي الخاص بالمعاملة بالمثل. لماذا لا نطالب الأجانب في بلادنا أن يلتزموا بالقوانين المصرية .. وأن يراعوا تقاليد مصر.
كنت في رحلة بحرية بالأمس في خليج القرش في شرم الشيخ .. ومنذ أسبوعين كنت في رحلة بحرية أخرى مماثلة في خليج البسفور في اسطنبول .. كانت منارات المساجد ومآذنها تزين سماء اسطنبول، فأينما تنظر تجد مئذنة مرتفعة وقبة مسجد جميل .. كان وجود الدين واضحاً على ضفاف البسفور، ولم يجعل ذلك الرحلة البحرية أقل إمتاعاً أو جفافاً .. وجود المسجد على شواطئ البسفور يحدد هوية المكان وطبيعة الدولة التي كنت أتجول فيها كسائح. أما في خليج القرش فقد امتدت الرحلة لمدة قاربت الساعة ولم أرى مئذنة واحدة ولم أرى مسجداً واحداً يزين شواطئ شرم الشيخ.
أعلم أن بتركيا ومصر ودول إسلامية أخرى كثيرة شواطئ تجري فيها كل أنواع الشرور باسم تشجيع ودعم السياحة، وتركيا ليست أفضل من مصر في هذا، ولكن هل هذا هو الطريق الصحيح لجذب الآخرين إلى بلادنا. إذا كانت فرنسا والسويد والنمسا سيمنعون المرأة المسلمة من السير في طرقاتهم إذا ارتدت ملابس محتشمة يرونها ملابس مبالغ في احتشامها ولا تناسب تقاليدهم .. بل سيفرضون الغرامة والسجن لمدة أسبوع لمن تسير في الطريق العام منتقبة .. إذا كانوا يفعلون ذلك الآن .. أليس من اللائق أن نفرض – على حسب مبدأ المعاملة بالمثل – غرامة على من يخالفون القوانين المصرية والأعراف والتقاليد المصرية في الملبس والاحتشام.
ماذا لو افترضنا .. فرضاً .. ولا أظنه ممكناً في عالمنا اليوم أن نحكم أيضاً بالغرامة المالية والسجن لمدة أسبوع لمن تسير في شوارعنا من الأجنبيات بملابس فاضحة .. تخيلوا لو فعلنا ذلك .. أسبوع في سجون مصر! بماذا سنتهم؟ بالرجعية والظلامية والتخلف .. ومخالفة مبادئ حقوق الإنسان .. والتعدي على حريات الآخرين .. والتأثير على السياحة .. وإعادة مصر إلى الخلف .. وإلى القرون المتخلفة كما يقولون. أما إذا فعلت عاصمة النور ما هو أشنع .. أن تحارب الفضيلة .. فهذا من باب أن لكل دولة قوانينها .. ومن باب الأمن العام ومقاومة الإرهاب .. ومن باب التقدم والمدنية .. ومن تريد النقاب تبقى في بيت زوجها كما يكتب بعض أعداء حرية مصر .. ومن حق أوربا أن تحارب النقاب فهو عادة جاهلية. البيكني أصبح عادة لطيفة عصرية .. والنقاب عادة جاهلية .. ما أعجب حالنا اليوم!
تستوقفني عبارة قرآنية بليغة عن حال قوم لوط قبل أن يعصف بهم العذاب .. كانوا يطالبون بعقوبة نبي الله لوط ومن معه لسبب بسيط .. “إنهم أناس يتطهرون” .. يوماً ما .. في بلد ما .. كانت الطهارة تهمة .. جريمة تستوجب إخراج من يمارسها من البلاد .. “أخرجوا آل لوط من قريتكم” .. أليس هذا ما تفعله فرنسا والسويد والنمسا اليوم .. أفلا نتذكر أو نتدبر تاريخ هذا العالم؟
أحزنني أن شرم الشيخ .. مكان .. أراه بلا شيخ .. مكان يكاد يخلو من بركة الأديان .. كل من قابلت وتكلمت معهم من العاملين في السياحة هناك يقولون ما يوحي بذلك .. مدينة بلا بركة .. ولا أظن أنها بحالها الذي رأيت يمكن أن تسمى مدينة السلام .. رغم جمالها وطبيعتها الساحرة والخلابة .. رغم هدوئها ونظافتها ورقيها المدني .. هي لا يمكن أن تكون مدينة سلام.
