أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

المعركة القادمة

59-copy.jpg
التنافس الحضاري هو أحد الحقائق الثابتة في عالمنا منذ عشرات القرون. هناك دائماً حضارة ترغب في التفوق على كل الحضارات المحيطة بها، وتبذل كل ما تملك من جهد وقدرات من أجل تحقيق ذلك سلماً في بعض الأحيان، وعنوة في أحيان أخرى كثيرة، ولكن التنافس دائماً قائم على من يسود العالم، وبأي طريق تتم هذه السيادة. في الماضي البعيد كان التنافس الحضاري يشتعل حول الجعرافيا .. والحدود .. ومساحة الأرض التي تمتلكها كل حضارة، وكان معيار الانتصار يكمن في قهر الآخرين وضم الأراضي إلى حدود الحضارة صاحبة القوة والانتشار والرغبة في التحكم في الغير.. الصراع كان على الجغرافيا.
 
ثم اكتشفت الحضارات التي تتنافس أن الأرض بحد ذاتها قد لا تعني الكثير، وقد يكون الأهم هو الموارد الطبيعية التي تحتويها تلك الأراض من ذهب أو نفط أو منتجات زراعية أو غيرها، وبدأ التنافس الحضاري يتحول من الاستيلاء على الأراضي إلى التحكم في الموارد الطبيعية .. سعى المتنافسون إلى التسابق في انتقاء أفضل المناطق التي تحتوي على أعلى مخزون ممكن من الثروات .. الصراع تحول من الجغرافيا إلى الموارد في تلك القرون.
 
ومع ظهور الصناعة، والتحول من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي بدأت تظهر أهمية العمال مع الموارد كي يمكن تحقيق أكبر قوة اقتصادية وعسكرية تمكن أي حضارة من المنافسة على سيادة عالم تلك الأيام .. التنافس الحضاري تحول من الصراع على الأرض .. ثم على الموارد .. إلى استخدام الصناعة في السيطرة على الأرض والموارد، ونشأت صناعات السلاح والقتل الجماعي وأسلحة الدمار الشامل .. ووظفت الصناعة من أجل التنافس الحضاري والسيطرة على الشعوب .. ودخل الإنسان معادلة التنافس الحضاري في تلك الفترة بوصفه عامل .. يمكن أن يتحول إلى “عبد” يستجلب من قارة بعيدة من أجل أن تسخر طاقته في خدمة حضارة ما، ويمكن كذلك في مكان آخر من العالم أن يوهم ذلك الإنسان أن كل البشر “عمال” أو “بوليتاريا” من أجل أن تسود حضارة أخرى، واشتركت هاتان الحضارتان في الرغبة في تحويل الإنسان إلى مستهلك مطيع من أجل ابتلاع كل ما تنتجه المصانع من منتجات تدر المال الذي يدفع عجلة التنافس الحضاري بقوة بين تلك الكيانات. 
 
وانتقلت ساحة الصراع الحضاري من الجغرافيا والموارد إلى الصناعة، ولا يعني ذلك أنه لم يكن هناك تنافس حول الأراضي أو الثروات، ولكن ساحة الصراع الحقيقي كانت هي القوة والقدرة الصناعية التي كانت تحسم من يفوز في سباق تنافس الحضارات وحتى مطلع القرن العشرين.
 
ثم ظهرت قيمة المعرفة والمعلومات منذ بداية القرن العشرين، وشعر العالم أجمع أن من يملك المعلومة يملك القوة، واشتعل الصراع بين الحضارات حول السيطرة على المعلومات، وتحويل المعرفة إلى سلاح، واستخدام الإعلام للسيطرة على الشعوب من خلال انتقاء واختيار وتوجيه المعارف والثقافة والأفكار.. وأصبح القرن العشرين قرن الصراع حول المعرفة، وحول امتلاك واستغلال وتوجيه المعلومات من أجل السيادة الحضارية، ومن أجل التحكم في الإنسان، ونشأت الثورة الرقمية التي ترغب في تحويل كل المعارف إلى أرقام .. أو بيانات، واستخدمت الحاسبات من أجل المساهمة في التنافس الحضاري الذي انتقل من التركيز على الأرض ثم الموارد ثم الصناعة لكي تصبح ساحة المعركة الخاصة به هي ساحة المعارف والمعلومات، وكان هذا هو شكل التنافس الحضاري في مطلع القرن الحادي والعشرين.
 
