أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

20 سم في 20 سم !

neqabbbnew.jpg

قطعة قماش مساحتها لا تزيد عن 20 سم في 20 سم تدخل بسببها المرأة السجن، وتوقع عليها الغرامات، ويتنادى العالم الغربي بأكمله بتأييد من البعض في الشرق لمقاومتها. إذا ارتدتها امرأة في فرنسا.. فستصبح مخالفة للقانون، ومتخلفة أيضاً .. ويطلب منها دفع غرامة 150 يورو أي ألف جنيه مصري، وإذا كان زوج المرأة سبباً في ارتدائها قطعة القماش تلك .. حكم عليه بالسجن لمدة عام، وغرامة 150 ألف يورو .. أي مليون جنيه. أما إذا ارتدتها في مصر .. نفس قطعة القماش .. فلن يسمح لها بدخول الامتحانات حتى لو عرفت نفسها .. ولن يسمح لها بالسكن في بيوت الطالبات .. ولن يسمح لها بدخول كثير من النوادي .. وسنتجمع لنهزأ بها على صفحات جرائدنا وفي إعلامنا وعلى ألسنة بعض الرسميين من علمائنا .. فهي امرأة “تسعى إلى الشهرة” في قول أحدهم .. وهي “مثلها كالعارية بالضبط” في نظر مفكر آخر، وهي “ما بتفهمش لا هي ولا اللي خلفوها” على رأي ثالث.

لم يبق في فرنسا من قضايا الشأن العام إلا تلك القطعة من القماش التي ستوقف عجلة الحرية في فرنسا كما يرى رئيسها الأحمق الذي لم يمانع أن تباع صور زوجته عارية في مزاد في نيويورك، وأصدرت الرئاسة الفرنسية يومها بياناً تؤكد فيه أنها تحترم الفنون والحريات الشخصية لزوجة الرئيس. يرونه في فرنسا جميلاً أن تظهر صور قديمة لزوجة الرئيس عارية، وأن تصور عارية، وأن تباع صورها عارية، وأن يزايد البشر على اقتناء صور سيدة أولى عارية، وأن يسعد لذلك زوج المرأة العارية .. رئيس دولة النور والتنوير والحضارة والحريات، ولكن ما عكر مزاجه وصفاء احتفاله بهذا الإنجاز لزوجته .. هو قطعة قماش ستوقف محركات تقدم فرنسا إن لم يتصدى لها، وقد فعل .. لينقذ فرنسا من أنياب قطعة القماش التي لا تزيد عن 20 سم في 20 سم.

سيدخل تاريخ العالم في العقد الأول منه الحديث عن قطعة القماش العجيبة التي أصبحت محور اهتمام الشرق والغرب معاً. قطعة قماش 20 في 20 سم يتخصص في الهجوم عليها كبار علماء الكنانة الرسميين، وكأن مصر لم يعد بها من المشكلات إلا قطعة القماش تلك. تسير الفتيات في مصر بملابس يندى لها الجبين، ولكن قطعة القماش تلك هي المشكلة .. تنام السائحات على بعض شواطئ مصر دون ما يستر عوراتهن أمام الأمن، ولا يسمح لمن تلبس قطعة القماش تلك أن تنعم بالفضيلة التي تريدها لنفسها. يتحرش بعض الرجال بنساء مصر في كل وسائل المواصلات، وتنتهك كرامة فتيات بلادنا، ولا يتحرك لنجدتهن أحد .. لأن الجميع مشغولون بقطعة قماش 20 في 20 سم. يترك وزير التعليم العالي كل كوارث التعليم العالي في مصر، ولا يهمه إلا أن يمنع من ترتدي قطعة القماش من أن تدخل الامتحان، أو أن تسكن في بيت الطالبات، وكأننا دولة كسيحة لا تستطيع أن تضع سيدة أو رجل أمن يتأكد من شخصية من ترتدي قطعة القماش تلك .. الحل الأسهل في نظر معالي الوزير أن تنتهك كرامتها .. أن يعتدى على حريتها في ارتداء ما يناسبها .. أن تمنع من التعليم لأنها تجرأت وارتدت قطعة قماش 20 في 20 سم.

أما من لا ترتدي من الملابس سوى قطعة قماش أقل من تلك التي ذكرت .. فهي متحررة ومتقدمة ولها حريتها التي يجب أن نساعدها جميعاً في الحفاظ عليها .. فهي متنورة، والثانية متخلفة .. هي متحررة .. والثانية مضطهدة .. هي تلبس القليل بمزاجها .. والثانية تلبس الكثير بسبب قهر أهلها وزوجها .. هي تتعرى لأنها عاقلة .. والأخرى ترتدي قطعة القماش لأنها غير واعية .. الأولى قادرة على اللحاق بركب العلم والتقدم، وأما الثانية فلن نصدق شهاداتها أو تميزها لأنها ترتدي قطعة القماش التي ستسبب انهيار حضارة العالم. ويصدق البعض منا كل هذا الهراء ومنا من يقوله، ونصدق أننا بذلك سنتقدم أو سنلحق بركب المتقدمين.

