أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

ولو اجتمعوا له !

brain_healthy.jpg

 

 

أعلن علماء بالغرب عن تصنيع أول “خلية حية”، وتوقفت كثيراً عند صياغة الخبر .. “تصنيع خلية حية” .. وتساءلت هل يمكن لنا فعلاً أن نصنع كائنات حية؟  وماذا عن الضوابط الأخلاقية والدينية المرتبطة بذلك، وماذا عن إمكانية حدوث هذا الأمر من أصله .. هل يمكن لنا أن نخلق ــ وأعتذر عن نسبة هذا الفعل لنا ــ كائناً حياً يوماً ما.  

ولماذا سنفعل ذلك؟ لننظر إلى الخبر الذي يقول: ” كشف علماء أميركيون أنهم نجحوا بقيادة رائد الخرائط الجينية البشرية كريغ فنتر، في تركيب خريطة جينية مصطنعة واستخدموها مع خلية بكتيرية مفرغة لتخليق خلية نشطة يؤمل استخدامها في تعلم “كيفية تصميم أحياء دقيقة حسب الطلب” .. واستغرق العلماء 15 عاما أنفقوا خلالها 40 مليون دولار لاصطناع كروموسوم يحمل توليفة جينية مصطنعة قبل أن يبدؤوا البحث في طريقة لنقل هذه التوليفة الجينية إلى خلية بكتيرية أخرى .. 
ووصف رئيس فريق البحث العالم البيولوجي فنتر ما تم التوصل إليه بأنه “أول خلية يتم اصطناعها، وأول نوع من الكائنات – التي تتناسخ على كوكبنا- ينجبه الحاسوب”.  

 واعتبر الباحثون ما أنجزوه على هذا الصعيد مجرد “خطوات ضئيلة نحو صنع كائن حي حسب الطلب انطلاقا من ملف رقمي”.  وأشار الباحثون في تقريرهم إلى استخدامهم “نسخة مصطنعة من الشفرة الجينية مأخوذة من بكتيريا صغيرة تم زرعها في خلية بكتيرية أفرغت من معظم محتوياتها، وبعد عدة محاولات دبت الحياة في الكائن الدقيق وبدأ يتناسخ في أنابيب الاختبار”. 
أي أنه يتحدث عن تصنيع خلية .. وعن كائنات .. تتناسخ .. من إنتاج الحاسوب. 

 فهل فعلاً هذا هو ما صنع؟  يتحدثون أيضاً عن صناعة “كائن حسب الطلب!” فهل هذا ما نريد؟ 
الخبر يظهر وكأن عنوانه لا يدل على مضمونه، فالعلماء استخدموا عقول وهبها لهم غيرهم .. وأخذوا خريطة جينية من كائن “حي” خلقه غيرهم .. تبارك الله .. ليضعوها في خلية “حية” من بكتريا خلقها غيرهم .. تعالى الله .. لتخليق خلية نشطة أو “حية” تستمد حياتها من حياة ما خلقه غيرهم، سبحان الله، ثم يقولون نجحنا في “تخليق خلية نشطة”؟  هذا الابتكار أو التلاعب الجيني يمكن أن يكون مفيداً ويمكن أن يكون ضاراً، وليس هدف المقال نقاش ذلك، ولكنهم لم يخلقوا شيئاً، ولم يصنعوا خلية حية ــ كما يقولون ــ وإنما تلاعبوا في جينات حية لتشكيل أنماط وأشكال جديدة يمكن أن تنفع البشرية، ومن المحتمل كذلك أن تتسبب في الضرر البالغ لها. 

 الأمر تلاعب بالخرائط الجينية للكائنات، وليس تخليق خلايا حية كما يسوقون في أخبارهم.  ما أعجب العلم عندما يستخدم لتسويق الخداع! يصف أحد الكتاب الغربيين أنواع الجهل فيقول: ” هناك جهل جديد مرتبط بتطور العلم نفسه؛ وهناك عمى جديد مرتبط بالاستعمال المنحط للعقل؛ وترتبط أخطر التهديدات التي تتربص بالبشرية بالتقدم الأعمى وغير المتحكم فيه للمعرفة (أسلحة حرارية – نووية؛ تلاعبات في كل الأنواع، خلل بيئي، إلخ)”.  