لم تكن الفترات التي حدثت فيها تلك الانتقالات في مجالات التنافس الحضاري متساوية من ناحية المدة الزمنية بالطبع، ولكن الملاحظ هو تقلص الزمن الذي تستغرقه البشرية في الانتقال من مجال تنافس إلى مجال تنافس جديد، ولعله من علامات “تقارب الزمان” التي تنذر باقتراب النهاية للجميع .. استمر الصراع حول الجغرافيا عشرات القرون .. ثم استغرق الصراع على الموارد مئات السنين، واشتعلت الحروب الصناعية لتشغل عشرات العقود، ولتفسح المجال إلى الصراع حول المعارف والمعلومات الذي أصبح يقاس عمره بعشرات السنين، وإذا استمر هذا التقارب في الزمان بين الانتقالات المرتبطة بمجالات التنافس الحضاري، فلابد أننا على مشارف انتقالة جديدة .. أو مرحلة جديدة من مراحل التنافس الحضاري .. والسؤال الهام هو ما هي ساحة ومجال المعركة القادمة .. وهل معرفتها ستعين على الاستعداد لها والعودة مرة أخرى إلى ساحات التنافس الحضاري حول مستقبل وغاية الإنسان؟
 
التنافس الحضاري لم يكن دوماً تنافس شريف، بل أحياناً تحول التنافس الحضاري إلى مسابقة في النهب والاستعمار والاستيلاء على ثروات الشعوب، بل وتحويلهم إلى عامة ونبلاء .. وأحياناً إلى سادة يتحكمون وعبيد يقتلون من أجل أن تزدهر حضارة ما على حساب شعوب بأكملها تحولت إلى رقيق. الأمة المسلمة ظهرت منذ نشاتها كخصم معاند في سباقات التنافس الحضاري، ولكنها كانت دائماً تتسابق من أجل صالح الإنسان، وبالتالي لم يكن لها مكان عندما تحول التنافس الحضاري إلى مسابقة للنهب والاستغلال. لا يعني ذلك أن الأمة المسلمة كانت قوية في تلك الفترة، واختارت الانسحاب من التنافس الحضاري، ولكن الحقيقة أنها كانت ضعيفة إلى الدرجة التي جعلت من شعوبها كيانات استهدفتها مسابقة النهب والاستعمار. 
 
ولا زالت الأمة تعاني من ويلات تلك العقود، ولكن عالم اليوم ليس كعالم الأمس، ويبدو أن الأمة المسلمة تستعيد تواجدها الحضاري بشكل جعلها محط الأنظار والنقاشات والخلافات والصراعات أيضاً في عالم اليوم، ويبقى السؤال القائم .. ما هي ساحة المعركة القادمة، وهل يمكن لنا أن نستعد للمنافسة فيها بعد أن فاتنا إمكانية التنافس الصناعي .. أو التنافس المعرفي اللذان شكلا مجالا الصراع في القرنين الماضيين؟
 
تشير الدلائل إلى أن المعركة القادمة ستكون حول “الاستثمار البشري” .. أي أن التنافس سيكون حول مهارات الإنسان .. فمن يملك إنسانا متكاملاً قادراً مؤهلاً ومسلحاً بالعلم والفكر والإيمان بمصالح أمته سينجح في التنافس بقوة في عالم الغد، ويغلب الظن أن ساحة المعركة القادمة ستكون في ميدان “التنمية البشرية” لأن الأرض لم يعد لها نفس الأهمية التي كانت في عهود الماضي، كما أن الموارد لا تزال هامة، ولكنها لم تعد العنصر الأهم في حسم الصراعات، وكذلك القدرة الصناعية لأن قوة المستهلك أصبحت أقوى من قوة الصانع، وأخيراً أثبتت ثورة المعارف والمعلومات أنه بدون “الإنسان”، فليس للمعلومة قيمة وليس من الممكن التنافس المعرفي دون أن يوجد من يحمل أدوات المعرفة والعلوم والفنون وهو الإنسان.
 