من قال أن الاستمتاع بالبحر والطبيعة والجمال يجب أن يتم بعيداً عن الدين أو في غيبة منه. لماذا نجعل المساجد بعيدة عن الدنيا .. وكأن الدنيا لابد أن تكون مشبعة بالمعاصي وبعيدة عن الدين. أحزنني أنني بقيت في شرم الشيخ لمدة ثلاثة أيام .. لم أسمع فيها الآذان، وكأني في دولة غير مسلمة. لماذا أصبحنا نظن أن الاستمتاع بالطبيعة الخلابة أو الرغبة في السباحة أو الصيد أو الجلوس على الشواطئ لا يجب أن يكون في حضور الدين .. بل لابد من غيابه بكل شكل ممكن .. ويشترك في هذا للأسف من يبيحون كل شيء باسم الحريات .. لا يريدون الدين قريباً من الدنيا .. ويشاركهم نفس الشعور أيضاً من يحرمون كل شيء باسم الدين .. هم أيضاً يريدون إبعاد الدنيا عن الدين .. وهما معاً يشاركان في صنع الكارثة التي نحياها اليوم في بلادنا.
أتساءل وأنا عائد إلى القاهرة .. لماذا جعلنا قطعة من جنان الأرض تصبح مكاناً لعصيان خالق السماوات والأرض .. بهذا الشكل الفج غير المقبول .. وما هي القيمة الحقيقية لما نفعل. السائح سيأتي لمصر أكثر عندما تحترم دولتنا تقاليدها وقوانينها وأعرافها .. ولا أنادي أن نطالب السائحين بارتداء الجلباب أو السائحات بلبس الحجاب .. فلكل شعب دينه وملبسه وعاداته .. ولكن ما الخطأ أن نطالبهم بالحد الأدنى من اللياقة واحترام أخلاق مجتمعنا .. لن نخسر أبداً بأن نكون .. نحن .. ألا نغير من طباعنا لنجذب سائحاً .. السائح أذكى من هذا، ولن يفيدنا أن ينفق لدينا المال ولا يحترم بلدنا أو شعبنا. وإذا كانت أوربا قد بدأت في فرض العقوبات على من يخالف ملبسها وتقاليدها، فلا أقل من أن “نقلد الأوربيين” من باب الرغبة في النهوض كما يدعي أنصار مشروع التغريب .. وأن “نقلد الأوربيين” أيضاً من باب إلزام المخالف بما يعتقد كما يريد أنصار تحكيم الدين .. أي أننا يمكن أن نتوحد جميعاً هنا في المطالبة بالمعاملة بالمثل!
أعلم أن شرم يزورها الكثير من المسئولين على أعلى مستوى في الدولة المصرية .. أتمنى منهم أن يختاروا أي أمسية .. ويسيروا في شوارع سوق “نعمة” .. أو يتمشوا قليلاً على أي شاطئ لأي منتجع هناك في شرم الشيخ .. ليروا بأعينهم وليسألوا أنفسهم .. هل هذا ما نريد لمصر؟ هل هكذا ستتقدم مصر؟ هل نريد لشباب مصر وبنات مصر أن يتعرضوا لهذا الكم الهائل من العري والخمور وفساد الخلق وسوء التصرف .. فقط لأنهم يبحثون عن فرصة عمل .. فلا يجدونها إلا في شرم.
أرجو من المسئولين الذين يزورون شرم .. أن ينظروا إلى حال أولادنا وبناتنا هناك .. إلى الضياع السائد بينهم .. إلى الانفصال والانفصام الذي يحدث في هوياتهم بين قيم دولتهم وشعبهم .. وبين قيم دخيلة لا تناسبهم ولكنها تحاصرهم طوال الليل والنهار. سألت فتاة مصرية تعمل في أحد المقاهي وتلبس ملابس قصيرة جدا .. ٍسألتها .. هل تلبسين هكذا لرغبتك أم أنها ضرورة عملك .. فقالت إنهم يفرضون علينا في العمل هذا، وأنا لا ألبس هكذا أبدا في حياتي.
لماذا نفرض على ابنة من بناتنا أن تلبس ملابس غير لائقة لا بها ولا بنا لكي تعمل حتى ترضي سائح أو زائر يحب النظر إلى جسدها؟ هذه بنت مصر .. فلماذا نقبل لها هذا؟ أرجو من المسئولين الذين يزورون شرم أن يسيروا في شوارع نعمة مساء ليشاهدوا الرقص العاري .. في الشوارع .. وممارسات الفعل الفاضح على مرأى ومسمع من الجميع .. وبيع المخدرات وحبوب الهولسة على جنبات الطريق .. وبيع الخمور في الطريق العام .. أرجو أن نسأل أنفسنا سؤالاً واحداً .. لماذا نفعل هذا بأحد أجمل بقاع مصر .. وأغلاها .. هنا قطعة ارض عاش بها الأنبياء .. هذه الأيام نحتفل بتحرير سيناء .. فهل هذا ما فعلناه بها.
هنا على مرأى النظر .. جزيرة تيران .. حيث بدأت ملحمة حرب اكتوبر .. هنا سيناء .. الأرض التي باركها الله .. هنا قطعة غالية من أرض مصر استعدناها بدماء الآلاف من شهداء شعب مصر .. كل شعب مصر .. من أجل دم هؤلاء الشهداء .. لا يجب أن نجعل من شرم مدينة تحارب الله ..لا يجب أن تبقى شرم .. مدينة بلا شيخ!

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]