دراسة الجينات والخرائط الجينية يمكن أن يكون في ظاهره مشروع علمي متكامل يهدف إلى التعرف على بديع صنع الخالق في ملكوته، والاستفادة من ذلك لنفع البشرية، قد نجح الغرب تحديداً في ذلك بلا شك، وكان من آثاره الكثير من المنافع التي استفادت منها البشرية جمعاء، ولابد من الاعتراف بالفضل لهم في ذلك، ولكن نفس هذه الدراسات يمكن أن يستخدم للتدمير والإيذاء، وقد برع الغرب في ذلك أيضاً، وتسبب في شيوع أوبئة وأمراض جديدة لم تكن فيمن سبقنا، وأسلحة مدمرة بشكل لا يقبله أي عقل أو فطرة سليمة، ونتج أيضاً من ذلك مشروعات كارثية تهدد البشرية في أصل بقائها في حال خرجت هذه المشروعات عن حيز البحث العلمي إلى التطبيق.  كما لابد لنا أن نفرق بين صنع البشر، وبين خلق الله، فبينهما من الفروق الكثير ليس على المستوى الإيماني أو العقدي فقط، ولكن على المستوى الفكري والعلمي أيضاً. 

ويذكر المفكر الغربي إدجار موران في كتابه عن الفكر المركب فيقول عن الفرق بين الآلة المصنعة على يد البشر في مقابل ما أسماه بالآلة الحية التي صنعها الخالق جل وعلا: ” إن الآلة المصنعة تتكون من عناصر موثوق بها إلى أقصى حد ممكن بالنسبة لنا (فمحرك سيارة، مثلاً، مكون من أجزاء متحقق منها ومعروفة لنا). وهذه الأجزاء مشكلة من المواد التي تدوم وتقاوم أكثر ما يمكن على ضوء العمل المنتظر منها، غير أن الآلة في مجموعها هي أقل موثوقية بكثير من أي جزء من أجزائها إذا نظر إليه بمعزل عن الأجزاء الأخرى. 

 في الواقع، يكفي إتلاف أحد مكونات الآلة حتى يتوقف المجموع، ويكف عن العمل، ولا يمكن إصلاحه إلا بواسطة تدخل خارجي. وعلى العكس من ذلك، يتم الأمر على نحو مغاير بالنسبة للآلة الحية (المنظمة ذاتياً) ذلك أن مكوناتها ضعيفة جدًا، فالأمر يتعلق بجزيئات تتبدد بسرعة كبيرة جدًا، وبطبيعة الحال فجميع الأعضاء مكونة من هذه الجزئيات، فضلاً عن أننا نرى الجزئيات داخل جهاز عضوي مثلاً تموت وتتجدد لدرجة أن الكائن الحي يظل كما هو حتى وإن تجددت جميع مكوناته.  إذن، وعلى النقيض من الآلة الصناعية، نكون في حال الآلة الحية، أمام موثوقية كبيرة للمجموع، وموثوقية ضعيفة للمكونات. بمعنى آخر .. نحن لا نخلق شيئاً .. بل نحن في الحقيقة كما يقول موران تابعون لجيناتنا، وبمعنى ما، فإن جيناتنا تستحوذ علينا، وهي لا تتوقف أبداً عن أن تفرض على جهازنا العضوي ــ بأوامر خالقها وليس لنا من الأمر شيء ــ طريقة الاستمرار في الحياة.. وبشكل متبادل .. فإننا “نمتلك جينات .. تمتلكنا”، ومع ذلك نتحدث عن صناعة كائنات جديدة بالتلاعب الجيني، وهو ما يمكن أن يكون مقدمة أو استمرار لفكرة سيادة عرق على آخر .. وهي الفكرة الداورينية التي تسيطر على بعض العقول الغربية التي تهوى فكرة “الأفضل والأقوى” من زاوية عنصرية عرقية، وتعشق فكرة تصنيع الكائن القادر على تخطي حدود البشر .. ولذلك تجد المسلسلات الغربية والأفلام التي تتحدث عن “الرجل الأخضر” و”المرأة الحديدية”، و”السوبر مان”.  