ظهور القوة البشرية للصين والهند، واستعادة ماليزيا لنهضتها بعد كبوة النمور الآسيوية، وظهور تركيا لاعباً قوياً على الساحة الإقليمية مؤخراً .. كل ذلك يؤكد ما نشير إليه من قيمة “الإنسان”، وأن التنمية البشرية والاستثمار في الإنسان سيصبح مجال التنافس بين حضارات الغد القريب. ومع ارتفاع نسب الأمية في عالمنا العربي والمسلم، وقلة الاهتمام بفكرة التنمية البشرية، وقصرها على مجالات الإدارة والاقتصاد يجعل من الأهمية بمكان أن نتحدث عن المعركة القادمة قبل أن تبدأ لعلنا نتدارك أخطاء الماضي، ونستعد مبكراً لمجال التنافس الجديد.
 
لقد نجح الغرب في العقود الماضية في استقطاب عشرات الآلاف من العقول النابهة والنابغة من كل أنحاء العالم استعداداً لتلك المنافسة، ولكن الواقع يؤكد أنه لم يعد قادراً على الحفاظ على تلك العقول التي تهاجر بشكل معاكس بكثرة في السنوات الماضية عائدة إلى ديارها الأصلية بعد أن اكتشفت زيف الحلم الغربي في سعادة حقيقية .. أو سعياً وراء فرصة اقتصادية أفضل في المناطق التي لم تتأثر بالأزمة العالمية المالية، وعلى رأس تلك المناطق العالم المسلم الذي حماه الله جل وعلا بأن كان أقل مناطق العالم تأثراً بتلك الأزمة الخانقة التي عصفت بكل مسلمات الحضارة الغربية أو الفكر الرأسمالي الاقتصادي.
 
الهجرة المعاكسة للعقول تعيد قدرات وطاقات هائلة إلى مناطق العالم الثالث وشعوب العالم المسلم، ولابد من إحسان الاستفادة من تلك العقول في مشروع متكامل للتنمية البشرية ينطلق من مسلماتنا ومعتقداتنا ولا يصادمها، ويستفيد من مصادر قوتنا ولا يهدرها، ويساهم في بناء نهضة حضارية تقوم على إسعاد ونجاح الإنسان .. وليس على استعباده أو استغلاله أو تحويله إلى مجرد رقم في ماكينة الاستهلاك.
 
السباق القادم أو لنقل المعركة القادمة ستكون ساحتها هي مجال “التنمية البشرية” والاستثمار في الإنسان، ومن ينجح في أن يستعد لهذه المعركة سينجح في التأثير على مسارها، ونحن في العالم الإسلامي لابد أن نشارك في تلك المعركة، بل من المهم أن ننافس على الفوز بها، فرسالة الأمة المسلمة كانت ولا تزال وستبقى دائماً الاستثمار في الإنسان .. وهي مجال قوى وحيوية في عالمنا المسلم .. ولم نختر نحن مجال المعركة .. ولكن الكثير من القرائن والمؤشرات تشير إلى أن هذه المعركة ستكون في مجال اجتمعت لنا فيه عناصر قوة كثيرة ومؤثرة، ولكن بالتأكيد هناك الكثير من التحديات.
 
منطلقاتنا في التنمية البشرية يجب أن تنبع من مبادئنا فهذا ما يحتاجه عالم اليوم والغد، وقوتنا ستكون في تقديم نموذج استثمار بشري متكامل ومتوازن للنجاح الصحيح للإنسان ليس على حساب باقي البشر .. ولكن من خلال التعاون التراحم والرغبة في الخير لبني الإنسان. هذه المقالة دعوة لأن نولي مجال “التنمية البشرية” الاهتمام اللائق لأنه سيكون ساحة المعركة القادمة، ولأن نفكر ونكتب ونحشد القوى والجهود في هذا المجال .. لأننا قادرون بإذن الله على الفوز في تلك المعركة إن جمعنا مع الإيمان .. حمل الرسالة بقوة .. والصبر على مصاعب الطريق .. واستحضار جائزة الفوز في الدارين .. وتقديم نموذج مشرق ومشرف لنهضة وسعادة الإنسان.
 
د. باسم خفاجي
20 فبراير 2011

 

 

عن محرر

شاهد أيضاً

سلسلة مقالات الثورة (15) – نحتاج إلى ثورة !

في العام الماضي كتبت أننا لا زلنا بحاجة إلى ثورة .. وفي العام الذي قبله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]