ما أعجب قوة قطعة قماش 20 في 20 سم في أن تحتل كل هذه المساحة من اهتمام العالم والمشرعين والدول ومجالس النواب والبرلمانات والإعلام والرؤساء. ماذا لو قرأت الأجيال القادمة بعد 100 سنة عن انشغالات واهتمامات قادة بداية القرن الحادي والعشرين .. هل سيصدقون أن قطعة قماش 20 في 20 سم كانت من جل وأولويات اهتمامهم. هل يصدقون أن قوانين تقدم وتناقش وتعقد لها جلسات استماع، وتحال إلى المحاكم الدستورية العليا، ويتبناها رؤساء الدول .. فقط من أجل منع 2000 امرأة من ارتداء قطعة قماش 20 في 20 سم. فرنسا تعاني من مشكلات البطالة، ومن مشكلات الانهيار الاقتصادي، ومن مشكلات التمييز العرقي بين أبنائها، ومن مشكلات انهيار اليورو، ومن كوارث التلوث، ولكن الأهم من كل هذه القضايا هي قطعة القماش التي ستتسبب في انهيار منظومة الحضارة الفرنسية!

القوانين الفرنسية تنص على أن السيدة التي ترتدي هذه القطعة من القماش لا تعبر عن الحضارة الفرنسية، ولا تعبر عن مبادئ التنوير .. قطعة قماش صغيرة يمكن أن تمسح من كل تاريخ وإنجازات أي امرأة الحضارة والتنوير والتعليم وتجعلها متخلفة مضطهدة عالة على الحياة الفرنسية .. ما أقواها من قطعة قماش .. وما أعمق تأثيرها! تغطية الوجه بالتأكيد ليست المشكلة .. المشكلة هي تلك القطعة من القماش الأسود بالتأكيد .. من يسير في طرقات فرنسا في أي يوم من أيام البرد القارس هناك سيشاهد آلاف السيدات وآلاف الرجال ممن يرتدون قبعات فوق الرأس تخفي معظم الرأس والوجه، وكوفيات تخفي ما تبقى من الوجه، وهناك أيضاً طواقي خاصة للبرد تلبس من الرأس وحتى الرقبة ولا تظهر منها سوى العينان .. ويصبح صاحبها أو صاحبتها كشكل القناصة أو من يسطون على البنوك، ولكن المجتمع يقبلها وفرنسا تقبلها، وكل العالم الغربي “البارد” يقبلها حتى تحمي صاحبها من البرد القارس، وكل ذلك سيبقى كما أظن مباحاً .. إلا صاحبة قطعة القماش .. هي الوحيدة التي عندما ترتدي قطعة القماش تتحول إلى متخلفة على الفور، وتتحول إلى عار على فرنسا الجميلة في نفس اللحظة. المشكلة بالتأكيد في قطعة القماش تلك.

أتفهم الآن رؤيتهم في الغرب في أهمية ألا ننشغل بضحايا البراكين، ولا قتلى المجاعات، ولا اعتداءات الدول على الشعوب المحتلة في فلسطين و العراق وأفغانستان وغيرها.. أتفهم لماذا لا يمكن أن نهتم بالفقر أو البطالة أو المرض أو التعليم .. كارثة هذا الزمان التي يجب أن نوليها العناية الكبرى في هذه اللحظة التاريخية هي قطعة القماش 20 في 20 سم. يتصورون أن تغفر لنا الأجيال القادمة أن نقدم لها عالماً أشبه بالغابة يقتل القوي فيه الضعيف، وتغتصب الحقوق، وتحتل الدول، وتنهار فيه القيم، ويعلن فيه على صفحات الجرائد زواج رجل من قطة، وزواج امرأة من أختها، ولكنهم يقولون لنا أن الأجيال القادمة لن تغفر لنا بالتأكيد أن تبقى قطعة القماش على وجوه بعض نسائنا.

من أجل كل ذلك كتبت هذا المقال لكي أساهم في بيان خطورة قطعة القماش 20 في 20 سم، وحتى لا أتخلف عن ركب الحضارة، ولا أتبنى قضايا عصري، فمن لم يجمع هموم عصره جمع كل شروره، فالحمد لله الذي علمنا وفهمنا قيمة وقوة قطعة القماش التي تزين وجوه بعض نسائنا، والفارق الوحيد أنني أعتز بقوة وقيمة قطعة القماش تلك، وأحمد الله على أنني لم أكتب يوماً إلا مدافعاً عنها، فيبدو أنها مؤهلة لتصبح أحد أهم القوى في عالم الغد المتعدد الأقطاب. عذراً على السخرية، ولكنها من شر البلية التي نعيش في أكنافها.

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]