وما هذا الابتكار الجديد إلا خطوة في نفس منظومة هذا الفكر. نستحي مؤخراً أن نتحدث عن الضوابط الأخلاقية والدينية لحدود العلم والبحث العلمي، وكأننا نجرم عندما نفعل ذلك، ولابد أن نتوقف عن الشعور بالذنب عندما نتحدث عن حماية البشرية من التجاوزات الأخلاقية للعلم.  العلم ليس هو الإله .. إنه خادم للبشر، وليس فوقهم .. الغرب يريد أن يجعل العلم كما يقول توينبي : “محايد أخلاقياً”، ولكن البشرية تحتاج أن يكون العلم منضبطاً بالضوابط الأخلاقية، وليس محايداً تجاهها، وإنما تابعاً لمنظومة الأخلاق والقيم التي يجمع على فضائلها البشر. كتبت سابقاً أن الغرب قد عبث طوال القرون الأربعة الماضية بالكيمياء والفيزياء، وحدث من جراء ذلك التلوث البيئي والتلوث الذري، ونحن اليوم أمام نوع أخطر من العبث البشري، وهو هذه المرة يتعلق بعلم الأحياء. 

ولذلك فمن سيتمكن من هندسة الجينات في المستقبل سيتحكم في القرون القادمة من حياة البشرية. إن التلوث الحيوي أو التلوث الجيني مشكلة ستواجه البشرية في المستقبل. وستتحول أبعادها إلى التأثير على العلاقات الأسرية فالأب والأم قد يتمكنا من تصميم نوع الجنين، وستصبح المسألة عرضة للتسوق والاختيارات والدعاية والإعلان. ولا أدري نوع العلاقة التي ستنشأ بين ابن تم تصميمه من قبل أبيه أو أمه، وكيف سيتعامل العالم مع التعقيدات الأخلاقية التي سيفرزها العبث البشري بكل مصادر الثروة التي وضع الإنسان أميناً عليها من خالقه، ولكنه اليوم يعبث بها، وكأن أمانة عمارة الكون قد تحولت إلى لعبة العبث به. 

نعلم يقينا أن العلماء لو اجتمعوا على مضاهاة صنع الله فلن يستطيعوا، وسبحان من قال في كتابه العزيز ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ”  والصورة المرفقة مع هذا المقال توضح ما هو شكل رأس الذبابة فقط، فما بالك بباقي تكوينها، وهي ذبابة .. قد يظن البعض أنها مخلوق بسيط يسهل مضاهاته.  ولذلك فمن الخداع أن نتحدث عن صناعة أو خلق خلية حية، ونحن في النهاية لم نقم إلا بالتلاعب بالجينات ونقلها من كائن لآخر، وقد يكون للأمر فوائده، ولكن يجب الحذر من عواقبه أيضاً.  المثل الذي وضعه الله تعالى للناس، موجه لمن يدعون من دون الله .. أي من لا يؤمنون بوحدانية الله، وكثير منهم هم من علماء الغرب اليوم، ولذا توجه الله تعالى بالخطاب إلى هذه الفئة ليتحداها ليس فقط في أن تصنع أو تخلق ذبابة .. بل أن تستنقذ نفسها من أن يسلبها الذباب شيئاً، والتحدي لا يزال قائماً، والنتيجة معروفة لنا، ولو اجتمعوا له!

 

عن محرر

شاهد أيضاً

لا تكن “عاديا” ! 5 مارس [65] من كتاب: عام من الأمل 365 خاطرة حول الأمل والحياة

لا تكن “عاديا” ! إن حاولت دائما أن تكون “عاديا” .. فلن تعرف أبدا كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]